اقتصاد الانتباه.. ورأسمالية البيانات
اقتصاد الانتباه.. قد يظن المرء
أنه بمعزل عن نظرية العرض والطلب بشقيها وهو يتصفح جواله، بيد أنه في مركزها
تمامًا، فالإنسان موضوع تلك النظرية من جهة كونه المعروض عليه باستمرار منذ نشوء
الرأسمالية، وهي مستغنية ببادي ألفاظها عن تطلب وجه لتأليفها، فقد جعلت من الربح
قِبلة يُولي وجهَه قِبلها كل من اتخذها مذهبًا.
تسليع الانتباه
في عُرْف
الاقتصاديين لكي يعتبر مورد ما اقتصاديًا، عليه أن يتحلى بـ5 خصائص نجدها منطبقة
على تركيزنا، وهي:
1- الندرة: قدرتنا
على الانتباه محدودة خلال اليوم، بالضبط كما أوقاتنا خلال هذا اليوم، فبالتالي
ليست معينًا لا ينضب.
2- المنفعة: لولا
الانتباه لما أنجز الإنسان عملًا يُذكر، وتخصيصه لعمل معين يعني إنجازه بكفاءة
أعلى في وقت أقل.
3- القابلية
للتوزيع: يمكنك توليته أينما شئت، لعملك، لدراستك، بل وحتى لتسليتك.
4- التكلفة
البديلة: أو ما يعرف أحيانًا بثمن الفرصة الضائعة، وهو خسرانك لأمر في مقابل حصولك
على آخر، لكن مع الأسف أغلب صفقاتنا في عالم مواقع التواصل الاجتماعي خاسرة، فنحن
نخسر أعمارنا وقدرتنا على التركيز في آن واحد.
5- القابلية
للإنتاج/الاستهلاك: يمكنك رفع جودة انتباهك بتقليل المشتتات، وقضاء أوقات أطول في
ممارسة نفس العمل، ويمكنك أيضًا استنزافه خصوصًا باستهلاك المحتوى المعد خصيصًا
للاستهلاك السريع.
ولما كانت
قدرتنا على الانتباه موردًا اقتصاديًا، وكنا نعيش في اقتصاد رأسمالي لبنة بنيانه
تسليع كل ما هو قابل للتسليع بهدف تعظيم الربح، كان لا بد لعمالقة وادي السيليكون
أن تنبري للذود عن حصن الرأسمالية المنيع، بتعظيم أرباحها من خلال استهداف تركيزنا.
وليس ذلك ضربًا
من المخططات التآمرية، بل هو أمر واضح مُعْلن، حيث تعتمد صناعة مواقع التواصل
الاجتماعي بأكملها على جذب انتباهنا وتحقيق الدخل منها.
حيث وصف تريستان
هاريس، هذا التنافس المحموم بين شركات وادي السيليكون المختلفة بأنه” سباق
الاستحواذ على انتباهنا“، هذا الانتباه الذي وجدت فيه موردًا اقتصاديًا لم يكن
يخطر على بال آدم سميث، ولا كارل ماركس.
وتتنافس هذه
المنصات على جذبه بشتى الطرق والوسائل لإبقائنا متفاعلين، وعلى هذه التطبيقات
لاهين، وعن مشاغلنا ساهين، وعن أوقاتنا متنازلين، وعلى ما مضى من أعمارنا متحسرين،
ألا ذلك هو الخسران المبين!
من هنا نشأ ما
بات يُعرف بـ«اقتصاد الانتباه»، وهو نظامٌ اقتصاديٌّ متكاملٌ شُيَّد بنيانه على
انتباه المستخدم، سعيًا في الحصول على أعلى السلع قيمة في عصرنا الحالي؛ البيانات
التي تولّدها كل نقرةٍ وتمريرةٍ وتوقّف.
وإذا كان
الانتباه هو الحقل الذي يُحرَث، فإن البيانات هي المحصول الذي يُجنى، ورأسمالية
البيانات هي المنظومة التي تُحوِّل هذا المحصول إلى قيمةٍ مالية، عبر تعقب نمط
استعمال المستخدم للتطبيقات والمواقع المختلفة.
فكلما بقيت
ملتصقًا بشاشتك لفترة أطول، جُمعت عنك بيانات أدق، فصارت الإعلانات المعروضة عليك
أكثر ملاءمة، فازدادت احتمالية ضغطك عليها وشرائك منها.
دورة تزيد من
تدفقات الإيرادات لكل الأطراف المشاركة فيها باستثناء طرف واحد: أنت. فليتك تخرج
من هذه المعادلة صفر اليدين فحسب؛ بل تخسر وقتًا لن تستعيده، وتنفق مالًا لم يكن
في حسبانك أن تنفقه.
والفارق الجوهري
عن الإعلان التقليدي أن الاستهداف لم يعد عشوائيًا موجهًا لجمهور عريض، بل مفصّلًا
لكل فرد بعينه، فالخوارزمية لا تعرض عليك إلا ما تتوقع أنه سيروق لك تحديدًا،
لأنها هي المسؤولة أصلا عن جعلك تقضي وقتًا أطول على المنصة، فإذا عرفت طريق
الثانية هان عليها معرفة طريق الأولى.
استخلاص المادة الخام
تشير الباحثة
الأمريكية شوشانا زوبوف، في كتابها «رأسمالية المراقبة»، إلى أن كل نشاطنا على
مواقع التواصل الاجتماعي (ما نتوقف أمامه، وما نتجاهله، وما نعاود النظر إليه)
يُستخلَص ليتحول إلى بيانات رقمية. وتنقسم هذه البيانات إلى نوعين:
الأول: بيانات
لتحسين الخدمة ذاتها: كتحسين نتائج محرك البحث بناءً على استفساراتك السابقة، كما
يتم جمعها في لحظة واحدة محددة (لحظة بحثك عن نتيجة الاستفسار).
وخلاصة ما تم
جمعه هنا: الكلمات التي استخدمتها في استفسارك، النتيجة التي اخترتها، كم من الوقت
قضيت في تصفح تلك النتيجة، هل احتجت العودة لصفحة البحث لاختيار نتيجة أخرى أم لا؟
الثاني:
البيانات الفائضة: وهو النوع الأخطر، وفيه تقوم المنصة بجمع بيانات تفوق ما تحتاجه
لتحسين خدماتها لمستخدميها هذا الفائض هو ما تسميه زوبوف «فائض السلوك».
وسبب كونه النوع
الأخطر ليس لكونه يفوق ما تحتاجه المنصة فحسب، بل لكون البيانات تُجمع في كل لحظة
تستعمل التطبيق (وليس في لحظة محددة واحدة كما في النوع الأول)، وفي بعض الأحيان
تكون في كل لحظة أنت متصل فيها بالإنترنت.
هذه البيانات
تستخدم لتشكيل ما تسميه زوبوف «الهوية الرقمية»؛ وهي لوحة بورتريه رسمتها
الخوارزمية لنا بناء على تتبعها لكافة أنشطتنا على مواقع التواصل الاجتماعي.
وقد وصف تريستان
هاريس هذه المعرفة بأنها معرفة لا نملكها نحن عن أنفسنا، وهذا ما يجعل قدرة
الخوارزمية على التنبؤ بسلوكنا أدقّ منا نحن شخصيًا.
ثم تُباع هذه
اللوحات الفنية لذواتنا المرسومة بأيد خوارزمية فيما تسميه زوبوف «أسواق السلوك
المستقبلية»، ويرجع وصفها بالمستقبلية إلى «أسواق العقود المستقبلية».
وهي بورصاتٌ
ماليةٌ يُتداول فيها عددٌ كبيرٌ من العقود المستقبلية -عقود يُحدَّد فيها السعر
الذي ستتم به عملية الشراء أو البيع في تاريخٍ مستقبليٍّ محددَّ- ويتم هذا التداول بين أطرافٍ متعددين، ويمكن
حصر المتداولين لهذه العقود في فئتين:
1-مَن يسعى
فعلاً للحصول على الأصل محلّ العقد (كسلعةٍ مثل النفط أو الذهب) أو للتحوّط ضد
تقلّب سعر هذا الأصل (حماية نفسه من التغير في السعر).
2- ومَن يتاجر
بالعقد نفسه كأداةٍ للمضاربة دون أي نيةٍ لاقتناء الأصل نفسه.
وحين تستعير
زوبوف هذا التعبير لتصف أسواق السلوك المستقبلية، فمرادها الفئة الثانية من
المتداولين تحديداً بحيث تكون أسواق السلوك المستقبلية في نظرها هي أسواق يتداول
فيها المعلنون والشركات تنبؤاتٍ عن سلوكنا المستقبلي بوصفه أصلًا قابلًا للبيع
والشراء، دون أن تربطهم بنا أي علاقةٍ مباشرة أو معرفةٍ بنا كأفراد، تماماً كما لا
يعني المضاربَ في سوق النفط، النفط ذاته، بل احتمالية حركة سعره فحسب صعودًا كان
أم هبوطًا.
ويمتلكون بهذه
القدرة التأثير على سلوكك الشرائي وتوليته نحو قِبلتهم، فإذا عرفوا قدرتك
الشرائية، ومتى وأين وكيف تشتري، ماذا بقي لهم ليعرفوه حتى يتحكموا في أي مما سبق
دون أن تدري حتى ليتضح لك أن الإعلان الذي بدأ بالظهور لك بمجرد بحثك عن منتج
معين، وبسعر يتناسب وميزانيتك، لم يكن للصدفة في ظهوره مجال.
فالشركات التي
اعتادت فيما مضى أن تعرض منتجاتها في جريدة أو مجلة على أمل أن يجد منتجها صدى عند
قارئهما، صارت الآن تلجأ لمنصات التواصل الاجتماعي لتجد قطعًا من هو مهتم بمنتجها،
نظرًا لأنها صارت تستهدف أفرادًا بأعينهم من خلال هوياتهم الرقمية.
فتصير عملية
التسويق لهم أقرب إلى التوفيق بين الأشخاص منها إلى الإعلان.
فما يُباع إذن
ليس البيانات ذاتها كما يتوهم كثيرون، بل اليقين بشأن سلوكك الاستهلاكي المستقبلي
ومن ثَمَّ فالمنتج هو أنت، بوصفك نموذجاً احتمالياً قابلاً للاستغلال إلى ما لا
نهاية.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً