قراءة في كتاب «مربون من بلدي» للدكتور عبدالمحسن الخرافي

سيف باكير

29 أكتوبر 2026

19

غلاف كتاب يحمل عنوان "مربون من بلدي" مع العلم الكويتي

يستعيد د. عبدالمحسن عبدالله الخرافي في كتابه «مربون من بلدي» تاريخ التعليم في الكويت من خلال سير العلماء، ومعلمي الكتاتيب، والمطبوعات، ومدرسي المدارس النظامية رجالاً ونساءً، والداعمين للتعليم، وقد صدرت طبعته الأولى سنة 1998م، وجمع في نحو 1400 صفحة مئات التراجم للرعيل الأول من المربين والمربيات الأفاضل، إلى جانب مقدمات وخواتيم تاريخية وتعليقات تربوية ووثائق وصور، وتقوم فكرته على حفظ أسماء الذين أسهموا في بناء الإنسان الكويتي، وصون تجاربهم من النسيان في مسمى تربوي وطني «مربون من بلدي».

الوفاء للمربين وحفظ أثرهم

تبلورت فكرة المشروع بعد تحرير الكويت، حين تولى المؤلف عمادة كلية التربية الأساسية في نهاية عام 1991م، وتم تكليفه بقيادة إعادة إعمار الكلية بعد التدمير والإتلاف الذي مارسه المحتل الغاشم لدولة الكويت، فأراد وصل حاضر البلاد بماضيها التربوي بإضافة بُعد تربوي معنوي لإعادة الأعمار من الجانب المادي فقط إلى الجانب التربوي المعنوي، ولأن المصادر المكتوبة لم توفر معلومات كافية عن معظم الشخصيات، اتجه إلى جمع الشهادات من المربين وأسرهم وزملائهم، مستعيناً بالمقابلات والأوراق الخاصة والمؤلفات المتاحة.

ويفسر مقصد الوفاء اتساع دائرة الاختيار؛ فالمؤلف يقدر المعلم الذي علّم الأطفال القرآن الكريم والقراءة والكتابة، كما يقدر مؤسس المدرسة وداعمها، والمعيار الجامع هو الإسهام في التعليم، ولو لم يصحبه انتشار أو تأليف. (ص8-12، 29-32).

منهج يجمع التوثيق والتربية

شملت الموسوعة مربين ومربيات من أبناء الكويت، وحدد المؤلف نطاقها بالمواليد حتى سنة 1935م فما قبل، ورتب الشخصيات بحسب ألقابها المتداولة، ثم سنة الميلاد داخل كل فئة.

واعتمد نموذجاً لجمع المعلومات يشمل النشأة والتعليم والشيوخ والتلاميذ والعمل والإسهامات الاجتماعية، وتتكون الترجمة عادة من سيرة توثيقية، يتبعها تعليق يستخلص معنى تربوياً أو أخلاقياً، أو يناقش موضوعاً متصلاً بالشخصية، ولذلك يجمع الكتاب بين حفظ الأخبار وتقديم التجارب بوصفها مادة للتأمل والاقتداء. (ص12-13، 62-65).

من الكتاتيب إلى المؤسسات التعليمية

يعرض الكتاب بدايات التعليم في المساجد والبيوت والكتاتيب، وصلته بحاجات المجتمع الدينية والتجارية، ثم انتقاله إلى المدارس النظامية، وفي مقدمتها المباركية سنة 1911م والأحمدية سنة 1921م، وتكشف تفاصيل الرسوم والمناهج والتبرعات أن التعليم نما بمشاركة العلماء والتجار والأهالي، وسط تحديات التمويل وتطوير المواد الدراسية. (ص14-18).

وعلى سبيل المثال لا الحصر، تجسد سيرة يوسف بن عيسى القناعي هذا التحول؛ فقد شارك في تأسيس المباركية وإدارتها، وتولى إدارة الأحمدية، وأسهم في تأسيس المكتبة الأهلية ودعم البعثات، كما ألّف كتاب «صفحات من تاريخ الكويت» لتلاميذ المدارس، قبل أن يصبح مصدراً لتاريخ البلاد. (ص149-151).

أما عبدالعزيز الرشيد، فتظهر سيرته امتداد رسالة المربي إلى التاريخ والصحافة؛ إذ جمع بين التدريس وتأليف كتاب «تاريخ الكويت» وإصدار «مجلة الكويت»، وفتح فيها مجالاً للشباب لنشر كتاباتهم. (ص164-167).

وتكشف تجربة الملا مرشد محمد السليمان تطور المدرسة الأهلية؛ فقد نظم مدرسته في أربعة صفوف، ودرج المواد من السهل إلى الصعب، واستعان بمعلمين آخرين، وأدخل الإنجليزية في الصف الرابع. (ص376-378).

المربيات في ذاكرة التعليم

يمنح الكتاب المربيات حضوراً مهماً، ويكشف جذور تعليم البنات قبل اتساع المدارس النظامية، ففي ترجمة حبيبة عبدالله الذوادي يرجع المؤلف افتتاح كتّابها إلى نحو سنة 1850م، ويصفها بأنها أقدم مربية وصلته معلومات عنها، مع تقييد ذلك بحدود معرفته، دون الجزم بأنها الأولى على الإطلاق. (ص448-150).

وتبرز مريم حمد بودي نموذجاً يجمع التعليم بالتكافل؛ فقد افتتحت مدرسة للبنات في منزلها، وراعت تفاوت قدرات الأسر في الرسوم، وأعفت غير القادرات من الدفع، كما دربت إحدى تلميذاتها لتساعدها في التعليم. (ص470-471).

أما مريم عبدالملك الصالح، فتمثل صلة بين المطوعات والمدرسة الحديثة؛ إذ تعلمت عند المطوعات وعلى يد والدها، ثم شاركت في التدريس بالمدرسة الوسطى سنة 1938م، ووثقت تجربتها في كتاب عن التطور التاريخي لتعليم الفتاة في الكويت. (ص902-903).

قيمة الموسوعة وحدودها

تتجاوز أهمية الكتاب جمع السير إلى حفظ تفاصيل الحياة التعليمية، من خلال الدفاتر والامتحانات والمراسلات والصور ومخططات المدارس، وتتيح هذه المواد دراسة المناهج وطرق التدريس وعلاقة المدرسة بالمجتمع.

ويغلب على الموسوعة مقصد الوفاء واستخلاص القدوة، وهو ما يحدد طبيعة قراءتها، وتبقى قيمتها الأساسية في تحويل ذاكرة متفرقة إلى سجل يوضح كيف تراكمت جهود المعلمين والمربيات والداعمين، حتى أسهمت في بناء التعليم والمجتمع في الكويت.

ويقر المؤلف بتعذر توثيق أكثر من 65 شخصية بسبب نقص المعلومات عنده حتى عند ذويهم من بعدهم، كما يعترف بفضل المعلمين والبعثات العربية، موضحاً أن غياب تراجمهم لا يقلل من إسهامهم. (ص56، 60).



الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة