بين الخوف والتوكل

كيف نواجه المحن؟ دروس من قصة الحسن بن الحسن

د. نصر حسن

01 نوفمبر 2026

10

كتاب تاريخي مفتوح في مشهد هادئ يعبر عن قراءة أحداث التراث الإسلامي واستلهام معاني الصبر والطمأنينة.

أورد الذهبي، في «سير أعلام النبلاء»، عن أبي مصعب أن عبدالملك بن مروان كتب إلى هشام بن إسماعيل، متولي المدينة: «بلغني أن الحسن بن الحسن يكاتب أهل العراق، فاستحضره»، قال: فجيء به، فقال له علي بن الحسين: «يا ابن عم، قل كلمات الفرج: لا إله إلا الله الحليم الكريم، لا إله إلا الله العلي العظيم، لا إله إلا الله رب السماوات السبع، ورب الأرض، ورب العرش الكريم»، قال: «فخُلِّي عني»(1).

لا تقتصر المحنة على ما يواجهه الإنسان من خطر، بل تمتد إلى حيرته أمام ما لا يعرف عاقبته، وحاجته إلى ما يعينه على التعامل مع هذا الغموض، وتطرح مثل هذه المواقف أسئلةً عن أثر الإيمان في مواجهة الخوف، وحدود المساندة حين تتداخل القرابة مع المسؤولية، وكيف يجتمع التوكل مع الأخذ بالأسباب، ومن خلال قصة الحسن بن الحسن، تتضح هذه المعاني في سياق يجمع بين الخوف والرجاء، وبين ما يملكه الإنسان من تصرف وما يخرج عن قدرته.

من التثبت من الخبر إلى فهم القصد

قد تحمل الأخبار المتعلقة بالأزمات شبهةً أو اتهامًا، لكن ورود الاتهام لا يجعله حقيقةً ثابتة، كما أن صدوره عن جهة قوية لا يغني عن التحقق من أدلته، فالعدل يقتضي التمييز بين ما ثبت وقوعه وما نُسب إلى صاحبه، لئلا تتحول الأخبار غير المحققة إلى أحكام تسبق ظهور الحقيقة.

قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ) (الحجرات: 6)، فقد يفضي التسرع في تصديق الأخبار إلى ظلم الأبرياء، ثم لا ينفع الندم بعد وقوع الضرر.

وإذا ثبت وقوع الفعل، فإن الحكم على صاحبه يقتضي النظر في ملابساته وعدم افتراض دافع لمجرد ظاهر التصرف، ففي قصة حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه، حين كتب إلى أهل مكة يخبرهم ببعض أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، سأله النبي صلى الله عليه وسلم: «يَا حَاطِبُ، ‌مَا ‌حَمَلَكَ ‌عَلَى ‌مَا ‌صَنَعْتَ؟»(2)، فشرح حاطب قصده، وبيّن أنه لم يفعل ذلك ارتدادًا عن دينه ولا رضًا بالكفر، وإنما أراد أن يتخذ عند قريش يدًا يحمي بها أهله، مع بقائه على إيمانه، فلم يُكتفَ بظاهر الفعل للحكم على مقصده، بل سُئل عن الدافع الذي حمله عليه.

فالسؤال عن الدافع أتاح فهم موقف حاطب في سياقه، بدل الاكتفاء بظاهر فعله للحكم على مقصده، وفي الأسرة والعمل والإعلام، يقتضي الإنصاف التحقق من الوقائع، وسماع أقوال أصحاب الشأن، والفصل بين ما ثبت وما بقي في دائرة الظن؛ فلا يُعفى المخطئ من المسؤولية، ولا يُدان أحد بما لم يثبت عليه.

التوحيد يعيد ترتيب المخاوف

لا يمنع الإيمان وقوع الإنسان تحت ضغط الخوف، لكنه يغيّر موقع الخوف في قلبه؛ فلا يعود الخطر هو الحقيقة الوحيدة التي يراها، ولا تستأثر السلطة أو الظروف بتحديد نظرته إلى الموقف، فحين يشتد الخوف، لا يحتاج القلب إلى استحضار الخطر وحده، بل يحتاج إلى ما يردّه إلى حقيقة التوحيد، ويذكّره بأن الأمر كله لله، مهما عظمت قوة من يخشاه الإنسان، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «‌لَا ‌إِلَهَ ‌إِلَّا ‌اللَّهُ ‌الْعَظِيمُ ‌الْحَلِيمُ، ‌لَا ‌إِلَهَ ‌إِلَّا ‌اللَّهُ ‌رَبُّ ‌الْعَرْشِ ‌الْعَظِيمِ، ‌لا ‌إله ‌إلا ‌الله ‌رب ‌السماوات ‌وَرَبُّ ‌الْأَرْضِ، ‌وَرَبُّ ‌الْعَرْشِ ‌الْكَرِيمِ»(3).

فالدعاء يعيد توجيه القلب من تعظيم ما يخشاه إلى تعظيم الله الذي يخضع له كل شيء؛ فلا تبقى قوة الخطر هي المعيار الوحيد الذي يقدّر به الإنسان موقفه، بل ينظر إليه في ضوء إيمانه بربوبية الله وسلطانه.

ولا يقتصر هذا التحول على ما يستحضره القلب في الدعاء، بل يمتد إلى نظرته للخطر حين يواجهه؛ إذ لا تعود قوة المطاردين أو قربهم هي الحقيقة الوحيدة الحاضرة في الموقف، قال الله تعالى في شأن النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه أبي بكر رضي الله عنه في الغار: (إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ ‌لَا ‌تَحْزَنْ ‌إِنَّ ‌اللَّهَ مَعَنَا) (التوبة: 40)، فقد ظل الخطر قائمًا، لكن الآية وجّهت النظر إلى معنى يتجاوز حسابات المطاردة المباشرة: معية الله، فالإيمان لا يقتضي إنكار الخطر، وإنما يمنع الخطر من أن يستأثر برؤية الإنسان وتقديره.

وفي محنة الحسن بن الحسن، كان توجيهه إلى كلمات الفرج سبيلًا لاستحضار هذا المعنى في موقف واقعي يكتنفه الغموض، فلم يكن في وسعه أن يحدد ما ستقرره السلطة، لكنه استطاع أن يتوجه إلى الله بالدعاء، مستندًا إلى إيمانه حين غابت عنه معرفة ما سيحدث.

الطمأنينة لا تلغي الخوف

ليس الخوف في ذاته دليلًا على ضعف الإيمان، كما أن الطمأنينة لا تعني أن الإنسان لا يشعر بوطأة الخطر، فقد يخاف المؤمن، ويضطرب، ويحتاج إلى التثبيت، مع بقاء ثقته بالله وحرصه على الاستقامة، ومن الخطأ أن يُجعل الشعور بالخوف حكمًا على إيمان صاحبه؛ فالخوف استجابة قد تفرضها ظروف الإنسان، وليس وحده مقياسًا لثباته.

قال تعالى في قصة موسى عليه السلام: (فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ) (القصص: 21)، فقد وصف القرآن موسى بالخوف والترقب في موقفه، دون أن يجعل هذين الشعورين حكمًا على إيمانه أو انتقاصًا من قدره، فالخوف لا يناقض الإيمان لمجرد حضوره، ولا يصح أن يُلام الإنسان على شعور لا يختاره، وإنما يُنظر إلى كيفية تعامله مع الموقف وما يترتب على ذلك من تصرفات.

والقرآن يربط الطمأنينة بما يستقر في القلب من ذكر الله، لا بمجرد خلو الحياة من أسباب القلق، قال الله تعالى: (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) (الرعد: 28)، ولا يعني ارتباط الطمأنينة بذكر الله زوال كل مشقة أو انعدام كل انزعاج؛ لذلك لا يصح اتهام المتألم بضعف الإيمان لمجرد خوفه، أو مطالبته بإخفاء حزنه حتى يبدو ثابتًا أمام الناس، ويقتضي التعامل الرحيم فهم أسباب خوفه، وتقديم ما يحتاج إليه من استماع ومساندة وتوجيه عملي، ففي التربية، يحتاج الابن الذي يخشى أمرًا ما إلى من يفهم سبب خوفه قبل أن يحاسبه عليه، كما يحتاج المتعلم أو الموظف الواقع تحت الضغط إلى توجيه يعينه على التصرف دون أن يزيد شعوره بالعجز.

القيادة كلمة تناسب اللحظة

حين يُقبل الإنسان على موقف يخشاه، قد تكون الكلمة الأجدى هي التي ترشده إلى ما يستعين به في تلك اللحظة، دون إطالة تزيد اضطرابه، فقد قال علي بن الحسين لابن عمه الحسن بن الحسن، حين استُحضر إلى عبدالملك بن مروان: «يا ابن عم، قل كلمات الفرج»، ثم لقّنه الدعاء، لم ينصرف التوجيه إلى شرح تفاصيل الخطر أو التكهن بعاقبته، بل حدّد للحسن ما يستطيع فعله في اللحظة التي كان يواجهها، وتظهر قيمة الإيجاز هنا في أن تكون الكلمة قريبة من حاجة المخاطب، فتدله على ما يستطيع فعله بدل أن تثقل عليه بما لا يحتاج إليه في تلك الساعة.

وقد تكون الحاجة في موقف آخر إلى كلمة تصحح تقدير القرار، لا إلى توجيه المخاطب إلى فعل بعينه، فقد قال أبو بكر لعمر رضي الله عنهما في شأن عمرو بن العاص: «دعه، فإنما ولاه رسول الله علينا لعلمه بالحرب»(4)، فهنا استند أبو بكر إلى خبرة عمرو بالحرب لتفسير توليته، فحوّل النظر إلى الاعتبار الذي ينبغي أن يُوزن به القرار، فالكلمة المناسبة ليست بالضرورة الأقصر في كل موقف، وإنما هي التي تعالج حاجة المخاطب الفعلية: توجيهًا حين يحتاج إلى ما يفعله، أو تفسيرًا حين يحتاج إلى فهم سبب القرار.

وفي التعليم والإدارة، قد يحتاج الإنسان إلى توجيه واضح يحدد له ما يبدأ به، وقد يحتاج إلى تفسير موجز يزيل التباس القرار، وقد يكون التفصيل ضروريًا للفهم، لكن الإطالة في لحظة الضيق قد تزيد العبء بدل أن تخففه، فالقيادة الرحيمة تختار من القول ما يلائم حال الناس، ويوضح لهم ما ينبغي فعله، ويعينهم على مواجهة الأزمة دون أن يتركهم أسرى الحيرة أو الخوف.

الحسن بن الحسن ....كيف تجتمع مساندة المأزوم مع الالتزام بالحق؟

تشتد حاجة الإنسان إلى المساندة حين يجد نفسه أمام اتهام أو تهديد، لكن الوقوف إلى جانبه لا يعني تبرئة كل فعل يصدر عنه، ولا الانتصار له لمجرد القرابة أو الانتماء، فالمساندة التي تنفصل عن العدل قد تتحول إلى عصبية، أما المساندة الرحيمة فتجمع بين حفظ كرامة الإنسان والالتزام بالحق.

كان الحسن بن الحسن هو الذي يواجه المحنة، ولم يكن علي بن الحسين في موضع الاستدعاء نفسه؛ لكنه لم يترك ابن عمه لمواجهة خوفه دون توجيه، بل خاطبه بما يعينه على الموقف، وقد جمع النبي صلى الله عليه وسلم معنى المساندة مع رفض الظلم في قوله: «الْمُسْلِمُ ‌أَخُو ‌الْمُسْلِمِ، ‌لَا ‌يَظْلِمُهُ ‌وَلَا ‌يُسْلِمُهُ»(5).

فالأخوة تقتضي ألا يُترك الإنسان فريسة للظلم، كما تقتضي ألا يُعان على ظلم غيره، وليست المساندة تبريرًا للخطأ، بل مسؤولية تجمع بين منع العدوان ورفض التخلي عن المظلوم.

وتظهر خطورة العصبية حين تتحول الروابط التي تجمع الناس إلى وسيلة لاستنفارهم ضد بعضهم بعضًا، ففي حادثة بني المصطلق، لما نادى بعضهم: «يَا لَلْمُهَاجِرِينَ»، ونادى آخرون: «يَا لَلْأَنْصَارِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ‌دَعُوهَا ‌فَإِنَّهَا ‌مُنْتِنَةٌ»(6)، فلم يجعل الانتماء مبررًا لإثارة الخصومة، ولم يسمح بأن تتحول رابطة الجماعة إلى غطاء للتعصب وتجاوز الحق.

وفي الأسرة والمؤسسة، يمكن مساندة المأزوم دون تعطيل المحاسبة؛ برفض التشهير به، ومساعدته على بيان موقفه، والدفاع عن حقه إذا ثبت، مع إبقاء فعله خاضعًا للعدل، فقد تكون المساندة كلمة تثبّت، أو حضورًا يخفف الوحشة، أو مساعدة عملية، أو دفاعًا عن حق؛ لكنها لا تكون رحمة إذا دفعت إلى ظلم آخر، ولا تكون وفاء إذا جعلت القريب فوق المساءلة، فالمساندة الحقيقية أن يجد الإنسان من يقف إلى جانبه في محنته، دون أن تتحول القرابة إلى تعصب أو يُتخذ التعاطف ذريعةً لتجاوز الحق.

الدعاء لا يعطل الأسباب

التوكل لا يعني انتظار انقضاء الأزمة من غير عمل، كما أن الأخذ بالأسباب لا يناقض الاعتماد على الله، إنما يجتمع الأمران حين يبذل الإنسان ما يستطيع، ويستعين بالله فيما يعجز عنه، ولا يجعل محدودية قدرته ذريعةً إلى ترك العمل.

ولا يترك التوجيه النبوي للمسلم مجالًا لأن يجعل الاستعانة بالله بديلًا عن السعي، أو أن يجعل تعثره مبررًا للعجز؛ فقد جمع النبي صلى الله عليه وسلم بين الحرص على النافع والاستعانة بالله والنهي عن العجز، فقال: «احْرِصْ ‌عَلَى ‌مَا ‌يَنْفَعُكَ، ‌وَاسْتَعِنْ ‌بِاللهِ ‌وَلَا ‌تَعْجِزْ»(7)، فالحرص يوجّه الجهد إلى ما ينفع، والاستعانة تصل السعي بالله، والنهي عن العجز يحول دون الاستسلام حين تعترض الإنسان صعوبة أو يتعذر عليه بعض ما أراد.

وقد ظهر الجمع بين التوكل والتدبير في الهجرة النبوية؛ إذ اتخذ النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رضي الله عنه أسبابًا متعددة، فأقاما في الغار، وكان عبد الله بن أبي بكر يأتيهما بالأخبار، ويأتيهما عامر بن فهيرة بغنم أبي بكر، ويتبع أثر عبد الله بالغنم ليعفي عليه، وكانت أسماء بنت أبي بكر تأتيهما بالطعام إذا أمست بما يصلحهما(8)، فلم يمنعهما التوكل من التخطيط الدقيق، ولم يجعل الأخذ بالأسباب نجاحهما أمرًا مضمونًا بذاته؛ بل اجتمع التدبير الممكن مع الاعتماد على الله.

وعلى هذا المنهج، لا يحتاج الإنسان في أزمته إلى امتلاك الحل الكامل حتى يبدأ، وإنما يحتاج إلى تمييز ما يستطيع فعله مما يخرج عن قدرته، فيتحقق من المعلومات، ويطلب المشورة المناسبة، ويستعين بمن يستطيع مساعدته، ويتخذ التدابير المتاحة، ثم يسلّم ما لا يملكه إلى الله، فالتوكل لا يَعِد الإنسان بالسيطرة على النتائج، وإنما يعينه على أداء ما يستطيع دون أن يستسلم لما يعجز عنه.

الفرج لا يخضع لمواعيدنا

قد يدعو الإنسان طويلًا، ويترقب انكشاف كربه، ثم تتأخر الإجابة التي يرجوها، فيجد نفسه أسيرًا لسؤال متكرر: متى يأتي الفرج؟ وتزداد مشقة الانتظار حين يقيس الإنسان ما يرجوه بموعد رسمه في ذهنه، فيحسب أن تأخره يعني الحرمان منه، لكن توقيت الإجابة ليس مما يملكه الداعي، ولا يصح أن يجعل الموعد الذي يتمناه مقياسًا للحكم على دعائه.

وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن أن يتحول انتظار الإجابة إلى استعجال يقطع صاحبه عن الدعاء، فقال: «يُسْتَجَابُ ‌لِأَحَدِكُمْ ‌مَا ‌لَمْ ‌يَعْجَلْ، يَقُولُ: دَعَوْتُ فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي»(9)؛ فليس تأخر الإجابة مسوغًا لأن يعلن الداعي أن دعاءه لم يُستجب، أو أن يترك الدعاء لأنه لم يرَ النتيجة في الوقت الذي أراده؛ إذ لا يملك أن يجعل توقيته الشخصي حدًّا لما يرجوه من الله.

وقد يطول البلاء حتى يعجز الإنسان عن معرفة متى تنتهي محنته، مهما اشتد انتظاره للخلاص، فقد روت أم سلمة رضي الله عنها أن أهلها فرّقوا بينها وبين زوجها أبي سلمة وابنها حين هاجر زوجها إلى المدينة، فظلت تبكي حتى قالت: «فما أزال أبكي حتى أمسي، سنة أو قريبًا منها»(10)، ثم تدخل رجل من بني عمها، فرقّ لحالها وسعى حتى أُعيد إليها ابنها وأُذن لها بالهجرة، فقد طال انتظارها، ولم تكن تملك تحديد موعد انتهاء محنتها، ثم تهيأت أسباب الفرج بتدخل لم يكن في يدها؛ فالعجز عن معرفة موعد الخلاص لا يعني استحالته، كما لا يبيح الجزم بموعده.

وحين يطول البلاء، لا ينبغي أن نحاكم قلب صاحبه أو نجعل استمرار محنته دليلًا على ضعف يقينه، بل نسانده في السعي والصبر، ونحفظ له حق الرجاء، ونقدم له العون بدلًا من مطالبته بإخفاء ألمه، فليس المطلوب من المبتلى أن يعرف متى ينتهي ما يمر به، بل ألا يُترك وحده في انتظاره، وألا يُدفع إلى اليأس بسبب تأخر ما يرجوه.

 ما يبقى بعد الكرب

واجه الحسن بن الحسن استدعاءً سياسيًا لا يعرف عاقبته، فكان توجيه علي بن الحسين له إلى كلمات الفرج تذكيرًا باللجوء إلى الله حين تضيق السبل ويغيب اليقين بما ستؤول إليه الأمور، فليس في وسع الإنسان أن يضمن نهاية المحنة أو يحدد موعد الفرج، لكنه يستطيع أن يواجه ما نزل به دون أن يستسلم للخوف، وأن يجمع بين الدعاء والأخذ بالأسباب، ويحفظ رجاءه بالله ما دام المآل غائبًا عنه، فالعبرة ليست في امتلاك زمام الأحداث، بل في حسن مواجهتها حين تخرج عن قدرة الإنسان.

الهوامش
  • 1 سير أعلام النبلاء: للذهبي (4/ 485).
  • 2 متفق عليه، أخرجه البخاري واللفظ له (3983)، ومسلم (2494).
  • 3 متفق عليه، أخرجه البخاري (6346)، ومسلم (2730).
  • 4 تاريخ دمشق: ابن عساكر (46/ 145).
  • 5 متفق عليه، أخرجه البخاري (2442)، ومسلم (2580).
  • 6 متفق عليه، أخرجه البخاري (4905)، ومسلم (2584).
  • 7 أخرجه مسلم (2664).
  • 8 السيرة النبوية: ابن هشام (1/ 485).
  • 9 متفق عليه، أخرجه البخاري واللفظ له (6340)، ومسلم (2735).
  • 10 حياة الصحابة: الكاندهلوي (1/ 435).
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة