قراءة نفسية في لحظات الاختبار

كيف يصنع اليقين ثباتاً عند المحن؟ سعيد بن جبير أمام الحجاج

صورة تعبيرية تجسد ثبات سعيد بن جبير باليقين والدعاء وقت المحن أمام بطش الحجاج

أورد الذهبي، في «سير أعلام النبلاء»، عن الرَّبِيع بن أَبِي صَالِحٍ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى سَعِيْدِ بنِ جُبَيْرٍ حِيْنَ جِيْءَ بِهِ إِلَى الحَجَّاجِ، فَبَكَى رَجُلٌ، فَقَالَ سَعِيْدٌ: مَا يُبْكِيْكَ؟ قَالَ: لِمَا أَصَابَكَ، قَالَ: «فَلَا تَبْكِ، كَانَ فِي عِلْمِ اللهِ أَنْ يَكُوْنَ هَذَا، ثُمَّ تَلَا: (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ ‌فِي ‌الْأَرْضِ ‌وَلَا ‌فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) (الحديد: 22)»(1).

يمثل هذا الموقف القصير مشهدًا كثيف الدلالة من سيرة سعيد بن جبير رحمه الله؛ إذ لم تكن القضية مجرد مواجهة بين أسير وسلطة، بل كانت لحظة اختبار تتجلى فيها حقيقة العلم حين يتحول من محفوظات في الصدور إلى يقين يسكن القلب عند نزول البلاء، وسياق القصة مرتبط بأحداث أواخر القرن الأول الهجري، زمن الاضطرابات السياسية التي انتهت بمقتل سعيد على يد الحجاج بن يوسف الثقفي.

ثمرة العلم والإيمان عند نزول البلاء

لم يكن سعيد بن جبير عالمًا منعزلًا عن واقع الناس، بل كان من كبار التابعين، عُرف بالعلم والعبادة والتفسير، وأخذ عن عدد من الصحابة، ولذلك فإن قيمة هذا المشهد لا تكمن في مجرد صبر رجل على الأذى، بل في أنه يكشف ثمرة العلم الحقيقي: أن يتحول فهم الإنسان للكون والقدر إلى طمأنينة عملية عند وقوع ما يخشاه.

لقد رأى الرجل الذي بكى أمام سعيد صورة المصيبة الظاهرة: عالم جليل وقع في يد صاحب سلطان شديد البطش، أما سعيد فنقل النظر من ظاهر الحدث إلى أفق أوسع؛ فالمصيبة عند المؤمن ليست حادثًا منفلتًا من علم الله، بل واقعة تجري ضمن علم سابق وحكمة إلهية.

وهذا هو المعنى الذي قررته الآية الكريمة: (مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ {22} لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ) (الحديد)، يعنى أنكم إذا علمتم أنّ كل شيء مقدر مكتوب عند الله قلّ أساكم على الفائت وفرحكم على الآتي، لأنّ من علم أن ما عنده معقود لا محالة: لم يتفاقم جزعه عند فقده، لأنه وطن نفسه على ذلك، وكذلك من علم أنّ بعض الخير واصل إليه، وأن وصوله لا يفوته بحال: لم يعظم فرحه عند نيله(2).

فالمقصود من الإيمان بالقدر ليس إلغاء الألم الإنساني، وإنما تحرير القلب من الانهيار أمام ما لا يملك تغييره، وليس تحريره من الانهيار فقط، بل دفعه إلى الرضا والقبول به، والتقدم نحوه وعدم الهرب منه، فهذا عبدالله بن رواحة رضي الله عنه لما أخذ الراية في غزوة مؤتة، ثم تقدم بها، وهو على فرسه، فجعل يستنزل نفسه، ويتردد بعض التردد، ثم قال:

أَقْسَمْتُ يَا نَفْسُ لَتَنْزِلِنَّهْ        لَتَنْزِلِنَّ أَوْ لَتُكْرَهِنَّهْ

إنْ أَجْلَبَ النَّاسُ وَشَدُّوا الرّنّة   مَا لي أَرَاكِ تَكْرَهِينَ الْجَنَّة

قَدْ طَالَ مَا قَدْ كُنْتِ مُطْمَئِنَّة    هَلْ أَنْتِ إلَّا نُطْفَةٌ فِي شَنَّة

وَقَالَ أَيْضًا:

يَا نَفْسُ إلَّا ‌تُقْتَلِي ‌تَمُوتِي     هَذَا حِمَامُ الْمَوْتِ قَدْ صَلِيَتْ

وَمَا تَمَنَّيْتِ فَقَدْ أُعْطِيتُ      إنْ تَفْعَلِي فِعْلَهُمَا هُدِيتُ

يريد صاحبيه زيداً، وجعفراً، ثم نزل(3).

كيف تجرد سعيد بن جبير من سلطة الخوف والتهديد؟

الإنسان في لحظات التهديد يميل إلى قراءة الأحداث من زاوية الخسارة المباشرة: ماذا سأفقد؟ ماذا سيحدث لي؟ لكن سعيد بن جبير مارس نوعًا من إعادة ترتيب الأولويات؛ فلم ينكر الخطر، ولم يتظاهر بأن الأمر بسيط، لكنه وضع الخطر في حجمه الحقيقي أمام سلطان الله، وهذه سمة من سمات النفوس الراسخة: أنها لا تسمح للحدث الخارجي أن يحتل مركز المعنى في داخلها، فالسجن لا يصبح هزيمة، والموت لا يصبح نهاية المعنى، إذا بقي الإنسان ثابتًا على ما يؤمن به.

وقد أكد سعيد بن جبير هذا المعنى، فقد ثبت أن الحجاج لما أراد قتله، قال له سعيد كلامًا يدل على رسوخ قلبه، حيث قال له الحجاج: «اختر أي قتلة أقتلك»، فقال سعيد: «بل اختر لنفسك، فوالله ما تقتلني قتلة إلا قتلك الله مثلها في الآخرة»(4)، وهنا تتجلى الفكرة بدقة؛ سعيد لم ينكر الموت، ولكنه نزع منه سلطانَه النفسي؛ فالحجاج كان يرى أنه يملك مصير سعيد، بينما سعيد كان يرى أن الحجاج نفسه عبدٌ لله، وأن الموت ليس نهاية الحساب.

ومن هنا يظهر الفرق بين من يملك المعلومات ومن يملك البصيرة؛ فالعلم الذي لا يصنع ثباتًا عند الشدائد يبقى معرفة ذهنية، أما العلم الراسخ فهو الذي يعيد تشكيل موقف الإنسان من الحياة والموت والخسارة.

كيف يصنع التماسك النفسي اتزان الجماعة وقت الأزمات؟

كان سعيد في ذلك الموقف هو صاحب المصيبة، ومع ذلك انشغل بتهدئة من حوله، وهذه من أعمق صور القيادة الإنسانية؛ إذ إن القائد الحقيقي لا يضيف اضطرابًا إلى اضطراب الناس، بل يكون مصدر اتزان حين تضطرب النفوس.

لم يقل للرجل الباكي: لا تحزن لأن الأمر بسيط، ولم يحاول إلغاء مشاعره، بل نقل قلبه من الحزن المجرد إلى الإيمان بالقدر، وهذا أسلوب تربوي بالغ الأثر؛ لأن الإنسان لا يحتاج دائمًا إلى إنكار الألم، بل يحتاج إلى إطار صحيح لفهمه.

ومن الأمثلة المعبرة عن ذلك ما ثبت عَنْ ‌عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ ‌عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَاتَ وَأَبُو بَكْرٍ بِالسُّنْحِ، يَعْنِي بِالْعَالِيَةِ، فَقَامَ عُمَرُ يَقُولُ: وَاللهِ مَا مَاتَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَتْ: وَقَالَ عُمَرُ: وَاللهِ مَا كَانَ يَقَعُ فِي نَفْسِي إِلَّا ذَاكَ، وَلَيَبْعَثَنَّهُ اللهُ، ‌فَلَيَقْطَعَنَّ ‌أَيْدِيَ ‌رِجَالٍ وَأَرْجُلَهُمْ، فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ فَكَشَفَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَبَّلَهُ، قَالَ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، طِبْتَ حَيًّا وَمَيِّتًا، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُذِيقُكَ اللهُ الْمَوْتَتَيْنِ أَبَدًا، ثُمَّ خَرَجَ فَقَالَ: أَيُّهَا الْحَالِفُ عَلَى رِسْلِكَ، فَلَمَّا تَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ جَلَسَ عُمَرُ، فَحَمِدَ اللهَ أَبُو بَكْرٍ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَقَالَ: أَلَا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ مَاتَ، وَمَنْ كَانَ يَعبد الله فَإِنَّ اللهَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ(5).

فقد أكد هذا الموقف أن القيادة وقت الأزمات تبدأ من ضبط القائد لانفعاله؛ فأبو بكر رضي الله عنه لم يسمح لشدة المصيبة أن تعطل وعيه، بل ثبت هو ليعيد للمجتمع توازنه، فالقائد الحقيقي لا ينكر مشاعر الناس ولا يشاركهم الاضطراب، وإنما يحوّل لحظة الصدمة إلى لحظة وعي وإيمان واتخاذ للقرار.

وفي واقع الناس اليوم، تظهر هذه القاعدة في الأسرة والعمل والتعليم والدعوة؛ فالشخص الذي يحسن إدارة انفعاله في لحظات الأزمة يمنح الآخرين قدرة أكبر على التفكير واتخاذ القرار.

لماذا تعجز القوة العسكرية عن كسر اليقين؟

تكشف قصة سعيد بن جبير جانبًا مهمًا من العلاقة بين القوة المادية والقوة المعنوية، فقد كان الحجاج يملك أدوات السلطة والقهر، بينما كان سعيد يملك العلم واليقين والثبات، ولم يكن ثبات سعيد إنكارًا للواقع السياسي، بل كان إعلانًا أن الإنسان قد يُغلب في جسده، لكنه لا يُهزم في اختياره الداخلي.

ويدل على ذلك ما كان من الصحابي الجليل زيد بن الدثنة، الذي أسره المشركون وأرسله صفوان بن أمية مع مولى له يقال له نسطاس إلى التنعيم، وأخرجه من الحرم ليقتله، واجتمع إليه رهط من قريش، فيهم أبو سفيان بن حرب، فقال له أبو سفيان حين قدم ليُقتَل: أنشدك الله يا زيد، أتحب أن محمدا عندنا الآن مكانك نضرب عنقه، وأنك في أهلك! قال: والله ما أحب أن محمدا الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه وأنا جالس في أهلي قال: يقول أبو سفيان: ما رأيت في الناس أحداً يحب أحداً ‌كحب ‌أصحاب ‌محمد ‌محمداً، ثم قتله نسطاس(6).

وعن سعيد بن عامر قال: شهدت مصرع خبيب الأنصاري بمكة، وقد بضعت قريش لحمه ثم حملوه على جذعة، فقالوا: ‌أتحب ‌أن ‌محمدا ‌مكانك؟ فقال: والله ما أحب أني في أهلي وأن محمدا يشك بشوكة(7).

وهذا المعنى تكرر في سير عدد من العلماء، مثل الإمام أحمد بن حنبل في محنة خلق القرآن، حيث ظهر أثر العلم والصبر في مواجهة ضغط السلطة(8)، فالتاريخ لا يحفظ دائمًا أصحاب القوة المؤقتة، بل يحفظ المواقف التي تكشف معدن الإنسان.

كيف تبني التربية الإيمانية إنسانًا يقاوم الشدائد؟

ليست العبرة في قصة سعيد بن جبير أن يطلب الإنسان البلاء أو يتمنى الشدائد، وإنما أن يتعلم كيف يواجه ما ينزل به من أحداث دون أن يفقد إيمانه أو عقله أو قدرته على اتخاذ الموقف الصحيح.

  • في الأسرة: عندما تقع مشكلة، لا يكون المطلوب إلغاء الحزن، وإنما منع الحزن من التحول إلى فوضى؛ فالأب والأم يربيان أبناءهما على أن الأزمات تُواجه بالصبر والحوار والبحث عن الحلول.
  • في التعليم: لا يكفي أن نملأ عقول الطلاب بالمعلومات، بل ينبغي أن نربيهم على تحمل المسؤولية، والصبر على التعلم، والقدرة على النهوض بعد الفشل؛ لأن العلم الحقيقي يظهر أثره عندما تواجه النفس ما لا تحب.
  • في العمل: قد يخسر الإنسان مشروعًا، أو يفشل في مهمة، أو يتعرض لضغط شديد، لكن الفشل في موقف لا ينبغي أن يتحول إلى حكم نهائي على الإنسان كله، يتعلم من الخطأ، ويصحح مساره، ويواصل الطريق.
  • في الدعوة: الداعية لا يكتفي بأن يتحدث عن الصبر والثبات، بل ينبغي أن يرى الناس أثر ما يدعو إليه في سلوكه عند الاختلاف والضغط والابتلاء؛ فحال الداعية قد يكون أبلغ من مقاله.
  • في مواجهة الضغوط: الإنسان لا يملك دائمًا اختيار الحدث، لكنه يملك مساحة مهمة في اختيار استجابته له؛ فقد يقع الحدث نفسه على شخصين، فينهار أحدهما، بينما يحوله الآخر إلى درس وتجربة ونضج.

ومن هنا، فإن قصة سعيد بن جبير ليست قصة رجل واجه الموت فحسب، وإنما قصة إنسان حافظ على مركزه الداخلي حين حاولت الظروف أن تنتزعه منه؛ وهذه هي التربية التي نحتاج إليها اليوم: أن نربي إنسانًا لا تمنعه الشدائد من التفكير، ولا تمنعه الخسارة من الاستمرار، ولا يمنعه الخوف من فعل الصواب.

فالقيمة الكبرى التي يقدمها هذا الموقف هي أن الإنسان لا يختار كل ما ينزل به، لكنه يملك طريقة استجابته له.

أثر اليقين بالقدر في صناعة السكينة والانتصار

جمال هذا المشهد أن سعيدًا لم يحتج إلى خطاب طويل؛ فقد كانت جملة واحدة منه كافية لتكشف بناءً كاملًا من الإيمان: «كان في علم الله أن يكون هذا».

هذه العبارة تختصر رؤية كونية كاملة؛ فالإنسان المؤمن لا يرى الأحداث مقطوعة عن الحكمة، ولا يرى نفسه فريسة عمياء للظروف، بل يرى نفسه عبدًا لله يجري عليه ما قدره الله، مع بقاء مسؤوليته عن الصبر والثبات وحسن العمل.

ولهذا بقيت كلمات سعيد بن جبير حاضرة في كتب السير؛ لأنها لم تكن مجرد رد على رجل باكٍ، بل كانت درسًا للأجيال في معنى أن يتحول العلم إلى حياة.

ويكشف موقف سعيد بن جبير أن أعظم ما يملكه الإنسان في مواجهة المحن ليس كثرة الأدوات ولا قوة المكانة، وإنما رسوخ المعنى الذي يحمله في قلبه، فقد واجه لحظة كان ظاهرها الهزيمة، لكنها كشفت انتصارًا داخليًا عظيمًا: انتصار اليقين على الخوف، والعلم على الاضطراب، والإيمان على قسوة الواقع.

إن سيرة العلماء لا تُقرأ فقط لمعرفة أخبارهم، بل لاستخراج القيم التي صنعتهم؛ وسعيد بن جبير يعلّم أن العلم الذي لا يثمر سكينة عند الشدة لم يبلغ غايته بعد.

الهوامش
  • 1 سير أعلام النبلاء (4/ 337).
  • 2 الكشاف: الزمخشري (4/ 479).
  • 3 سيرة ابن هشام (2/ 379).
  • 4 حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (4/ 294).
  • 5 صحيح البخاري (3667).
  • 6 تاريخ الطبري (2/ 542).
  • 7 تاريخ دمشق: ابن عساكر (21/ 162).
  • 8 طبقات الحنابلة: ابن أبي يعلى (1/ 164).
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة