مسؤولية الكلمة.. عامر بن شراحيل الشعبي بين الفتوى والسلطة

عبدالله السيد

17 سبتمبر 2026

2

تصوير فني رمزي لعالم من علماء التابعين مع مخطوطات وكتب تراثية تعبر عن العلم والحكمة ومسؤولية الكلمة.

روى الذهبي في ترجمة عامر بن شراحيل الشعبي(1)، أنه سُئل عن مسألة فلم يُجب، فقال رجل: «أبو عمرو يقول فيها كذا وكذا»، فقال الشعبي: «هذا في المحيا، فأنت في الممات عليَّ أكذب».

وبعث عبدالملك بن مروان الشعبي رسولًا إلى ملك الروم، فلما عاد قال له عبد الملك: «أتدري ما كتب به إليَّ ملك الروم؟ كتب: كنت أتعجب لأهل ديانتك، كيف لم يستخلفوا عليهم رسولك»، فقال الشعبي: «لأنه رآني ولم يرك»، فقال عبدالملك: «إنما أراد أن يغريني بقتلك»، فلما بلغ ذلك ملك الروم قال: «والله ما أردت إلا ذاك»(2).

تمثل هاتان الروايتان جانبًا من سيرة الإمام عامر بن شراحيل الشعبي، أحد كبار علماء التابعين، الذي اشتهر بسعة العلم وقوة الحفظ وسرعة الجواب، والنظر في هذه المواقف لا يقف عند جمال العبارة أو سرعة البديهة، بل يكشف عن نموذج متكامل في التعامل مع العلم والسلطة، إذ يظهر فيها العالم الذي يحفظ لسانه من القول بلا علم، ويحفظ مكانته أمام أصحاب النفوذ بالحكمة وحسن التقدير.

أمانة الفتوى.. بين شجاعة التوقف وكثرة السؤال

الموقف الأول يرسم صورة دقيقة لأدب العالم مع العلم؛ فقد سُئل عامر بن شراحيل عن مسألة فلم يجب، فلما حاول رجل أن يسند إليه جوابًا لم يقله، واجه ذلك بعبارة شديدة الدلالة: «هذا في المحيا، فأنت في الممات عليَّ أكذب».

لم يكن امتناع عامر بن شراحيل عن الجواب عجزًا، بل كان إدراكًا لمسؤولية الكلمة، فالعالم الحقيقي لا يرى في الاعتراف بعدم العلم انتقاصًا من قدره، وإنما يراه حماية للعلم من التقول، وهذا المعنى تؤيده أصول القرآن الكريم في النهي عن اتباع ما لا علم للإنسان به: (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) (الإسراء: 36).

ولم يكن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق يرى في كثرة سؤال الناس مبررًا للتكلم بغير علم؛ فقد سُئل بمنى، فكان يقول: «لا أدري، لا أعلم»، فلما أكثروا عليه قال: «والله لا نعلم كل ما تسألونا عنه، ولو علمنا ما كتمنا»، وبيّن أصل هذا الموقف بقوله: «ولأن يعيش الرجل جاهلًا بعد أن يعرف حق الله تعالى عليه خير له من أن يقول ما لا يعلم»(3)، فكما امتنع الشعبي عن جواب لا يعلمه، وأنكر أن يُنسب إليه ما لم يقله، صان القاسم العلم بالتصريح بحدود معرفته؛ إذ لا تُحفظ أمانة العلم بكثرة الإجابات، بل بالصدق فيما يُقال وما يُترك.

ومن هنا يظهر أن قيمة العالم لا تقاس بعدد الإجابات التي يقدمها، بل بقدرته على التمييز بين ما يعلمه وما لا يعلمه، وقد عُرف عن جماعة من أئمة السلف كثرة قولهم: «لا أدري»، حتى صار ذلك من علامات الرسوخ، لأن العلم عندهم أمانة قبل أن يكون حضورًا اجتماعيًا.

وفي واقع الناس اليوم، حيث تنتشر سرعة التعليق والحديث في كل مجال، تصبح هذه الخصلة أكثر أهمية؛ فالمعلم، والداعية، والكاتب، والمتخصص يحتاجون إلى شجاعة التوقف حين لا تكون لديهم المعرفة الكافية، لأن خطأ واحدًا قد ينتشر أثره أكثر من صواب كثير.

كيف تحمي قواعد التوثيق المعرفة من الشائعات؟

لم يكن اعتراض عامر بن شراحيل على الرجل مجرد دفاع عن نفسه، بل كان دفاعًا عن منهج النقل، فحين ينسب شخص إلى العالم قولًا لم يقله، فإن الضرر لا يقع على الفرد فقط، بل يمتد إلى الثقة بالمعرفة نفسها.

ولهذا كانت عناية العلماء قديمًا بالإسناد والتثبت من الأقوال؛ لأن الحضارة العلمية الإسلامية قامت على التمييز بين الرواية الصحيحة والقول المنسوب بلا دليل، ومن هذا الباب نشأت علوم الحديث والجرح والتعديل والتوثيق.

وتحوّلت هذه الأمانة في منهج ابن أبي حاتم إلى ضوابط دقيقة لحماية الرواية؛ فقد بيّن مراتب الجرح والتعديل، فميّز بين من يُوصف بأنه «ثقة» أو «متقن» فيُحتج بحديثه، ومن يُوصف بأنه «ضعيف الحديث» فيُكتب حديثه للاعتبار، ومن يُقال فيه «متروك الحديث» فلا يُحتج به(4)، ولم تكن هذه الألفاظ أحكامًا تُطلق بلا تثبّت، بل ميزانًا لصيانة العلم من الخطأ في النقل والنسبة، فما أنكره الشعبي حين نُسب إليه قول لم يقله، جعله نقاد الحديث منهجًا يحفظ أقوال الرواة ومراتبهم، فلا يُنسب إلى أحد ما لم يثبت عنه، ولا تُقبل رواية دون النظر في حال ناقلها.

واللافت في جواب عامر بن شراحيل أنه جمع بين الاختصار والقوة؛ فلم يدخل في جدل طويل، ولم يحول الموقف إلى خصومة شخصية، وإنما وضع قاعدة أخلاقية واضحة: من كذب على العالم في حياته، فإن جرأته على الكذب عليه بعد غيابه أعظم.

وهذا المعنى حاضر في عصرنا في التعامل مع الشائعات ونسبة الأقوال إلى الشخصيات العامة؛ فحماية سمعة الإنسان لا تكون فقط بالدفاع عنه، بل بتأسيس ثقافة التحقق قبل النقل.

كيف نزع عامر بن شراحيل فتيل الوقيعة السياسية بكلمة؟

أما موقفه مع عبد الملك بن مروان وملك الروم فيكشف جانبًا آخر من شخصيته؛ جانب الحكمة السياسية وحسن قراءة النفوس، فقد كان الشعبي في مهمة دبلوماسية تمثل الدولة الأموية، وعندما أخبره الخليفة بأن ملك الروم تعجب من عدم استخلاف المسلمين للشعبي، أدرك أن وراء العبارة احتمالًا يتجاوز ظاهر المدح.

فرد عامر بن شراحيل: «لأنه رآني ولم يرك»، هذه العبارة القصيرة أعادت ترتيب المعنى كله؛ فلم تجعل ثناء ملك الروم تهديدًا للخليفة، بل جعلته نتيجة طبيعية لعدم معرفته بمكانة عبد الملك، لقد نقل المقارنة من التفاضل بين شخصين إلى بيان أن رؤية جزء من الصورة لا تعني معرفة الحقيقة كلها.

وفي موقف الإمام الأوزاعي مع أبي جعفر المنصور تتجلى قيمة الكلمة التي تُقال بوعي في حضرة السلطان؛ فقد دخل عليه في مجلس اشتد فيه غضبه، وواجه ما أحاط بالموقف من تهديد باستحضار أحاديث العدل والتحذير من الظلم، حتى تأثر المنصور وبكى(5)، كما تذكر الرواية، وإذا كان الشعبي قد دفع عن نفسه خطر رسالة ملك الروم بجواب قصير حفظ به مقام الخليفة، فإن الأوزاعي واجه الموقف بالتذكير بالمسؤولية أمام الله؛ فاختلف أسلوب الخطاب، واجتمع الموقفان في إدراك حساسية الكلمة وأثرها، واختيار ما يلائم المقام دون التفريط في المبدأ.

وفي هذا يظهر فقه النفس البشرية؛ فالسلطة قد تتأثر بالمدح إذا فُهم بطريقة خاطئة، والشخص الحكيم لا يكتفي بفهم الكلمات، بل ينظر إلى آثارها المحتملة ودوافع قائلها.

ومع أن الرواية تذكر أن ملك الروم أراد إغراء عبد الملك بقتل الشعبي، فإن التعامل معها يكون في إطار الخبر التاريخي المنقول، أما المعنى العام الذي يظهر منها فهو أهمية الوعي بالمقاصد والنتائج عند قراءة الرسائل السياسية.

لماذا يحتاج القائد إلى مستشار يضبط انفعاله؟

تكشف إجابة عامر الشعبي أمام الخليفة عن مهارة مهمة في إدارة اللحظات الحرجة؛ فقد كان أمام موقف يحتمل أن يثير الخوف أو الدفاع المتوتر، لكنه اختار عبارة تجمع بين الذكاء والتواضع.

فالقائد أو المستشار الناجح لا يضيف إلى الأزمة أزمة أخرى، بل يبحث عن العبارة التي تحفظ الحقائق وتمنع سوء الفهم، وهذا من معاني الحكمة التي أثنى الله عليها: (وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا) (البقرة: 269).

وقد أدرك هرم بن حيان خطورة غياب الكلمة الحكيمة في لحظة الغضب؛ فحين كان على بعض المغازي غضب على رجل وأمر بضربه، ثم ندم وعاتب أصحابه قائلًا: «لا جزاكم الله خيرًا، ما نصحتموني حين قلت، ولا كففتموني عن غضبي»، ثم استعفى من الإمارة(6)، لقد أدرك أن من واجب المحيطين بالقائد ألا يتركوه أسير انفعاله، بل أن يعينوه على التروي وحسن القرار، وإذا كان الشعبي قد أحسن اختيار عبارته أمام عبد الملك بن مروان، فإن هرمًا كشف عن الوجه الآخر للمسؤولية: حاجة صاحب السلطة إلى مستشار يقول الكلمة المناسبة قبل أن يتحول الغضب إلى فعل يُندم عليه.

وفي المؤسسات الحديثة، سواء في الإدارة أو التعليم أو العمل العام، يحتاج أصحاب المسؤولية إلى أشخاص يستطيعون التعامل مع المواقف الحساسة دون تضخيم الذات أو إثارة المخاوف، فالكلمة المناسبة في الوقت المناسب قد تمنع أزمة كاملة.

دروس من سيرة الشعبي للإعلام والإدارة اليوم

تقدم هذه المواقف نموذجًا متكاملًا للإنسان الذي يجمع بين العلم والوعي، ففي مجال التربية، تعلمنا أن بناء الشخصية لا يكون بكثرة المعلومات فقط، بل بتكوين ميزان داخلي يضبط متى يتكلم الإنسان ومتى يسكت.

وفي مجال الإعلام، تذكرنا سيرة الشعبي بخطر نسبة الأقوال بلا تحقق، وبأن سرعة النشر لا تعفي من مسؤولية الصدق.

وفي مجال القيادة، تقدم مثالًا على أن الذكاء الحقيقي ليس في كثرة الكلام، بل في القدرة على اختيار العبارة التي تحقق المقصود وتحفظ العلاقات وتمنع الفتن.

ولهذا فإن أثر العلماء الكبار لا يبقى في كتب التراجم فقط، بل يمتد إلى طريقة تفكير المجتمعات في العلم والسلطة والإنسان.

تكشف أخبار عامر بن شراحيل الشعبي عن شخصية علمية نادرة اجتمع فيها رسوخ المعرفة، وصدق المنهج، وقوة البيان، وحسن التصرف في المواقف الدقيقة، ففي موقف الفتوى ظهر العالم الذي يقدّم الأمانة على إرضاء الناس، وفي موقف السفارة ظهر الحكيم الذي يقرأ ما وراء الكلمات ويحسن إدارة اللحظات الحساسة.

إن قيمة هذه المواقف ليست في غرابة الحكاية فقط، بل في المبادئ التي تحملها: العلم يحتاج إلى تواضع، والسلطة تحتاج إلى حكمة، والكلمة تحتاج إلى مسؤولية.

الهوامش
  • 1 عامر بن شراحيل بن عبد بن ذي كبار، وذو كبار قيل: من أقيال اليمن الإمام، علامة العصر، أبو عمرو الهمداني ثم الشعبي.
  • 2 سير أعلام النبلاء، ج4، ص304.
  • 3 صفة الصفوة ابن الجوزي، ج2، ص89.
  • 4 شذرات الذهب، ج1، ص32.
  • 5 حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، ج6، ص53-57.
  • 6 المرجع السابق، ج2، ص19.
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة