قراءة في اليقين والقيادة في الميدان وصناعة الإنسان الذي يعمل رغم اضطراب الظروف
أبو مسلم الخولاني.. لبس درعه وتقدّم بثبات اليقين
ذكر الذهبي، في «سير
أعلام النبلاء»، عن أبي مسهر، عن سعيد بن عبدالعزيز، أن أبا مسلم(1)
استبطأ خبر جيش كان بأرض الروم، فدخل طائر فوقع، فقال: أنا رتبابيل مسلي الحزن من
صدور المؤمنين، فأخبره خبر الجيش فقال: ما جئت حتى استبطأتك؟
وقال سعيد بن
عبدالعزيز، كان أبو مسلم يرتجز يوم صفين ويقول:
ما علتي ما علتي
وقد لبست درعتي
أموت عند طاعتي(2)
تكشف هذه
الأخبار جانبًا آخر من شخصية أبي مسلم الخولاني رحمه الله؛ جانب الإنسان الذي لا
يعيش الإيمان باعتباره حالة وجدانية مجردة، بل باعتباره قوة تدفعه إلى الحضور عند
مواطن المسؤولية.
ففي الرواية
الأولى يظهر رجل يحمل هَمَّ المسلمين ويتابع أخبار الجيوش في أرض الروم، وفي
الرواية الثانية يظهر في ميدان «صفين» مرتديًا درعه، مستعدًا للموت فيما يراه طاعة
وقربة، وبين المشهدين رابط واضح؛ إنسان تشكل داخله معنى الاستعداد، فلا ينتظر
الظروف المثالية حتى يعمل، ولا يسمح للقلق أن يعطله عن أداء ما يراه واجبًا.
وهذه الأخبار
منقولة في كتب التراجم والسير ضمن ما ذكر عن أحوال أبي مسلم، وينبغي قراءتها في
سياقها؛ فهي تقدم صورة عن شخصية اشتهرت عند أهل العلم بالعبادة واليقين والثبات،
مع بقاء النظر العلمي في تفاصيل الروايات وأسانيدها.
كيف أدار قلقه على جيش المسلمين بالروم؟
كان أبو مسلم
يستبطئ خبر الجيش الذي بأرض الروم، وهذا التفصيل يكشف عن شخصية لم تكن منعزلة عن
واقع الأمة، فالعبادة عنده لم تكن انقطاعًا عن قضايا الناس، بل كانت تصنع قلبًا
يحمل همّهم.
إن القلق على
أخبار الجيش في زمن الحرب أمر طبيعي، لكن الفرق بين القلق الذي يشل الإنسان
والاهتمام الذي يحركه أن الأول يستهلك الطاقة في الخوف، أما الثاني فيحولها إلى متابعة
ودعاء واستعداد.
إن مرحلة الترقب
دائماً ما تكون مرحلة مقلقة في حياتنا، ونرى هذا جلياً في موقف أم المؤمنين خديجة
رضي الله عنها حين نزل الوحي على النبي صلى الله عليه وسلم وعاد يرجف فؤاده، فلم
تستسلم للقلق والهلع، بل حولت هذا الموقف إلى عمل إيجابي ومسؤولية فانطَلَقَت به
خَديجةُ حتَّى أتَت به ورَقةَ بنَ نَوفَلٍ، وهو ابنُ عَمِّ خَديجةَ أخي أبيها،
وكان امرَءاً تَنَصَّرَ في الجاهِليَّةِ(3)، للوقوف على حقيقة الأمر
وفهمه.
في أشد لحظات
الخوف التي مرّت بالمسلمين في المدينة، حين اجتمعت عليهم الأحزاب من كل مكان، لم
يكن القلق مجرد شعور عابر؛ بل كان واقعًا يحيط بهم، فالعدو يقترب، والمدينة مهددة،
والموارد قليلة، والمسلمون في موقف لم يسبق لهم أن واجهوه، وشهدنا النبي صلى الله
عليه وسلم لا يجعل القلق والخوف وانتظار الأخبار يطول، فنجده عندما واجه صحبه صخرة
صلبة عجزت عنها معاولهم، ذهبوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم يخبرونه بالأمر، فجاء
بنفسه، وأخذ المعول، وضرب الصخرة، ومع كل ضربة كان يحدث أمر أعظم من مجرد كسر حجر؛
كان النبي صلى الله عليه وسلم يزرع في القلوب معنى الثقة.
قال جابر بن عبدالله
رضي الله عنه في الحديث المشهور: فضربها النبي صلى الله عليه وسلم فكسرها، ثم قال:
«اللهُ أكبَرُ! أُعطيتُ مفاتيحَ الشامِ، واللهِ إنِّي لأُبصِرُ قصورَها الحُمْرَ
الساعةَ، ثمَّ ضرَب الثانيةَ فقطَع ثلُثًا آخَرَ، فقال: اللهُ أكبَرُ! أُعطيتُ
مفاتيحَ فارسَ، وإنِّي واللهِ لأُبصِرُ قصرَ المدائنِ الأبيضَ الآنَ، ثمَّ ضرَب
الثالثةَ فقال: بسمِ اللهِ فقطَع بقيَّةَ الحَجرِ، فقال: اللهُ أكبَرُ! أُعطيتُ
مفاتيحَ اليمنِ، واللهِ إنِّي لأُبصِرُ أبوابَ صنعاءَ مِن مكاني الساعةَ»(4)؛
نرى هنا كيف نقل النبي صلى الله عليه وسلم الخوف والقلق إلى بشريات عظيمة ترفع
الروح المعنوية وتزيد من حالة اليقين عنده الصحابة؛ أما المنافقون فلم يتقبلوا هذه
الأخبار كعادتهم وحاولوا تشويه وتكذيب هذه الأخبار ولم يتقبلوها.
ولا يهتم النبي
صلى الله عليه وسلم بمقالتهم ولا يغير خطته ولا يهتم بغير الواقع الذي يعيشه وكيف
يتصرف معه بكل يقين وتثبت من الأحوال التي يعيشها، فقد ندب النبي صلى الله عليه
وسلم لأصحابه يوم «الخندق» ليتحملوا مسؤولية استطلاع الأخبار وعدم الركون إلى الانتظار
والقلق، فبادر الزبير بن العوام لذلك، حيث قال صلى الله عليه وسلم: «مَن رجُلٌ
يأتينا بخبَرِ بني قُرَيظةَ؟»، فقال الزُّبيرُ: أنا، فذهَب على فرَسِه فجاء
بخبَرِهم ثمَّ قال الثَّانيةَ، فقال الزُّبيرُ: أنا، ثمَّ قال الثَّالثةَ فقال
الزُّبيرُ: أنا، فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «لكلِّ نبيٍّ حَوارِيٌّ،
وحَوارِيَّ الزُّبيرُ بنُ العوَّامِ»(5).
ومن هنا يظهر
معنى مهم في شخصية أبي مسلم؛ فقد كان قلبه متعلقًا بالله، لكنه لم يكن غائبًا عن
حركة الواقع، وهذه إحدى خصائص الشخصيات المؤثرة؛ فهي تجمع بين صفاء الروح ووعي
المسؤولية، وفي حياة الناس اليوم، يظهر هذا المعنى في كل مجال؛ فالمؤمن لا يعيش
بعيدًا عن قضايا مجتمعه، ولا يجعل صلاحه الشخصي عذرًا لترك مسؤولياته تجاه
الآخرين.
لماذا لم ينبهر بمعجزة الطائر المتحدث إليه؟
تذكر الرواية أن
طائرًا دخل على أبي مسلم وأخبره بخبر الجيش، وقال: «أنا رتبابيل مسلي الحزن من
صدور المؤمنين»؛ وتندرج مثل هذه الأخبار ضمن باب كرامات الأولياء التي ذكرها أهل
العلم، وقد قرر علماء أهل السُّنة أصل إمكان الكرامات للأولياء، مع التأكيد أن
الكرامة ليست معيار التفاضل الوحيد، وإنما الميزان الأعظم هو الاستقامة على أمر
الله.
واللافت في
الرواية ليس فقط مضمون الخبر، بل موقف أبي مسلم نفسه؛ فقد استقبل الأمر بعبارة تدل
على شدة تعلقه بالخبر وانتظاره له: «ما جئت حتى استبطأتك؟»، فهو لم يتعامل مع
الحدث بمنطق الانبهار المجرد، بل كان منصرفًا إلى المقصود الأساسي؛ الاطمئنان على
حال الجيش.
لم يكن حال أبي
مسلم الخولاني منفرداً في التاريخ الإسلامي، بل إن الباحث في هذا التاريخ يرى
الأمر يتكرر مع تكرار حالة اليقين هذه، فيورد ابن كثير عن العلاء الحضرمي رواية
تقول: عندما اشتد عليهم العطش وكادوا يموتون، صلى ركعتين، وسأل ربه أن يغيثهم،
فجاءت سحابة تقبل من بعيد، حتى أظلت عليهم، وأمطرت، فشربوا وسقوا دوابهم، وملؤوا
أوعيتهم، ثم انصرفوا.
والشوكاني ذكر
رواية أخرى ذكرها صاحب الحلية، وذكرها السيوطي عنه، يقول: اشتد عليهم العطش، فدعا
ربه، فمشى قليلاً فإذا نهر يجري من السماء؛ يعني: من ماء المطر يجري، فشربوا وملؤوا
أوعيتهم، وسقوا دوابهم ومشوا، فرجع شخص من القوم إلى ذلك المكان فلم يرَ له أثراً.
يقول ابن كثير
في قصته: ولما وصلوا إلى البحر -وهذا كان في الدهماء في الربع الخالي حينما وصلوا
إلى البحرين- وجدوا العدو قد علم بهم، ولم يجدوا السفن ليركبوها إلى الجزيرة،
ووقفوا أمام البحر، فقالوا: ماذا نفعل؟ جئنا مسيرة شهر، فهل نرجع؟ لا، فقال
العلاء: أيها القوم، إن الله قد أراكم في البر آية، وهو قادر على أن يريكم في
البحر آية، وإني عازم عزماً، قالوا: وما هو؟ قال: أخوض هذا البحر، قالوا: على بركة
الله، فوقف وقال: أيها البحر، أنت تجري بأمر الله، ونحن جند في سبيل الله، عزمت
عليك لتجمدن لنعبر إلى عدو الله، فجمد الماء وعبر المسلمون، يقول ابن كثير: فلم
يترجل الفارس ولم يحتفِ المنتعل، ومشوا على الماء، وقاتلوا العدو وانتصروا(6).
وهنا يظهر معنى
تربوي مهم؛ فالإنسان صاحب الهدف لا ينبغي أن تسرقه الوسائل عن الغاية، حتى الأحداث
العجيبة تبقى عند أصحاب الهمم العالية مرتبطة بالمعنى الذي تخدمه.
لماذا استجوب نفسه بعد أن لبس درعه؟
أما المشهد
الثاني في «صفين» فيختصر فلسفة كاملة في كلمات قليلة:
«ما علتي ما
علتي
وقد لبست درعتي
أموت عند طاعتي»
هذه الكلمات
ليست مجرد رجز حماسي يقال في الحرب، بل تعبير عن عقلية ترى أن المسؤولية تبدأ بعد
اكتمال الاستعداد.
فهو يسأل نفسه:
هل بقي عذر يمنعني؟ ثم يجيب: لقد لبست درعي، وأخذت بالأسباب، ولم يبق إلا أداء ما
أراه طاعة، وهذا المعنى قريب من قول الله تعالى: (وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ) (الأنفال:60)؛ فالقرآن جمع بين الإيمان والعمل، والاعتماد على الله وإعداد القوة، وليس
من كمال التوكل ترك الأسباب، بل من تمامه الأخذ بها ثم تفويض النتائج إلى الله، حيث
إن الاعتماد على اليقين بالله في مواقف مصيريه حياتيه ترقى فيها الروح إلى الاعتماد
الحقيقي الكلي على الله عز وجل فتمتد فيها النتائج إلى ما بعد الحياة تظهر جلياً
في حفظ الله لأوليائه باستمرار.
يبدوا هذا
الموقف جلياً في «يوم الرجيع»، حين طلبت عضل والقارة نفراً من النبي صلى الله عليه
وسلم ليعلموهم، فبعث لهم نفراً ستة يعلمونهم، وأمر عليهم مرثد بن أبي مرثد، وفيهم
عاصم بن ثابت، وقد أقسم ألا ينزل في عهد مشرك ولا يقبل منه عقداً، حَتَّى إذَا
كَانُوا عَلَى الرَّجِيعِ؛ مَاءٍ لِهُذَيْلٍ بِنَاحِيَةِ الْحِجَازِ، عَلَى
صُدُورِ الْهَدْأَةِ غَدَرُوا بِهِمْ، فَاسْتَصْرَخُوا عَلَيْهِمْ هُذَيْلًا،
فَلَمْ يَرُعْ الْقَوْمَ، وَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ، إلَّا الرِّجَالُ بِأَيْدِيهِمْ
السُّيُوفُ، قَدْ غَشُوهُمْ، فَأَخَذُوا أَسْيَافَهُمْ لِيُقَاتِلُوهُمْ فَقَالُوا
لَهُمْ: إنَّا وَاَللَّهِ مَا نُرِيدُ قَتْلَكُمْ، وَلَكِنَّا نُرِيدُ أَنْ
نُصِيبَ بِكُمْ شَيْئًا مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ وَلَكُمْ عَهْدُ اللَّهِ وَمِيثَاقُهُ
أَنْ لَا نَقْتُلَكُمْ(7).
كان الأمر
محسوماً في قرارة نفس عاصم، ومرثد، وخالد، ألا ينزلوا في عهد المشركين، وأن
يقاتلوهم، وجعل عاصم يرتجز:
مَا عِلَّتِي
وَأَنَا جَلْدٌ نَابِلُ
وَالْقَوْسُ فِيهَا وَتَرٌ عُنَابِلُ
تَزَلُّ عَنْ صَفْحَتِهَا الْمَعَابِلُ
الْمَوْتُ حَقٌّ وَالْحَيَاةُ بَاطِلُ
وَكُلُّ مَا حَمَّ الْإِلَهُ نَازِلٌ
بِالْمَرْءِ وَالْمَرْءُ إلَيْهِ آئِلُ
إنْ لَمْ
أُقَاتِلْكُمْ فَأُمِّي هَابِلُ
فَلَمَّا قُتِلَ
عَاصِمٌ أَرَادَتْ هُذَيْلٌ أَخْذَ رَأْسِهِ، لِيَبِيعُوهُ مِنْ سُلَافَةَ بِنْتِ
سَعْدِ بْنِ شُهَيْدٍ، وَكَانَتْ قَدْ نَذَرَتْ حِينَ أَصَابَ ابْنَيْهَا يَوْمَ «أُحُدٍ»:
لَئِنْ قَدَرَتْ عَلَى رَأْسِ عَاصِمٍ لَتَشْرَبَنَّ فِي قِحْفِهِ الْخَمْرَ،
فَمَنَعَتْهُ الدَّبْرُ، فَلَمَّا حَالَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ الدَّبْرُ
قَالُوا: دَعُوهُ يُمْسِي فَتَذْهَبُ عَنْهُ، فَنَأْخُذُهُ، فَبَعَثَ اللَّهُ
الْوَادِيَ، فَاحْتَمَلَ عَاصِمًا، فَذَهَبَ بِهِ، وَقَدْ كَانَ عَاصِمٌ قَدْ
أَعْطَى اللَّهَ عَهْدًا أَنْ لَا يَمَسَّهُ مُشْرِكٌ، وَلَا يَمَسَّ مُشْرِكًا
أَبَدًا، تَنَجُّسًا، فَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
يَقُولُ: حِينَ بَلَغَهُ أَنَّ الدَّبْرَ مَنَعَتْهُ: يَحْفَظُ اللَّهُ الْعَبْدَ
الْمُؤْمِنَ، كَانَ عَاصِمٌ نَذَرَ أَنْ لَا يَمَسَّهُ مُشْرِكٌ، وَلَا يَمَسَّ
مُشْرِكًا أَبَدًا فِي حَيَاتِهِ، فَمَنَعَهُ اللَّهُ بَعْدَ وَفَاتِهِ، كَمَا
امْتَنَعَ مِنْهُ فِي حَيَاتِهِ(8).
إن استنفاد كل
المساعي وكل الأعذار في حياته امتدت بعدها أسباب غيبية لم تخطر على باله لإنفاذ
عهده من بعد مماته، فاجعل ذلك نبراساً لحياتك، ففي واقع الإنسان المعاصر، كثير من
العوائق ليست نقصًا في القدرة، بل كثرة المبررات، ولذلك فإن سؤال: ما علتي؟ يحمل
معنى محاسبة النفس: هل هناك مانع حقيقي أم مجرد تأجيل وخوف؟
كيف نجا من شلل التحليل وقت الأزمات؟
كان موقف «صفين»
من أكثر المواقف تعقيدًا في التاريخ الإسلامي، وقد اختلفت أنظار العلماء والمؤرخين
في تقييم تفاصيل أحداثه، ولذلك فإن قراءة موقف أبي مسلم ينبغي أن تركز على الجانب
المتعلق بسلوكه الشخصي؛ كيف يتصرف الإنسان عندما تكثر الضغوط وتتعقد الظروف، فالإنسان
في الأزمات قد يستهلكه التحليل المستمر حتى يعجز عن الفعل، أما أبو مسلم فظهر في
الرواية بشخصية اختارت ما تراه تكليفًا مباشرًا، واستعدت له.
إن ثبات أبي بكر
الصديق ووضوح رؤيته يوم وفاة النبي صلى الله عليه وسلم واضطراب الصحابة وتوعد عمر
لمن يقول بموته، حيث تقدم وخطب بوضوح قائلاً: «من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد
مات»(9)، فانتقل بالناس من صدمة الفاجعة وكثرة الاحتمالات إلى استقرار
اليقين والعمل، فلم يتوقف عند تحيل الحدث وانشغل بالخبر من ناحية وترك باقي
النواحي التي تتطلب تصرفاً حازماً وسريعاً.
إن وضوح رؤية
أبي بكر الصديق رضي الله عنه وثباته في ذلك الوقت الحساس تعدى خبر وفاة النبي صلى
الله عليه وسلم، وتعدى موقفه ساعة السقيفة، إنما استمر في أزمة حروب الردة، فحين
اختلطت الآراء وتردد بعض الصحابة كعمر بن الخطاب محتجين بقول النبي صلى الله عليه
وسلم: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله»، حسم أبو بكر الموقف
برؤية قيادية واضحة لا لبس فيها قائلاً: «والله لأقاتلن مَنْ فَرَّقَ بين الصلاة
والزكاة»(10).
وهذا لا يعني أن
كل موقف تاريخي يُختزل في قرار واحد، وإنما يعني أن من صفات الشخصيات القوية
قدرتها على الانتقال من التفكير إلى العمل بعد استكمال النظر.
وفي الإدارة
والقيادة اليوم، يحتاج القائد إلى هذه المهارة؛ أن يميز بين وقت التحليل ووقت
التنفيذ، وألا يجعل كثرة الاحتمالات سببًا للشلل.
لماذا لم يمنعه يقينه من لبس الدرع؟
من أجمل ما
يكشفه رجز أبي مسلم قوله: «وقد لبست درعتي»؛ فالرجل الذي اشتهر بالعبادة واليقين
لم يقل: إن الإيمان يغني عن الدرع، بل لبس الدرع، وهذا يرسخ قاعدة مهمة؛ أن القوة
الروحية لا تلغي القوة المادية، فالإنسان قد يكون شديد الثقة بالله، ومع ذلك يخطط،
ويتعلم، ويستعد، ويأخذ بالأسباب، بل إن هذا من تمام العبودية؛ لأن الله أمر
بالأسباب كما أمر بالتوكل.
إن استعداد
النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة «بدر» يظهر فيها المنهج النبوي في القيادة
العسكرية متكاملاً؛ فقد جمع النبي صلى الله عليه وسلم بين الاستفادة من الخبرة
البشرية، وإحكام الإعداد الميداني، والاعتماد الكامل على الله تعالى.
ففي بداية
الاستعداد للمعركة، برز احترام النبي صلى الله عليه وسلم للرأي العسكري والخبرة
الميدانية؛ فعندما نزل الجيش في موضع قريب من الماء، أشار الحباب بن المنذر رضي
الله عنه على النبي صلى الله عليه وسلم قائلاً: يا رسول الله، أهذا منزل أنزلكه
الله ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة(11)؟
فلما أخبره النبي صلى الله عليه وسلم أنه الرأي والحرب والمكيدة، اقترح الحباب
اختيار موقع أقرب إلى الماء، وبناء حوض يشرب منه المسلمون ويمنعون المشركين من
الوصول إليه، فقبل النبي صلى الله عليه وسلم رأيه وأمر بالانتقال إلى المكان الذي
أشار به.
ثم واصل النبي صلى
الله عليه وسلم إعداد الجيش وتنظيم صفوفه، ووضع التوجيهات العسكرية الدقيقة التي
تحفظ قوة المسلمين وتزيد من فاعليتهم في الميدان، فقال لأصحابه: «إذا أَكْثَبوكُم
-يعني: إذا غَشوكُم- فارْموهُم بالنَّبلِ واستَبِقوا نَبلَكُم»(12)،
فأرشدهم إلى حسن استخدام السلاح، وعدم استنزاف الذخيرة قبل اللحظة المناسبة، مع
الثبات والانضباط في مواجهة العدو، ولم تكن العرب تعرف هذه الإستراتيجيات العسكرية،
بل كانت تعتمد الكر والفر والاعتماد على الكثرة العددية بديلاً عن النواحي
التنظيمية، غير أن الإعداد وفق العتاد المتاح على الرغم من قلته كان له أثر كبير
في تميز وترجيح كفة الصف المسلم آنذاك.
وبعد أن استكمل صلى
الله عليه وسلم كل ما يدخل تحت قدرة البشر من تخطيط وإعداد، اتجه إلى أعظم أسباب
النصر، فدخل العريش مع أبي بكر رضي الله عنه، يناشد ربه ويلح في الدعاء والتضرع،
حتى سقط رداؤه من شدة الابتهال، في مشهد يجمع بين قائدٍ أحكم أسباب المعركة، وعبدٍ
تعلق قلبه بربه وحده.
وهكذا قدّم
النبي صلى الله عليه وسلم في «بدر» نموذجاً فريداً في القيادة؛ فالنصر من عند
الله، لكن سننه في الأرض قائمة على الأخذ بالأسباب؛ فالتوكل لا يعني ترك التخطيط،
والدعاء لا يعارض التدبير، بل يكتمل الإيمان حين يجتمع صدق الاعتماد على الله مع
إتقان الرأي والحرب والمكيدة.
وهذا المعنى
حاضر في حياة الناس؛ فالطالب يحتاج إلى الدعاء والمذاكرة، والعامل يحتاج إلى التوكل
والاجتهاد، والقائد يحتاج إلى الثقة بالله وحسن التخطيط.
القدوة العملية.. لماذا تجاوز تأثيره حدود الكلمات؟
لم تكن شخصية
أبي مسلم مؤثرة بسبب كثرة كلامه، وإنما بسبب اجتماع المعاني في سلوكه؛ العبادة،
والشجاعة، وحمل المسؤولية، والشخصيات التي تترك أثرًا في المجتمعات هي التي تحول
القيم إلى مواقف، فالإيمان الذي لا يظهر في القرارات والمواقف يبقى معنى ناقصًا من
جهة أثره العملي، ولهذا فإن أخبار أمثال أبي مسلم لا تُقرأ فقط للإعجاب، وإنما
لتكوين سؤال دائم: كيف يتحول ما نؤمن به إلى طريقة حياة؟
خلاصة السيرة.. كيف صنع اليقين شجاعته الميدانية؟
تقدم مواقف أبي مسلم الخولاني صورة لإنسان عاش بين عالمين متكاملين؛ عالم القلب الذي يمتلئ يقينًا بالله، وعالم الواقع الذي يحتاج إلى عمل وشجاعة واستعداد، فهو ينتظر أخبار الجيش لأنه يحمل هَمَّ الأمة، ويستجيب لميدان المسؤولية لأنه لا يريد أن يعيش متفرجًا، ويلبس درعه لأنه يعلم أن التوكل لا يعني ترك الأسباب، ويبقى الدرس الأبرز من هذه السيرة أن قوة الإنسان لا تأتي من غياب المخاوف، بل من وجود معنى أكبر يجعله يتحرك رغمها، فحين يعرف الإنسان غايته، يصبح أكثر قدرة على الثبات أمام تقلبات الطريق.
الهوامش
- 1 عبدالله بن ثوب، وَيُقَال: ابْن عَوْف، وَيُقَال: ابْن مشْكم أَبُو مُسلم الْخَولَانِيّ الشَّامي، قارئ أهل الشَّام، غلبت عَلَيْهِ كنيته، أدْرك الْجَاهِلِيَّة وأتى المدينة وقد قبض النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ واستخلف أَبُو بَكْر، وَكَانَ فاضلاً عابداً ناسكاً، لَهُ فضائل مشهورة.
- 2 سير أعلام النبلاء (4/ 8).
- 3 أخرجه مسلم (160)، وعبدالرزاق (9719)، والبيهقي (17780)، باختلاف يسير.
- 4 أخرجه أبو يعلى (1685)، وأحمد (18694)، واللفظ لهما، وابن أبي شيبة (36820)، باختلاف يسير.
- 5 أخرجه ابن حبان (6985) واللفظ له، والبخاري (2846)، ومسلم (2415) بنحوه.
- 6 صفة الصفوة لابن الجوزي (1/ 270).
- 7 كتاب سيرة ابن هشام (2/ 169).
- 8 كتاب سيرة ابن هشام (2/ 171).
- 9 أخرجه ابن سعد في «الطبقات الكبرى» (2/ 206)، والبيهقي في «الاعتقاد» (346)، والبغوي في «شرح السُّنة» (2488)، واللفظ لهم جميعاً.
- 10 أخرجه البخاري (1399)، ومسلم (20).
- 11 أخرجه محمد بن إسحاق في «سيرة ابن هشام» (2/ 192)، والطبري في «تاريخه» (2/ 440).
- 12 أخرجه أبو داود (2663) واللفظ له، وأخرجه البخاري (3985) باختلاف يسير.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً