بين خفاء العبادة وظهور التأثير

صفوان بن محرز.. في زمن الفتن بنى عالمه في الخفاء

رجل يصلي في كهف تحت الارض قد صنعه لنفسه حتى يختبئ فيه ويتعبد بعيدا عن الناس ويظهر من باب الكهف في اعلى الصورة سكون الليل والنجوم في السماء والهلال

يذكر الإمام الذهبي، في «سير أعلام النبلاء»، خبراً عن صَفْوَان بْن مُحْرِزٍ الْمَازِنِيّ الْبَصْرِيّ(1)، الْعَابِد، أَحَد الْأَعْلَامِ، حَدَّثَ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، وَحَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ، وَابْنِ عُمَرَ.

رَوَى عَنْهُ جَامِعُ بْنُ شَدَّادٍ، وَبَكْرُ الْمُزَنِيُّ، وَقَتَادَةُ وَثَابِتٌ، وَمُحَمَّدُ بْنُ وَاسِعٍ، وَعَاصِمٌ الْأَحْوَلُ، وَعَلِيُّ بْنُ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ، وَآخَرُونَ.

قَالَ ابْنُ سَعْدٍ ثِقَةٌ، لَهُ فَضْلٌ وَوَرَعٌ.

وَقَالَ غَيْرُهُ: كَانَ وَاعِظًا، قَانِتًا لِلَّهِ، قَدِ اتَّخَذَ لِنَفْسِهِ سَرَبًا يَبْكِي فِيهِ.

قال عُثْمَانُ بْنُ مَطَرٍ: عَنْ هِشَامٍ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: لَقِيتُ أَقْوَامًا كَانُوا فِيمَا أَحَلَّ اللَّهُ لَهُمْ أَزْهَدَ مِنْكُمْ فِيمَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ، وَصَحِبْتُ أَقْوَامًا كَانَ أَحَدُهُمْ يَأْكُلُ عَلَى الْأَرْضِ وَيَنَامُ عَلَى الْأَرْضِ، مِنْهُمْ صَفْوَانُ بْنُ مُحْرِزٍ، كَانَ يَقُولُ: إِذَا أَوَيْتُ إِلَى أَهْلِي وَأَصَبْتُ رَغِيفًا، فَجَزَى اللَّهُ الدُّنْيَا عَنْ أَهْلِهَا شَرًّا، وَاللَّهِ مَا زَادَ عَلَى رَغِيفٍ حَتَّى مَاتَ، كَانَ يَظَلُّ صَائِمًا وَيُفْطِرُ عَلَى رَغِيفٍ، وَيُصَلِّي حَتَّى يُصْبِحَ، ثُمَّ يَأْخُذُ الْمُصْحَفَ فَيَتْلُو حَتَّى يَرْتَفِعَ النَّهَارُ، ثُمَّ يُصَلِّي، ثُمَّ يَنَامُ إِلَى الظُّهْرِ، فَكَانَتْ تِلْكَ نَوْمَتُهُ حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا، وَيُصَلِّي مِنَ الظُّهْرِ إِلَى الْعَصْرِ، وَيَتْلُو فِي الْمُصْحَفِ إِلَى أَنْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ(2).

ليست مكانة العلماء بما يظهر للناس من كثرة الكلام واتساع الشهرة فقط، فقد يكون أعظم ما يصنع أثر العالم أشياء لا يراها أحد؛ لحظات خلوة، ودمعات صامتة، ومجاهدة للنفس لا يعلم بها إلا الله، فالعالم الذي يقف أمام الناس واعظًا ومعلّمًا يحتاج قبل ذلك إلى بناء داخلي يحفظ قلبه من الغفلة، ويمنحه الصدق والثبات في مواجهة الفتن ومباهج الحياة.

ومن هذه المدرسة التزكوية خرج صفوان بن محرز المازني البصري؛ أحد أعلام التابعين الكبار، الذي جمع بين أصول العلم ورواية الحديث وكمال العبادة، حتى صار مثالًا يقتدى به للعالم الذي لم يكن علمه منفصلًا عن حال قلبه وخشية ربه.

كيف أثمر التلقي عن الصحابة في علمَ صفوان بن محرز؟

نشأ صفوان بن محرز في عصر التابعين، لكنه لم يكن بعيدًا عن منابع العلم الأولى؛ فقد أخذ عن عدد من كبار الصحابة رضوان الله عليهم، فحدث عن أبي موسى الأشعري، وعمران بن حصين، وحكيم بن حزام، وعبدالله بن عمر.

وهذه الأسماء تكشف طبيعة البناء العلمي والروحي الذي تشكلت منه شخصيته؛ فقد أخذ عن رجال حملوا العلم والتزكية مباشرة من مشكاة النبوة، فانتقل إليه ميراث الصحابة في العلم والعمل جميعاً، وقد شُهد لجيل الصحابة ومن أخذ عنهم بصفاء التلقي وعظم الأمانة في الرواية والاتباع، كحال الصحابي الجليل سالم مولى أبي حذيفة رضي الله عنه الذي تلقى القرآن والعلم في المحراب النبوي الأول، فكان يُقدَّم لإمامة المهاجرين في مسجد قباء لرسوخ علمه وحفظه لكتاب الله وفيهم عمر بن الخطاب(3).

ثم أصبح صفوان بن محرز نفسه مصدرًا متدفقاً للعلم والتعليم، فروى عنه عدد من كبار أئمة التابعين، منهم جامع بن شداد، وبكر المزني، وقتادة، وثابت البناني، ومحمد بن واسع، وعاصم الأحول، وعلي بن زيد بن جدعان، وهنا تظهر قيمة العالم المؤثر؛ فهو لا يكتفي بأن يكون مستفيدًا من المعرفة لنفسه، بل يتحول إلى جسر نبيـل تعبر من خلاله الآثار والأحكام إلى أجيال جديدة.

لماذا وصف ابنُ سعدٍ صفوانَ بن محرز بالورع؟

قال الإمام محمد بن سعد في ترجمة صفوان بن محرز: «ثِقَةٌ، لَهُ فَضْلٌ وَوَرَعٌ»، وقال غيره من المترجمين لأخباره: «كَانَ وَاعِظًا، قَانِتًا لِلَّهِ، قَدِ اتَّخَذَ لِنَفْسِهِ سَرَبًا يَبْكِي فِيهِ».

وهذه الكلمات المقتضبة تلخص الشخصية الشاملة لصفوان؛ فهو ليس مجرد راوٍ للأحاديث يحفظ الأسانيد، ولا مجرد عابد يلتزم الصمت والاعتزال البعيد عن الناس، بل كان عالمًا يجمع بين نقل العلم، ووعظ الناس، ومراقبة الباطن، وشدة المحاسبة للنفس.

فالورع عنده لم يكن مجرد دعوى أو شعار يُقال على الألسنة، بل كان نظام حياة راسخاً يضبط حركته وسكناته، مستحضراً الأصل النبوي العظيم الذي أصله رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى»(4)، وتجلى هذا الميزان في سير عباد التابعين، كحال التابعي الجليل مسروق بن الأجدع الذي جمع بين الفقه والتحدث، وكانت زوجته تقول عن شدة عبادته وتزكيته لنفسه: «كَانَ مَسْرُوقٌ يُصَلِّي حَتَّى تَتَوَرَّمَ قَدَمَاهُ، فَرُبَّمَا جَلَسْتُ أَبْكِي مِمَّا أَرَاهُ يَصْنَعُ بِنَفْسِهِ»(5).

لماذا اكتفى التابعي الجليل برغيف الخبز؟

من أكثر المواقف والكلمات التي تكشف نظرة صفوان الحقيقية للحياة وحقيقة تعلقه بالله ما رواه الحسن البصري عنه، أنه كان يلهج بالدعاء والتذكير قائلاً: «إِذَا أَوَيْتُ إِلَى أَهْلِي وَأَصَبْتُ رَغِيفًا، فَجَزَى اللَّهُ الدُّنْيَا عَنْ أَهْلِهَا شَرًّا».

هذه العبارة لا تعني بحال رفض النعم التي أباحها الله لعباده أو تحريم الطيبات، وإنما تكشف مقدار قناعة قلبه وتعلقه بالآخرة وزهده في فضول المتاع الذي يشغل الإنسان عن غايته الكبرى، فصفوان لم يكن يرى قيمة العبد فيما يملكه من حطام الدنيا أو يجمعه من عرضها الزائل، بل فيما يحمله قلبه من صدق القرب من الله والتقوى.

ولهذا كان اكتفاؤه بالقوت اليسير صورة عملية لمعنى أعمق في التربية: أن من ملك زمام نفسه أمام الشهوات الرخيصة، واستغنى بعلمه عن أهل الدنيا، أصبح أكثر حرية واستعلاءً في سيرته، وتلك القناعة هي الميراث الحقيقي الذي تلمسه التابعون في التربية، كما ظهر في سيرة التابعي ربيعة بن أبي عبد الرحمن حين أنفقت أمه عليه أموالاً طائلة ليتم تعلم العلم والفقه، فلما وجده أبوه إماماً في المسجد النبوي يخضع لعلمه الكبراء، قالت أمه: «هَذَا الْمِيرَاثُ وَالْعَطَاءُ خَيْرٌ مِنْ ثَلاثِينَ أَلْفَ دِينَارٍ»(6).

كيف نظم التابعيُّ وقته بين الصيام والقيام؟

تكشف المصادر عن برنامج يومي شديد الانضباط والمجاهدة عاش عليه صفوان بن محرز؛ فكان يصوم النهار، ويفطر على رغيف يسير، ثم يقوم الليل متبتلاً حتى الصباح، وبعد ذلك يأخذ المصحف فيتلو القرآن حتى يرتفع النهار، ثم يصلي وينام هنيهة إلى الظهر، ويواصل بعد ذلك الصلاة والتلاوة والتضرع حتى المساء.

لم يكن هذا المسلك مجرد تنظيم وقتي عابر، بل كان تعبيرًا عن مركزية العبادة في حياته اليومية؛ فبينما ينفق كثير من الناس أعمارهم في مطاردة المتغيرات وفضول الدنيا، كان صفوان يحاول أن يجعل كل ساعة من عمره مرتبطة بالغاية الجليلة التي خلق الإنسان من أجلها، متمثلاً الهدي القرآني الحاكم: (فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا) (الكهف:110).

وهذا الانضباط الشديد على العبادة وجعلها المحور الأساسي لليوم نراه شاخصاً في أعيان التابعين، كالإمام الأسود بن يزيد النخعي الذي كان يختم القرآن في غير رمضان في كل ست ليال(7)، وفي رمضان في كل ليلتين، ويصل ليله بنهاره صلاةً وذكراً ومجاهدة.

قصة بناء صفوان سَرَبَ الدموع والخلوة

من أعمق صور حياته التربوية وأشدها أثراً قوله في وصف حاله: «قَدِ اتَّخَذَ لِنَفْسِهِ سَرَبًا يَبْكِي فِيهِ».

لم يكن السَّرَب -وهو المخبأ الخفي تحت الأرض أو الغرفة المغلقة- هو المقصود بذاته، بل كان وسيلة عملية لتحقيق عبادة خفية يبتعد فيها عن أعين الناس ومراءاة الخلق، فالعالم الذي يقف ليعظ الآخرين ويحثهم على الخشية يحتاج أشد الحاجة إلى لحظات خلوة لا يكون فيها أمام الجمهور، بل يكون فيها بين يدي ربه وحده؛ حيث لا تصفيق، ولا ثناء، ولا شهرة اجتماعية يحرص عليها الباطل.

وهذه الخبيئة هي التي كانت تبني في باطنه الصدق والإخلاص الذي يفيض نوره حين يتكلم أمام الناس، فالخلوة ليست هروبًا من الواقع الاجتماعي، بل هي إعداد وروافد لتصحيح القلب قبل مواجهة الخلق، وتطبيق مباشر للحديث النبوي الشريف: «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْعَبْدَ التَّقِيَّ الْغَنِيَّ الْخَفِيَّ»(8).

وتلك الخبيئة هي المسلك الحريص الذي سار عليه خيار التابعين، كما روي عن التابعي الربيع بن خثيم أنه «كَانَ عَمَلُهُ كُلُّهُ سِرًّا، إِنْ كَانَ لَيَجِيءُ الرَّجُلُ وَقَدْ نَشَرَ الْمُصْحَفَ فَيُغَطِّيهِ بِثَوْبِهِ»(9)»؛ حراسةً لقلبه من الرياء وحفظاً لخبيئة عمله مع الله.

لماذا لم تمنع الخلوةُ صفوانَ بن محرز من الوعظ؟

قد يتبادر إلى أذهان البعض أن شدة عبادة صفوان بن محرز وبكاءه في السَّرَب وتخففه من مظاهر الدنيا تعني ابتعاده عن المسؤولية الإصلاحية أو نكوصه عن نفع مجتمعه، لكن أخباره المدونة تكشف بخلاف ذلك تماماً.

فقد كان صفوان واعظًا مؤثرًا في مجالس البصرة، وكان أئمة التابعين يقصدون مجلسه للتعليم والأخذ عنه، وكان من رجالات العلم الذين تركوا أثرًا إيمانياً مشهوداً في أجيال بعدهم، فالخلوة عنده لم تكن بديلًا عن العمل والنفع المتعدي، بل كانت المصدر الداخلي لقوته وثباته في إرشاد الناس وإصلاحهم.

وهذا التوازن الجليل بين الخلوة التزكوية وبين القيام بحقوق الناس نراه حاضراً في سير زُهاد التابعين، كصفوان بن سليم الذي كان يُصَلِّي اللَّيْلَ أَجْمَعَ مِنْ ثَلاثِينَ سَنَةً، وَكَانَ يَصُومُ النَّهَارَ وَيَقُومُ اللَّيْلَ، وَلا يُخَالِطُ أَحَدًا، وَلا يُكَلِّمُ أَحَدًا، وَلا يَخُوضُ فِي شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا، وَمَا هَمَّتْهُ إِلا مَا هُوَ فِيهِ مِنْ أَمْرِ الآخِرَةِ(10)؛ ثم يخرج في نهار يومه يتفقد الفقراء والمساكين ويكسو العراة بقميصه ويقضي حوائج الأرامل والضعفاء، مؤكداً أن الزهد الحقيقي يثمر رحمة ونفعاً للمؤمنين.

كيف أورث الصحابةُ التابعين تعظيمَ الآخرة؟

لم يكن صفوان بن محرز حالة منفصلة عن جيله أو نبتة غريبة في عصره، بل كان امتدادًا طبيعياً لمدرسة الصحابة الكرام التي تخرج منها، فالذين أخذ عنهم العلم من رجال الرعيل الأول لم يورثوه مجرد مرويات ومسانيد، بل أورثوه نموذجاً حياً في تعظيم الآخرة، ومراقبة الله في السر والعلن، والاستهانة بزخرف الدنيا.

ولهذا ورد عن التابعي الإمام إبراهيم النخعي في شدة التأسّي بأفعال الصحابة وسمتهم قوله: «لَوْ بَلَغَنِي أَنَّهُمْ لَمْ يُجَاوِزُوا بِالْوُضُوءِ ظُفُرًا لَمَا جَاوَزْتُ، وَكَفَى بِنَا عَلَى قَوْمٍ إِزْرَاءً أَنْ نُخَالِفَ أَعْمَالَهُمْ»(11).

فصفوان كان واحداً من أفراد ذلك الجيل الأبيّ الذين فهموا أن الزهد الصادق ليس في تحريم ما أحل الله، وإنما في ألا تستعبد الدنيا قلب العبد أو تميل به عن مراقبة ربه، حذراً من ورود الخفايا والذنوب، وتدبراً للآية الكريمة: (وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ) (الزمر: 47).

كيف تصون الخبيئةُ العابدَ من الظهور؟

كيف تتجلى الخبيئة الخفية والزهد الصادق في صناعة هيبة العالم ونفعه؟

تطرح سيرة التابعي صفوان بن محرز معالم تربوية ركيزة توضح كيف يتحول البناء الباطني والخلوة الخفية إلى هيبة ظاهرة وأثر متعدٍّ في الناس، فالعلم الذي لا يصحبه ورع وخبيئة خفية قد يغدو معلومات مجردة، والعبادة التي تفتقد الإخلاص قد تعصف بها آفات الظهور والشهرة، ويمكن بلورة أبرز الدروس الاستفادية من تجربته في النقاط التالية:

1- العلم يحتاج إلى قلبٍ يخشى ربه ويحمله: فليس المهم كثرة المعلومات أو اتساع المرويات فحسب، بل الأهم هو أثر العلم في السلوك والخشية ومراقبة الباطن.

2- العبادة الخفية تحمي العالم من آفات الظهور: كلما اتسع تأثير الإنسان بين الناس احتاج أشد الحاجة إلى عمل صالح لا يراه إلا الله لحماية قلبه من الرياء والتصنع؛ كما قال الإمام بشر بن الحارث الحافي: «مَا أَعْلَمُ أَحَدًا أَحَبَّ أَنْ يُعْرَفَ إِلاَّ ذَهَبَ دِينُهُ وَافْتَضَحَ».

3- الاستغناء عن الدنيا يمنح الإنسان قوة داخلية: فالذي لا تجذبه المظاهر ولا تستعبده الشهوات يكون أكثر قدرة على الثبات والصدع بالحق أمام الفتن والتحديات.

4- العالم الحقيقي يصنع أجيالًا ممتدة بعده: فقد أخذ صفوان عن الصحابة، ثم حمل عنه قتادة، وثابت البناني، ومحمد بن واسع، وغيرهم، فبقي أثره ممتدًا في الأمة.

تتخلص هذه السيرة العطرة في بيان أن عظمة صفوان بن محرز لم تكن في أنه ترك الدنيا وعزل نفسه، بل في أنه عرف حجمها الحقيقي واستغنى بقلبه عنها، أخذ العلم عن الصحابة ونقله للتابعين، وبنى في الخفاء علاقة وثيقة بالله صنعت هيبته وأثره في العلن، فالعلم الذي لا يصحبه إخلاص قد يتحول إلى مجرد مرويات، والعبادة التي لا تثمر نفعاً قد تتحول إلى عزلة، أما صفوان فجمع الأمرين؛ خلوة تصلح القلب، وعلم وينفع الناس، ولهذا بقي ذكره عاطراً في كتب العلماء؛ لأن الرجال لا يخلدون بما يظهر منهم أمام الجمهور فقط، بل بما يبنونه في خلواتهم بين يد الله.

الهوامش
  • 1 صفوان بن محرز المازني البصري: من كبار التابعين البصريين وفقهائهم، اشتهر بشريد الزهد والعبادة والبكاء والخوف من الله، مع رواية الحديث والفقه والفضل، سكن البصرة وتوفي بها سنة 74هـ (وقيل: 78هـ).
  • 2 سير أعلام النبلاء (4/ 286).
  • 3 الطبقات الكبرى (3/ 83/ 38).
  • 4 صحيح البخاري (1/ 6/ 1).
  • 5 كذا أورده ابن سعد في كتاب الطبقات الكبرى (8/ 202/ 2804)، وقال: أورده ابن منظور في المختصر (24/ 249).
  • 6 المجالسة وجواهر العلم (8/ 318/ 2)، وقد ذكرها الذهبي في تاريخ الإسلام، ص 418-419.
  • 7 سنن سعيد بن منصور، بداية التفسير (2/ 455/ 152)، والحديث أخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف» (2/ 501).
  • 8 مسند سعد بن أبي وقاص، ص49 (18).
  • 9 الزهد لأحمد بن حنبل ص269 (1943).
  • 10 مسند الموطأ للجوهري، ص388 (441).
  • 11 الإبانة الكبرى (1/ 361/ 255).
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة