حين تصنع التربية عقل العالم

عروة بن الزبير.. أول درس في الاتباع من يد عمر بن الخطاب

رجل كبير طويل يمسك صبيا من جدائل شعره وهو يعلمه في رفق ورحمة ولين والطفل كأنه يهرب منه في كعادة الصبيان وهو يبتسم

يروي الإمام الذهبي، في «سير أعلام النبلاء»، خبرًا عن عروة بن الزبير(1)؛ حيث يقول يَعْقُوبُ الْفَسَوِيُّ عَنْ عِيسَى بْنِ هِلَالٍ، عَنْ شُرَيْحِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ شُعَيْبِ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، قَالَ: كُنْتُ غُلَامًا، لِي ذُؤَابَتَانِ، فَقُمْتُ أَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ، فَبَصُرَ بِي عُمَرُ وَمَعَهُ الدِّرَّةُ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُ فَرَرْتُ مِنْهُ، فَلَحِقَنِي، فَأَخَذَ بِذُؤَابَتِي، قَالَ: فَنَهَانِي، قُلْتُ: لَا أَعُودُ(2).

تضعنا هذه الرواية في مشهد مبكر من حياة عروة بن الزبير، قبل أن يصبح أحد كبار فقهاء المدينة وأعلام التابعين، إنها لحظة طفولية قصيرة، لكنها تحمل بذور شخصية العالم الذي سيأتي بعد سنوات؛ إذ يتعلم فيها عروة أن الدين ليس مجرد رغبة صادقة في فعل الخير، بل هو التزام بما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن العبادة لا تُبنى على الاستحسان المجرد، وإنما على الاتباع، والرواية -كما نقلها أهل السير والتراجم- تكشف جانبًا مهمًا من البيئة التي نشأ فيها عروة؛ بيئة كان فيها الصحابة حاضرِين في حياة الجيل التالي، يضبطون المفاهيم قبل أن تتحول الأخطاء الصغيرة إلى مناهج مستقرة، فلم يكن عمر بن الخطاب يرى طفلًا يصلي فقط، بل كان يرى جيلًا يتشكل، وعقيدة عملية تُبنى في النفوس.

تتأسس الشخصية العلمية والإيمانية في الحضارة الإسلامية على الرصيد التربوي المبكر الذي يتلقاه النشء في كنف الرعيل الأول؛ إذ لم تكن عملية البناء الفكري مجرد شحن للمعلومات وترديد للمتون المأثورة، بل كانت صناعة دقيقة للمنهج والروح وموازين التلقي، وفي طليعة رجالات التابعين الذين امتدت فيهم آثار مدرسة الصحابة، برز التابعي الجليل عروة بن الزبير بن العوام، أحد فقهاء المدينة المنورة السبعة، ليكون النموذج الأكثر جلاءً للعالم الذي انطبعت في وجدانه قواعد الاتباع والانقياد للنص الشرعي قبل أن يستوي عالماً يشار إليه بالبنان.

وتلخص حادثته المبكرة مع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه معلماً فاصلًا من معالم تشكيل عقليته، حيث تلقى أول درس عملي في حرمة التعبد بما لم ينزل به سلطان، وأن الطريق إلى الله سبحانه وتعالى ليس مسلوكاً بالاستحسان الشخصي أو الرغبة المجردة في الخير، وإنما بالوقوف الدقيق عند أثر النبوة وهدي الصحابة الكرام.

لماذا لا يكفي حسن القصد لقبول العبادة؟

تتفق الشرائع والمناهج التربوية على أن رغبة الإنسان في التقرب إلى الله أمر محمود في ذاته، غير أن الشريعة الإسلامية تضع معياراً دقيقاً يُلزم بضرورة اقتران حسن النية بموافقة المنهج النبوي الشريف، قام عروة بن الزبير الغلام ليركع ركعتين بعد صلاة العصر، وهو زمن نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة فيه، فكان خطأ عروة نابعاً من الحرص على الخير والطاعة، لا من التهاون أو العبث، وهنا تبرز القاعدة الأصولية العظيمة التي قررها أهل العلم في أن العبادة لا تُقبل بحسن المقصد وحده، بل ينبغي أن تكون خالصة لله وموافقة لسنة رسوله، وقد تجلى هذا المعنى القرآني الأصيل في قوله جل جلاله: (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ) (آل عمران: 31).

وتتأكد هذه الحقيقة بالعديد من المواقف التاريخية التي صحح فيها الصحابة والنبي صلى الله عليه وسلم أفعال من ابتغوا الخير بطرق لم تشرع؛ حيث أنكر النبي صلى الله عليه وسلم على الذين تقالوا عبادته وأرادوا الاعتزال والتضييق على أنفسهم ابتغاء القربة، فقال لهم: «أَنْتُمُ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا؟ أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي»(3).

وفي السياق نفسه، نبه الفقيه القاسم بن محمد على أن صحة الطريق وموافقة الحق مقدمة على الاجتهاد المجرد والنية العاطفية، مصرحاً بأن السلامة في لزوم النص والتوقف عند حدود العلم الواضح، ومشيراً إلى أن العمل بلا بصيرة شرعية لا يثمر إلا التخبط، كما بلغ حزم عمر بن الخطاب رضي الله عنه أوجهاً حين رأى رجلاً يداوم على الصوم المجهد المسمى بصوم الدهر، فرأى أن هذا الإجهاد يخرج بالعبادة عن أصلها النبوي، فجعل يقرع رأسه ويقول: «كل يا دهر»(4)، وتتكامل هذه الشواهد لتؤكد أن الطريق إلى الله سبحانه محدد بالشرع، وأن العبادة توقيفية لا مجال فيها للاستحسان والاجتهاد الذاتي.

رمزية درة عمر في حماية هدي النبوة

لم تكن درة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه مجرد سوط للزجر البدني، وإنما كانت رمزاً لهيبة الشريعة ورعاية بيضة الإسلام من أن يتسرب إليها ما ليس منها، كان عمر مدركاً بثاقب بصيرته أن التساهل مع الأخطاء الصغيرة في أداء العبادات قد يستحيل مع تطور الأيام إلى مناهج مستقرة وطقوس محدثة تبعد الأمة عن جوهر التنزيل، تجسدت هذه السياسة العمرية الرشيدة حين رأى أناساً يترددون على شجرة بيعة الرضوان ليصلوا عندها تفضيلًا للمكان، فأمر بقطعها حسماً لعادة التبرك المحدثة، ورعاية لجناب التوحيد والاتباع الصافي، وفي موقف آخر لما رأى قوماً يتتبعون الآثار النبوية للصلاة فيها، نهاهم بشدة وقال: «هكذا هلك أهل الكتاب قبلكم: اتخذوا آثار أنبيائهم بيعاً، من عرضت له منكم فيه الصلاة فليصل، ومن لم تعرض له الصلاة فليمض»(5).

ولم يقتصر هذا الحرص الصارم على شخص عمر وحدها، بل غدا منهجاً عاماً يتوارثه الصحابة لمنع أي زيادة في الدين مهما حسنت صورتها، فعَنْ نَافِعٍ أَنَّ رَجُلًا عَطَسَ إِلَى جَنْبِ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ، فَقَالَ الرَّجُلُ: الْحَمْدُ لله، وَالسَّلاَمُ عَلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: وَأَنَا أَقُولُ: الْحَمْدُ لله، وَالسَّلاَمُ عَلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، وَلَيْسَ هَكَذَا، عَلَّمَنَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم أَنْ نَقُول: الْحَمْدُ لله عَلَى كُلِّ حَالٍ»(6).

وفي هذا المعنى الشديد لحفظ حدود الدين، نادى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه بالإنكار على الحلق التي اجتمعت في المسجد يسبحون بالحصى على هيئة غير مأثورة، قائلاً لهم: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنَّكُمْ لَعَلَى مِلَّةٍ هِيَ أَهْدَى مِنْ مِلَّةِ مُحَمَّدٍ، أَوْ مُفْتَتِحُو بَابِ ضَلَالَةٍ»(7).

إن هذه المواقف الحازمة رسخت لدى التابعين أن الدين يؤخذ بالتلقي والتوقيف، وأن حماية الشريعة تقتضي الوقوف عند حدود النص دون تغيير أو تبديل.

تحول فرار الغلام إلى سرعة قبول الحق

تختزل عبارة عروة بن الزبير الغلام لما أخذ عمر بذؤابته: «لا أعود»، ملمحاً نفسياً وتربوياً عميقاً في بناء العقلية العلمية الناضجة، لم يتلمس عروة للفرار مبرراً، ولم يعتذر بجهل الصبي أو حسن النية، بل بادر إلى الإذعان الفوري وإعلان ترك ما ظهر نهيه، إن هيبة عمر بن الخطاب الممتزجة بجلال الشريعة صنعت في نفوس أطفال المدينة إجلالاً متدفقاً للحق، فصار رجوعهم إلى الصواب سلوكاً شريفاً يعتزون به، وقد امتد هذا السمت الإيماني الراقي إلى سير أعلام الهدى عبر التاريخ؛ إذ كانت الهيبة العلمية تقترن دوماً بالانقياد العاجل للدليل والاعتراف بالخطأ.

يتجلى هذا الخضوع الكامل للحق في موقف الحسن بن الحسن حين واجه علي بن الحسين زين العابدين بالمهابة الممتزجة بالإحسان، فانقاد له وبكى بين يديه معاهداً: «لا جرم لا عدت في أمر تكرهه»(8).

وترجمت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها هذا التعظيم للنص حين ذُكّرت بهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في حظر الهجران، فبكت بكاءً غزيراً واستجابت فوراً للحكم الشرعي، وأعتقت رقاباً كفارة ليمينها، كما عكس الإمام مالك بن أنس في مجلسه أعلى صور هذه الهيبة الإيمانية التي تحف أروقة المعرفة وتورث التعظيم للآثار؛ إذ كان مجلسه يفيض بالسكينة والوقار، ولا يجرؤ أحد على اللغط أو المنازعة هيبة له ولما يحمله من العلم، لقد تشرب عروة هذا التوقير المباشر من درة عمر، فنشأ عالماً يضع النص فوق كل اعتبار، ويرى في الانقياد للحق منقبة ورفعة.

انتقال روح الشريعة بين جيلي التنزيل والتلقي

لم تكن مهمة الرعيل الأول من الصحابة رضوان الله عليهم مقصورة على استظهار أسانيد الأحاديث ورواية الألفاظ المجردة، بل نقلوا إلى جيل التابعين الكيفية الدقيقة لفهم النص، وطريقة إعماله، وتنزيل الأحكام على الحوادث المتجددة، تعلم عروة بن الزبير في بيت خالته أم المؤمنين عائشة وفي مجالس أكابر الصحابة الفقه المقاصدي الذي يربط بين الجزئيات والكليات، تتجلى هذه الفطنة الفقهية في استنباط أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها حين صححت فهم من ظن أن لمس المرأة ينقض الوضوء مطلقاً، فربطت نص الآية بالتطبيق النبوي الميداني، مستدلة بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل بعض نسائه ثم يصلي ولا يتوضأ، فنقلت للأمة المنهج البياني الكامل لاستخراج الحكم الشرعي(9).

ورافق هذا الفهم الراسخ نقل الصحابة لظروف التنزيل وأسباب الورود لضمان سلامة الاستدلال، كما قرره عبد الله بن مسعود رضي الله عنه بقوله: «واللهِ الّذِي لا إِله إِلاّ هُو ما أُنْزِلتْ سُورةٌ مِنْ كِتابِ اللهِ إِلّا وأنا أعْلمُ أيْن نزلتْ، ولا نزلتْ آيةٌ مِنْ كِتابِ اللهِ إِلّا وأنا أعْلمُ فِيم أُنْزِلتْ ولوْ أعْلمُ أحدًا أعْلم مِنِّي بِكِتابِ اللهِ تبْلُغُهُ الإِبِلُ لركِبْتُ إِليْهِ»(10)، واسترشد أئمة التابعين بهذا الإرث التفسيري العميق، محققين الامتثال للأمر الإلهي الحكيم: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) (النحل: 43).

ويوضح سعيد بن المسيب كيف انتقل الفهم التشريعي عبر التطبيق العملي للصحابة بقوله: «ما بقي أحد أعلم بقضاء قضاه رسول الله ولا أبو بكر ولا عمر مني»(11)، إن انتقال طريقة الاستدلال وضوابط الفهم هو الذي حفظ للشريعة مرونتها وانضباطها، وحمى النصوص من الشطط والتأويلات الفاسدة.

البعد التربوي التنموي في عبارة عروة بن الزبير" لا أعود"

يعتبر قبول التصحيح والسرعة في الرجوع عن الاجتهاد الخاطئ من أخص خصائص العلماء الراسخين؛ إذ لا يرى العالم في تراجعه عن رأيه زوالاً لمكانته، بل يرى فيه نجاحاً في الانتصار للحق واطراحاً لحظوظ النفس، عندما قال عروة بن الزبير لعمر: «لا أعود»، كان يضع اللبنة الأولى في خلق العلماء الذين لا يتثاقلون عن المراجعة متى سطع برهان الحق، وقد زخر التاريخ الإسلامي بنماذج مضيئة من الصحابة والأئمة الذين ضربوا أروع الأمثلة في شجاعة الرجوع عن الخطأ.

يتألق هذا المعنى الراقي في موقف أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين أمر برجم امرأة حامل جهلاً بحالها، فذكره الصحابي الجليل معاذ بن جبل بالحكم الشرعي الذي يحمي الجنين، فنزل عمر عن رأيه فوراً وقال كلمته الشهيرة: «لولا معاذ لهلك عمر»(12)، وفي مسألة قسمة المواريث، أفتى أبو موسى الأشعري برأي خالف فيه عبد الله بن مسعود، فلما علم بأصل الدليل وحجة ابن مسعود، لم يتكبر بل قال للسائلين بتواضع العلماء: «تَسْأَلُونِي مَا دَامَ هَذَا الْحَبْرُ فِيكُمْ»(13)، وترسخت هذه القيمة الإيمانية العالية بالهداية القرآنية الداعية إلى الإنابة والاستغفار، كما قال سبحانه: (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ) (آل عمران: 135)، إن السرعة في التوبة والتراجع عن الزلل تجسد كمال الأهلية العلمية والنزاهة الفكرية.

من قصة الذؤابتين إلى خلود المنهج الاتباعي

تستقيم القراءة الشاملة لسيرة عروة بن الزبير حين ينظر إليها من زاوية ذلك الدرس المبكر الذي تلقاه تحت ذؤابتيه من يد الفاروق عمر، لقد أثمرت تلك التربية الحازمة عالماً جليلاً صار واحداً من القلاع الحصينة للسنن والآثار في المدينة المنورة، يفر من البدع ويتوقف عند حدود النص بكل تجرد وإخلاص، لم يكن منهج الاتباع لدى عروة شعاراً مجرداً، بل كان أسلوب حياة وهداية حية أورثها تلامذته وأبناءه، فكان يرى أن السلامة والرفعة لا تنالان إلا بالتأسي الواعي بهدي النبوة واستنان طريق الصحابة الكرام.

وتتكرر هذه التجربة التربوية الحازمة في صناعة كبار أئمة الأمة؛ فقد روى التابعي الجليل عكرمة مولى ابن عباس كيف كان شذوذه العلمي ينضبط بقوة توجيه أستاذه، حيث قال: «كان ابن عباس يجعل في رجلي الكبل ويعلمني القرآن والسنن»(14)، وتتطابق هذه الصرامة التربوية مع توجيه النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عباس وهو غلام، حين غرس فيه أصول التوكل والوقوف عند الشرع بقوله: «يَا غُلَامُ: إِني أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ: احْفَظِ الله يَحْفَظكَ، احْفَظِ الله تَجِدْهُ تُجَاهَكَ..»(15)، أثمر هذا الغرس النبوي والعمري أئمة أقاموا أركان التشريع، وأعلنوا الخضوع الدائم للدليل، كما صرح الإمام الشافعي بقوله: «إذا صح الحديث فهو مذهبي»(16)، لقد بدأ عروة رحلته بتعلم معنى الامتثال، فغدا صرحاً مرجعياً علم الأمة كيف يكون الاتباع طريقاً خافقاً بالخلود.

كيف نقل الصحابة دين في ذاكرة الأطفال؟

تكشف الحادثة التاريخية لغلامية عروة بن الزبير مع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب عن الميزان الحضاري الذي صاغ عقول أئمة الإسلام، ومكنهم من قيادة الأمة بالفقه والاتباع الصادق، إن الزاوية المركزية التي أراد المقال تسليط الضوء عليها تنحصر في بيان أن العبادة الصالحة والنهضة العلمية الحقيقية لا تتأسسان على مجرد النوايا الطيبة أو العواطف المجردة والاستحسان الفردي، بل تشترطان لزوماً التزام الهدي النبوي الشريف، واقتفاء آثار الصحابة الكرام في الفهم والتطبيق، لقد صنعت دُرّة عمر في نفس عروة تعظيماً دائماً للنص ورسوخاً في الانقياد للحق، ليتخرج من تلك اللحظة التربوية الحاسمة إمام من أئمة الهدى، أثبت للعصور المتعاقبة أن السلامة والرفعة والخلود لا تنال بكثرة الاجتهادات المحدثة، وإنما بسلوك الطريق الذي خطه رسول الله صلى الله عليه وسلم وسار عليه أصحابه الأبرار.

الهوامش
  • 1 عروة بن الزبير بن العوام القرشي الأسدي، ولد سنة 23هـ، وهو تابعي جليل وأحد فقهاء المدينة المنورة السبعة، أخذ العلم عن كبار الصحابة ومن أبرز شيوخه خالته أم المؤمنين عائشة، وأبوه الزبير، وأبو هريرة، وابن عباس، واشتهر بالفقه والحديث وتدوين المغازي والعبادة والصبر، وسكن المدينة المنورة وتوفي بها سنة 94هـ.
  • 2 سير أعلام النبلاء (4/ 423).
  • 3 صحيح البخاري (5/ 1949/ 4776).
  • 4 المصنف، ابن أبي شيبة (6/ 71/ 9811).
  • 5 اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم (2/ 273).
  • 6 جمع الجوامع المعروف (21/ 223) (422/ 429).
  • 7 الجامع الصحيح للسنن والمسانيد (2/ 254/ 61926).
  • 8 صفة الصفوة (1/ 354).
  • 9 شرح زاد المستقنع (2/ 66)، وقال المصنف: أخرجه أبو داود في باب الوضوء من القبل من كتاب الطهارة (179)، وفي سنن أبي داود (1/ 124).
  • 10 ورثة الأنبياء شرح حديث أبي الدرداء، ص 9، وقال ابن رجب: أخرجه البخاري (5002)، ومسلم (2463).
  • 11 التاريخ للفلاس، ص 301، وقال المصنف: عند البخاري في تاريخه الكبير (3/ 511) (ر: 1698)، وابن سعد في الطبقات الكبير (2/ 325) (ر: 2709).
  • 12 جمع الجوامع المعروف بـ«الجامع الكبير» (15/ 355).
  • 13 صحيح البخاري (6/ 2477/ 6355).
  • 14 صفة الصفوة (1/ 359).
  • 15 جمع الجوامع المعروف بـ«الجامع الكبير» (12/ 670/ 747-27374).
  • 16 تنقيح الفصول في علم الأصول، ص505.
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة