حين يثمر الاختلاف علماً

أبو سلمة بن عبد الرحمن.. كيف حفظوا قدر بعضهم عند الاختلاف؟

ثلاثة نفر يبدوا عليهم هيئة العلم ، ويدخل على مجلسهم رجل رابع يبدوا عليه الثراء ويسلم عليهم في في احترام ومودة متبادلة بين الجميع.

يذكر الإمام الذهبي، في «سير أعلام النبلاء»، خبراً عن أَبي سَلَمَةَ بْن عبدالرحمن(1)؛ حيث رَوَى الزُّهْرِيُّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، قَالَ: لَوْ رَفَقْتَ بِابْنِ عَبَّاسٍ، لَاسْتَخْرَجْتَ مِنْهُ عِلْمًا كَثِيرًا.

قَالَ سَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: كَانَ أَبُو سَلَمَةَ يَخْضِبُ بِالسَّوَادِ.

شُعْبَةُ: عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: أَبُو سَلَمَةَ فِي زَمَانِهِ خَيْرٌ مِنْ ابْنِ عُمَرَ فِي زَمَانِهِ.

وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِاللَّهِ بْنِ أَبِي يَعْقُوبَ الضَّبِّيُّ: قَدِمَ عَلَيْنَا الْبَصْرَةَ أَبُو سَلَمَةَ بن عبد الرحمن فِي إِمَارَةِ بِشْرِ بْنِ مَرْوَانَ، وَكَانَ رَجُلًا صَبِيحًا، كَأَنَّ وَجْهَهُ دِينَارٌ هِرَقْلِيٌّ(2).

قَالَ الزُّهْرِيُّ: أَرْبَعَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ وَجَدْتُهُمْ بُحُورًا: عُرْوَةُ، وَابْنُ الْمُسَيَّبِ، وَأَبُو سَلَمَةَ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عبدالله، قَالَ: وَكَانَ أَبُو سَلَمَةَ كَثِيرًا مَا يُخَالِفُ ابْنَ عَبَّاسٍ، فَحُرِمَ لِذَلِكَ مِنْهُ عِلْمًا كَثِيرًا، قَالَهُ الزُّهْرِيُّ.

عُقَيْلٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ: قَدِمْتُ مِصْرَ عَلَى عَبْدِ الْعَزِيزِ -يَعْنِي مُتَوَلِّيهَا- وَأَنَا أُحَدِّثُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، فَقَالَ لِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ قَارِظٍ: مَا أَسْمَعُكَ تُحَدِّثُ إِلَّا عَنْ سَعِيدٍ! فَقُلْتُ: أَجَلْ، فَقَالَ: لَقَدْ تَرَكْتَ رَجُلَيْنِ مِنْ قَوْمِكَ لَا أَعْلَمُ أَكْثَرَ حَدِيثًا مِنْهُمَا: عُرْوَةُ، وَأَبُو سَلَمَةَ، قَالَ: فَلَمَّا رَجَعْتُ إِلَى الْمَدِينَةِ وَجَدْتُ عُرْوَةَ بَحْرًا لَا تُكَدِّرُهُ الدِّلَاءُ.

قُلْتُ: لَمْ يُكْثِرْ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ وَهُوَ مِنْ عَشِيرَتِهِ، رُبَّمَا كَانَ بَيْنَهُمَا شَيْءٌ، وَإِلَّا فَمَا أَبُو سَلَمَةَ بِدُونِ عُرْوَةَ فِي سِعَةِ الْعِلْمِ(3).

في تاريخ العلم لا يكون التفوق دائمًا في غياب المنافسين، بل كثيرًا ما تولد العظمة في بيئة تمتلئ بالعقول الكبيرة؛ حيث يلتقي العلماء، ويتناقشون، ويختلفون، ويختبر كل واحد منهم قوة فهمه أمام نظرائه، لكن الفرق الدقيق بين المنافسة التي تبني الفكر وتثمر المعرفة، وبين المنافسة التي تهدم العلم وتزرع الشحناء، إنما يكمن في أخلاق أصحابها ونزاهة نفوسهم.

فقد عرف جيل التابعين منافسة علمية شديدة ومثمرة بين كبار فقهاء المدينة المنورة، وكان ابو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف واحدًا من أبرز أعلامها؛ يناقش حبر الأمة عبدالله بن عباس، ويزاحم عروة بن الزبير، ويقف في صف واحد مع سعيد بن المسيب وعبيد الله بن عبدالله بن عتبة، حتى وصفهم الإمام الزهري بأنهم «بحور قريش»، ومع ذلك البناء العظيم، بقي الخلاف محصوراً في دائرة البحث والتلقي، ولم يتحول قط إلى إسقاط للرجال أو انتقاص من الأقدار والمنازل.

سر وصف الزهري لعلماء قريش بالبحور

كان ابو سلمة بن عبد الرحمن من كبار فقهاء المدينة، وقد اجتمع له من أسباب المكانة العلمية والاجتماعية ما يجعله في صدارة علماء عصره؛ فهو ابن الصحابي الجليل عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه، أحد العشرة المبشرين بالجنة، ومن سادة قريش المهاجرين، لكن مكانته العلمية المرموقة لم تُبنَ على مجرد الاتكاء على شرف النسب، بل على طول الملازمة للعلم والمجاهدة في أخذ الحديث عن كبار الصحابة.

ولهذا قال الإمام الزهري مبيناً منزلة هذه النخبة الفقهية: «أَرْبَعَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ وَجَدْتُهُمْ بُحُورًا: عُرْوَةُ، وَابْنُ الْمُسَيَّبِ، وَأَبُو سَلَمَةَ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عبدالله»، ولم يكن وصف العالم بأنه "بحر" مجرد ثناء أدبي عابر، بل هو إشارة إلى سعة علمه، وكثرة الموارد المعرفية التي ينهل منها الناس، وتنوع الفقه الذي يحتويه قلبه، فالأصل في تشبيه العالم بالبحر لا يقاس بما ادخره لنفسه، بل بما اغترف منه الآخرون وسال في الأمة نفعه.

وكان هذا التوصيل والاتساع الفقهي امتداداً لما استقر لدى الصحابة الكرام في تقييم أئمتهم، كقول عبدالله بن مسعود رضي الله عنه في التعبير عن سعة أقرانه: «إِنَّكَ لَتَسْأَلُ عَنْ رَجُلٍ كَانَ أَثْبَتَ النَّاسِ.. وَكَانَ حَبْرًا بَحْرًا»، وما ثبت في الحديث النبوي الشريف من بيان تخصصات أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وتنوع منابعهم: «أَعْلَمُهُمْ بِالحَلاَلِ وَالحَرَامِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ»(4).

لماذا حُرِم التابعيُّ ابو سلمة بن عبد الرحمن بعضَ علم البحر؟

من أبرز المواقف التي تكشف طبيعة التنافس العلمي الحر الشريف ما روته كتب الطبقات والتراجم عن طبيعة الحوار والمناظرة بين أئمة الجيل؛ فقد نقل الزهري عن طبيعة المدارسة بين أبي سلمة وحبر الأمة عبدالله بن عباس قوله: «وَكَانَ أَبُو سَلَمَةَ كَثِيرًا مَا يُخَالِفُ ابْنَ عَبَّاسٍ، فَحُرِمَ لِذَلِكَ مِنْهُ عِلْمًا كَثِيرًا».

ثم نقل أرباب السير عن أبي سلمة نفسه قوله مستدركاً ومراجعاً مسلكه مع شيخه وقرينه: «لَوْ رَفَقْتُ بِابْنِ عَبَّاسٍ، لَاسْتَخْرَجْتُ مِنْهُ عِلْمًا كَثِيرًا»، وهذه العبارة الصريحة تعد من أعمق الشواهد التي تجسد الأخلاق الرفيعة لأهل الخشية والإنصاف؛ فأبو سلمة لم ينكر فضل ابن عباس وسعة علمه رغم كثرة مخالفته له في الفتيا، ولم يدّعِ أن مخالفته كانت لأن مناظره أقل علماً، بل اعترف بنبل وتواضع بأن شدة طريقته في النقاش والحدة في المراجعة حرمته من اغتراف المزيد من بحر علم حبر الأمة.

وهنا يظهر نضج العالم الحقيقي: أن يستطيع الإنسان بعد الممارسة والتجربة أن يراجع أسلوبه، وأن يدرك أن الخلل أحيانًا لا يكون في طلب الحق والمناظرة عليه، بل في الطريقة التي يسلكها العبد للوصول إليه، فالخلاف العلمي الفقهي قد يكون سببًا في ثراء الشريعة وزيادة المعرفة، لكن إذا غلبت الحدة أو غاب الرفق، فقد تحجب بعض أبواب العلم المرتجاة.

وتلك الصورة في لزوم الرفق والتواضع هي الشأن الأصيل الذي استخرج به التابعون علم الصحابة، كما صح في قصة عبدالله بن عباس رضي الله عنهما حين كان يذهب إلى أبواب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحر الشديد ليسمع الحديث، فيتوسد رداءه على أبوابهم وتسفي الريح على وجهه من التراب، ويقول لصحابيها إذا خرج: «أَنَا أَحَقُّ أَنْ آتِيَكَ فَأَسْأَلَكَ عَنِ الْحَدِيثِ، وَجَدْنَا هَذَا الْعِلْمَ بِاللِّسَانِ السَّؤُولِ وَالْقَلْبِ الْعَقُولِ»(5).

أسباب قلة رواية الزهري عن أبي سلمة

ومن المشاهد الدالة على طبيعة العلاقات الإنسانية والاحترافية العالية بين العلماء ما ذكره الإمام الزهري حين قدم مصر، وكان يكثر الرواية والرفع عن سعيد بن المسيب، فقال له إبراهيم بن قارظ: «لماذا لا تحدث إلا عن سعيد؟»، فقال الزهري: نعم، فقال له إبراهيم: «لَقَدْ تَرَكْتَ رَجُلَيْنِ مِنْ قَوْمِكَ لا أَعْلَمُ أَكْثَرَ حَدِيثًا مِنْهُمَا: عُرْوَةَ، وَأَبَا سَلَمَةَ»، فلما رجع الزهري إلى المدينة وجلس إلى عروة بن الزبير ومدرسته وجده بحرًا لا تنفد ماؤه ولا ينقطع خيره.

ثم علق الحافظ الذهبي على هذه الرواية بتحليل دقيق: «لَمْ يُكْثِرْ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ وَهُوَ مِنْ عَشِيرَتِهِ؛ رُبَّمَا كَانَ بَيْنَهُمَا شَيْءٌ، وَإِلَّا فَمَا أَبُو سَلَمَةَ بِدُونِ عُرْوَةَ فِي سَعَةِ الْعِلْمِ»، وتكشف هذه الإشارة عن دقة المحدثين والفقهاء في قراءة العوارض البشرية؛ فقد يقع بين الأقران في المحلة الواحدة شيء من التباين أو الاختلاف في المسلك، وهذا أمر طبيعي بين جيل من أصحاب الهمم العالية والعقول المتوقدة.

لكن المحك العظيم هو أن هذا الاختلاف الفردي لم يتحول قط إلى طعنٍ في الدين، ولا إلى ثلبٍ في الأمانة، فلم يُحفظ عن أحد من هؤلاء الفقهاء أنه حاول إسقاط مكانة قرينه أو تسفيه علمه بين الناس، بل بقي كل واحد منهم محفوظ القدر، مروي الحديث، معظماً في الصدور.

وهذا التجرد ونزاهة المنافسة يذكران بمواقف أعيان الصحابة الكرام عند تباين وجهات النظر، كالموقف الخالد بين أبي عبيدة بن الجراح وخالد بن الوليد رضي الله عنهما في فتوحات الشام، حين قدم أبو عبيدة خالداً للتقدم والإمامة في مواضع القتال، فامتنع خالد بن الوليد وقال بإجلال وتواضع: «مَا كُنْتُ لِأَتَقَدَّمَ رَجُلًا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: لِكُلِّ أُمَّةٍ أَمِينٌ، وَأَمِينُ هَذِهِ الأُمَّةِ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ»(6).

معالم الإنصاف العلمي في عصر التابعين

من أعظم السجايا التي ميزت علماء عصر التابعين أنهم كانوا قادرين على التوازن بين أمرين أساسيين: الاعتزاز العالي بالعلم والضبط، مع الاعتراف التام بفضل الآخرين وسابقتهم.

فأبو سلمة بن عبدالرحمن كان إماماً مجتهداً، لكن عظمته لم تمنعه من الشهادة بسعة علم ابن عباس والتندم على ما فاته من حديثه، والزهري كان حافظ عصره، لكن حظه لم يحجبه عن رؤية بحور متعددة تشاركه الفضل وتزاحمه في الفتيا، وعروة، وسعيد بن المسيب، وعبيد الله بن عبدالله، لم يكونوا بحاجة إلى إلغاء بعضهم بعضاً أو احتكار الصدارة؛ لأن الشريعة أوسع وأجلّ من أن يستوعبها رجل واحد، أو يحوي كافة أسرارها إمام بمفرده.

ولهذا حفظت الأمة تراثهم جميعاً، وجعلت من اقتران أسمائهم مدرسة الفقه المدني الراسخ؛ فالطالب الذي يطلب الحق لله لا يخسر شيئاً إذا ظهر الفضل على لسان غيره، بل يزداد انشراحاً وعقلاً بكثرة العلماء وتنوع الفهوم.

وهذا المسلك النبيل هو الذي صرح به فقهاء الأمة فعن مالك بن أنس رحمه الله قال: «مَا أَفْتَيْتُ حَتَّى شَهِدَ لِي سَبْعُونَ أَنِّي أَهْلٌ لِذَلِك»(7)، وكان الشافعي يقول: «إِذَا ذُكِرَ الْعُلَمَاءُ فَمَالِكٌ النَّجْمُ» وقال أحمد بن حنبل: «كَانَ الشَّافِعِيُّ كَالشَّمْسِ لِلُّدْنَيَا وَكَالْعَافِيَةِ لِلنَّاسِ»(8)، وعن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال للسائل حين سأله عن مسألة: «ائْتِ ابْنَ عَبَّاسٍ فَسَلْهُ، فَإِنَّهُ أَعْلَمُ مَنْ بَقِيَ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم»(9)، ولم يكن هذا صنيعهم مجرد تواضعٍ عابر، بل كان تجسيداً راقياً لوعيهم بأن العلم أمانة كبرى لا يُحاط بها فرد، وأن تعظيم النص وخدمة الأمة يقدمان على حظوظ النفس واحتكار الفضل.

الفرق بين ابتغاء الحق والانتصار للنفس

إن المظاهر المشرقة في مدرسة التابعين تكشف عن وجود ميزان أخلاقي وقيمي صلب كان يحكم البيئة العلمية ويحميها من التردي في نزعات الهوى؛ ويمكن تلخيص قواعد هذا الميزان في نقاط مفصلية:

أولًا: التجرد الصادق للوصول إلى الحق لا الانتصار للنفس: فالمناظرة عندهم لم تكن معركة شخصية لإثبات الذات أو تحصيل الجاه، بل كانت وسيلة تمحيصية لاختبار قوة الدليل وصحة الاستنباط.

ثانيًا: التفريق الدقيق بين الخطأ الاجتهادي وبين قدر العالم وسابقته: فقد يخطئ العالم الكبير في مسألة جزئية، أو يشتد في مناظرة علمية، لكن ذلك الخطأ الاجتهادي لا يمس مكانته العامة، ولا يسوغ هدم تاريخه أو النيل من ورعه.

ثالثًا: الاستيقان بأن الشريعة أكبر من الأشخاص: لم يكن أحد منهم يعتقد أن الحق حصري في رأيه، أو أن الصواب وقف على اختياره، بل كانوا يرون أنفسهم خداماً للنص الشريف، يدورون معه حيث دار.

وترسيخاً لهذا البناء الأخلاقي الشريف وتجريد القلوب من الغل عند الخلاف، تنزلت الآية الكريمة المربكة للنفوس: (وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ) (الحجر:47)؛ وهي الآية التي تلاها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه بدموع صادقة يوم الجمل، حين نزل عن دابته وترحم على طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه ومسح التراب عن وجهه الشريف، موضحاً أن اختلاف الاجتهاد والمواقف في الدنيا لا ينزع أصل المحبة والأخوة الإيمانية بين الأفاضل.

كيف تثري بيئةُ الأقرانِ الرسوخَ الفقهي؟

إن وجود هذه النخبة من كبار العلماء في عصر واحد وفي حاضرة واحدة كالمصيرة بالمدينة لم يكن عائقاً أمام انتشار العلم أو مشتتاً للجهود، بل كان السبب المباشر في قوته وتماسكه ورسوخه.

فوجود إمام كابن عباس جعل أبا سلمة يختبر أدواته الفقهية باستمرار، ووجود أقران كعروة بن الزبير وسعيد بن المسيب دفع أئمة الجيل إلى مزيد من التحقيق والضبط والتنقيب عن الآثار، وهكذا تحولت البيئة التنافسية إلى مظلة ارتقاء وتكامل؛ لأن كل عالم كان يرى أمامه قمة أخرى تحثه على السير وتمنعه من العجب والغرور، فالطالب الذي يتلقى الفقه بين أحضان بحور متعددة لا يقنع بما حصله، والعالم الذي يعيش بين أقرانه يظل في حالة حراك ذهني ومراجعة دائمة.

وهذا ما وضح جلياً في مدرسة عبدالله بن مسعود رضي الله عنه بالكوفة، حين وصف الشعبي تخرج أصحابه وتكاملهم قائلاً: «كَانَ عَلْقَمَةُ أَبْطَنَ الْقَوْمِ بِهِ، وَكَانَ مَسْرُوقٌ قَدْ خَلَطَ مِنْهُ وَمِنْ غَيْرِهِ، وَكَانَ عُبَيْدَةُ يُوَازِي شُرَيْحًا فِي الْعِلْمِ وَالْقَضَاءِ»(10)؛ حيث صنع هذا التباين والتنافس المحمود نهضة فقهية أثرت المسلمين.

دروس من مدرسة أبي سلمة وأقرانه

الخلاف العلمي لا يفسد الأخوة العلمية ولا ينزع المودة: يمكن للمرء أن يخالف عالماً في مسألة اجتهادية أو يمارسه في دليل، مع بقاء أصل التعظيم لفضله، ورعاية حرمته، وحفظ منصبه في الدين.

الاعتراف بفضل المنافس شهادة نبيلة لا تدل على الضعف: فالإمام أبو سلمة لم تتضعضع مكانته حين شهد بسعة علم ابن عباس واسترجع تفريطه في الرفق به، بل ارتفعت منزلته في عيون أهل الإنصاف.

شرف العلم لا يُبنى بإسقاط الآخرين أو تتبع العثرات؛ فالأطواد الشامخة ترتفع بعلو بنائها ورسوخ علومها، لا بهدم أبراج غيرها؛ والعالم الصادق يرفع قدر العلم بحفظ أقدار حملة الشريعة.

التنافس المنضبط يصنع نهضة علمية متجددة: إن تعدد الرؤى وثراء المجالس بين الأئمة في العصر الواحد كان السبب الرئيس في ثراء المذاهب الفقهية، وتأسيس القواعد، وتأهيل الأجيال.

قواعد أخلاقية في أدب الاختلاف الشرعي

تطرح تجربة أبي سلمة بن عبدالرحمن وأقرانه معالم أخلاقية راسخة توضح كيف يمكن للمنافسة بين أصحاب الهمم أن تتحول إلى أداة بناء وتكامل بدلاً من أن تتطرق إليها آفة الحسد والتقاطع، فالبيئة العلمية الشريفة هي التي يستشعر فيها الجميع أنهم يسعون لغاية واحدة، وأن فضل الآخرين إنما هو زاد يضاف إلى ذخيرة الأمة، وتكتمل هذه المنظومة بالتمسك بالتوجيه النبوي الخالد الذي يقطع دابر البغضاء بين حملة الشريعة: «لاَ تَبَاغَضُوا، وَلاَ تَحَاسَدُوا، وَلاَ تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا»(11).

وهذا التنافس الشريف هو الذي أثمر تلك القواعد، إذ لم تكن الغاية أن ينفرد أحدهم بالساحة، بل أن يعمل الجميع في خدمة الشريعة، وقد تجسد هذا الفهم في قول الإمام سفيان الثوري رحمه الله مبيناً المقصد الأسمى من تحصيل الفقه والتنافس فيه: «إِنَّمَا يُتَعَلَّمُ الْعِلْمُ لِيُتَّقَى اللَّهُ بِهِ، فَمِنْ ثَمَّ فُضِّلَ الْعِلْمُ عَلَى غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ يُتَّقَى اللَّهُ بِهِ فِي حِفْظِ الأَقْدَارِ وَالْوُقُوفِ عِنْدَ الْحَقِّ»(12).

ثمرة التنافس الصادق في خدمة العلم

تكشف لنا سيرة أبي سلمة بن عبدالرحمن النخعية عن صورة راقية من أخلاق التابعين؛ علماء كبار، ومنافسة علمية شديدة، واختلافات فقهية حقيقية، لكن مع كل ذلك، بقيت القلوب أوسع من الخلافات، وبقيت الألسن أعفّ من النيل من المقامات.

فابن عباس بقي حبر الأمة وبحرها، وأبو سلمة بقي أحد بحور قريش المجتهدين، وعروة بن الزبير بقي إماماً ثبتاً من أعلام المدينة، وسعيد بن المسيب بقي سيد التابعين غير مدافع، لم يكن طريقهم إلى العظمة الخالدة أن ينفرد أحدهم بالساحة ويقصي غيره، بل أن يبذل كل واحد منهم جهده في حراسة الشريعة ونفع المسلمين، مع حفظ حق الآخرين ومنازلهم.

وهكذا يعلمنا تاريخ العلم وتراجم الأعلام أن: العلم يرتفع ويبارك الله فيه حين يتنافس أهله في الوصول إلى الحق بالدليل والرفق، لا حين يتنافسون في إسقاط بعضهم وتبخس أقدارهم.

الهوامش
  • 1 أبو سلمة بن عبدالرحمن بن عوف القرشي الزهري: تابعي جليل، ولد في حدود سنة 22هـ، وهو من فقهاء المدينة المنورة السبعة وأحد أئمتها، اشتهر بالحديث والفقه وتولية القضاء بالمدينة لبعض الوقت، وكان من أعلم الناس بأحكام الشريعة وآثار الصحابة، سكن المدينة المنورة وتوفي بها سنة 94هـ (وقيل: 104هـ).
  • 2 يقصد به شدة جمال الوجه وإشراقه واستدارته.
  • 3 سير أعلام النبلاء (4/ 287).
  • 4 الاستيعاب في معرفة الأصحاب (3/ 371/ 1006).
  • 5 فضائل الصحابة لأحمد بن حنبل (2/ 967/ 1925).
  • 6 صحيح البخاري (5/ 434/ 4363).
  • 7 تهذيب التهذيب (12/ 496/ 6816).
  • 8 الجامع لعلوم الإمام أحمد (18 /538/ 2238).
  • 9 أخبار مكة، الفاكهي (2/ 341/ 1630).
  • 10 تهذيب الكمال في أسماء الرجال (20/ 304).
  • 11 مسند أبي يعلى (6/ 409/ 3771).
  • 12 جامع بيان العلم وفضله (1/ 665/ 1159).
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة