هل تُثبت الرؤيا الخيانة؟ حكاية محمد بن سيرين وحدود الاتهام
روى الذهبي، في «سير
أعلام النبلاء»، في ترجمة محمد بن سيرين(1)، أن رجلًا دخل عليه فقال:
رأيت كأني وجارية سوداء نأكل في قصعة سمكة، فطلب منه ابن سيرين أن يهيئ له طعامًا
ويدعوه، فلما وضع الطعام إذا جارية سوداء، فسأله: «هل أصبت هذه؟» قال: لا، فقال
له: «فادخل بها المخدع»، فدخل الرجل، ثم صاح: يا أبا بكر، رجل والله! فقال ابن
سيرين: «هذا الذي شاركك في أهلك»(2).
تجذب هذه
الحكاية القارئ بمفارقتها الحادة: رؤيا يسيرة التفاصيل تنتهي إلى انكشاف أمر مستور،
غير أن الوقوف عند دهشة النهاية قد يحجب أسئلة أسبق وأهم: هل ثبتت الواقعة؟ وما
الذي يدل عليه النص فعلًا؟ وأين تنتهي الفراسة ويبدأ الحكم على الناس؟
هل تثبت الرؤيا المنامية دعاوى الخيانة الزوجية؟
من الخطأ أن
ننطلق من التسليم بإمكان الرؤيا الصادقة إلى التسليم بصحة كل منام وكل تأويل، ففي
صحيح مسلم، من رواية ابن سيرين نفسه عن أبي هريرة، بيان أن الرؤيا ثلاثة أنواع:
بشرى من الله، وتحزين من الشيطان، وما يحدث المرء به نفسه(3)؛ فلا يصح
اختزالها كلها في كشف الواقع المستور، ولا في تفسير نفسي واحد كذلك.
ولهذا قرر أهل
العلم أن رؤى غير الأنبياء لا تستقل بإثبات الأحكام والحقوق، فلا يكون المنام
بيّنة على خيانة زوج، أو اعتداء شريك، أو فساد موظف، ولا يصير اتهام الناس مشروعًا
لمجرد أن معبّرًا واثقًا أطلقه، وقد نصت الفتوى المتعلقة بهذا الباب على أن الرؤيا
ليست قطعية في ورودها ولا في دلالتها، فلا تُجعل أساسًا للحكم على العلاقات
الزوجية.
وفي واقع
الأسرة، تظهر ثمرة هذا التفريق حين يروي أحد الزوجين منامًا أقلقه؛ المطلوب ألا
يتحول القلق إلى ملف اتهام، وألا يُستدعى المنام لتفسير كل تصرف بريء تفسيرًا
عدائيًا، أما وجود شكوى واقعية أو واقعة مستقلة، فله طريقه في الفهم والمعالجة؛
ولا يحتاج إلى أن يستعير من المنام قوة ليست له.
ومن وجوه
الانتفاع بالرؤيا أن تكون مذكِّرةً للإنسان بالآخرة، ودافعةً له إلى محاسبة نفسه،
دون أن يتخذها أساسًا للحكم على غيره، وهذا ما يظهر في الخبر المروي عن مطر الوراق
عن هرم بن حيان العبدي وصاحبه حممة رضي الله عنه، إذ سأله هرم عن بكائه، فقال:
«ذكرت ليلة صبيحتها تبعثر القبور، فتخرج من فيها، وتناثر نجوم السماء، فأبكاني ذلك»(4)،
فكان أثر ما تذكّره الاستعداد للقاء الله، لا إقامة الخصومات والدعاوى على الناس.
منهج محمد بن سيرين.. بين منطوق الرواية وتأويلاتنا
لا تشرح الحكاية
كيف وصل محمد بن سيرين إلى تأويله، ولا تنقل عنه قاعدة تجعل السمكة رمزًا ثابتًا
للمرأة أو للعلاقة الجنسية، ولذلك فإن بناء منظومة رمزية كاملة على هذا التفصيل
يتجاوز ما يصرح به النص، ويمكن اقتراح قراءة أدبية لمعنى المشاركة في الطعام، لكن
يبقى ذلك اقتراحًا من القارئ، لا تفسيرًا موثقًا عن محمد بن سيرين.
وبالمثل، لا
تتيح الرواية الجزم بأن المنام كان «شفرة لا واعية» كشفت معرفة مكبوتة عند صاحبه،
أو أن محمد بن سيرين تعمد برنامجًا نفسيًا متدرجًا لتخفيف الصدمة، فهذه تفسيرات
محتملة للدوافع، وليست معلومات نقلها الراوي، والتحليل النفسي المنضبط يستطيع أن
يطرح الأسئلة، لكنه لا يملك أن يملأ كل فراغ في الخبر بيقين مصطنع.
ومع ذلك، يلفت
ترتيب الأحداث النظر إلى الفرق بين الاستجابة المتعجلة والاستجابة المتأنية:
فالسرد ينتقل من السؤال إلى الزيارة قبل الوصول إلى عبارته الأخيرة، ويمكن اتخاذ
هذا التدرج مناسبة للتأمل في قيمة التمهل، من غير الجزم بأن جميع التفاصيل وقعت،
أو بأننا عرفنا مقاصد أصحابها.
لماذا لا تكفي الشبهة لإدانة الأعراض قضائياً؟
أشد مواضع
الحكاية حاجة إلى الاحتراز خاتمتها: «هذا الذي شاركك في أهلك»، فحتى لو افترضنا
صحة ما سبقها، فإن انكشاف كون الشخص رجلًا لا يثبت بمجرده وقوع علاقة محرمة، ولا
يثبت مشاركة أحد من أهل البيت فيها، تلك دعوى إضافية، تحتاج إلى دليل مستقل؛ وليس
كل ما يفسر جانبًا من الواقعة كافيًا لإثبات جميع ما يُنسب إلى أطرافها.
وهذا التفريق
تؤيده قاعدة نبوية محكمة، قال صلى الله عليه وسلم: «لو يعطى الناس بدعواهم، لادعى ناس دماء رجال
وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه»(5) فمجرد قوة الدعوى في نفس
قائلها لا تمنحها قوة الإثبات، وإلا أصبحت حقوق الناس رهينة ثقة الآخرين بظنونهم.
وقد شددت سورة «النور»
في شأن رمي المحصنات، بما يبين أن الأعراض ليست مجالًا للتساهل في الاتهام؛ (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ
ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً
وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (النور: 4)، وعلى هذا، لا يصح وصف نهاية الحكاية بأنها «يقين
تشريعي»؛ فالخبر لا يعرض بينة قضائية، ولا إقرارًا بالفعل المنسوب، ولا تفاصيل
خصومة مستوفاة.
وتظهر أهمية هذا
المنطق في الإدارة والتعليم أيضًا، فوجود خطأ في سجل لا يثبت تعمد التزوير، ووقوع
طالب قريبًا من حادثة لا يثبت مشاركته فيها، المطلوب تحديد ما ثبت بالفعل، وما بقي
احتمالًا، ثم جعل الإجراء متناسبًا مع المعلوم، لا مع أسوأ تفسير ممكن.
وليس معنى ذلك
تعطيل الشكاوى أو ترك المتضرر بلا حماية، وإنما منع القفز من واقعة محددة إلى
إدانة أوسع منها، فالاستماع الجاد إلى الشكوى، واتخاذ ما يلزم لحماية أصحابها،
يختلفان عن إعلان ثبوت تهمة قبل تحقيقها.
متى يتحول كتمان الخطأ إلى حماية للظالم
يضع القرآن حدًا
جامعًا للمعرفة والتصرف بقوله تعالى: (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) (الإسراء: 36)، كما
ينهى عن التجسس: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا
تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ
لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ) (الحجرات: 12)، ومن الجمع بين الأصلين يظهر أن التثبت لا يعني إباحة
كل وسيلة لكشف المستور؛ فقد تكون الدعوى غير ثابتة، وقد تكون وسيلة البحث نفسها
اعتداءً.
لذلك، لا يمكن
الاستناد إلى هذا الخبر غير الثابت لتسويغ إكراه شخص على كشف جسده، أو إخضاعه
لاختبار مهين، أو تفتيش خصوصياته بسبب منام، كما لا يصح تحويل ما ورد عن الدخول
إلى المخدع إلى نموذج إجرائي يُستنسخ في البيوت والمؤسسات، فالحكاية التاريخية،
فضلًا عن ضعف طريقها، ليست تشريعًا مستقلًا.
وفي المقابل،
يبقى الستر خُلُقًا عظيمًا؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ومن ستر مسلمًا، ستره
الله في الدنيا والآخرة»(6)، لكن الستر لا يُفهم بمعزل عن رفع الظلم
وحماية من يقع عليه الأذى.
وقد فرّق النووي
في «شرح صحيح مسلم» بين ستر زلة وقعت وانقضت، وبين التعامل مع المعروف بالأذى
والفساد أو المنكر المستمر؛ وبيّن أن الستر الذي يطمع صاحبه في مواصلة الإيذاء ليس
هو الستر المحمود، وأن الأمر قد يحتاج إلى رفعه إلى ولي الأمر، مع مراعاة المفسدة
وبناءً على هذا
التفريق، فإن تقليل تداول المعلومات الحساسة لا يعني إسكات المتضرر، ولا منع وصول
الشكوى إلى المختصين، بل يمكن حماية الخصوصية مع تمكين التحقيق، وحفظ السمعة مع
إيقاف الأذى، وترك التشهير مع عدم ترك الحقوق.
فليس كل ما
أُغلق عليه باب قد عولج بالحكمة؛ فقد تُغلق الأبواب على ظلم يتكرر، والميزان ليس
مقدار ما بقي سرًا، وإنما مقدار ما حُفظ من الحقوق، وما مُنع من الاعتداء، وما جرى
من معالجة عادلة.
لماذا تسقط الأحكام المسبقة مصداقية التحقيق المؤسسي؟
يرد وصف السواد
في الحكاية ضمن تعريف الشخص في المشهد، ولا يجيز ذلك تحميل اللون دلالة أخلاقية، كما
أن ورود الرق في سياقها لا يسمح باستنتاج أن فئة اجتماعية بعينها أقرب إلى الخداع،
أو أن ضعف المكانة يخفف حرمة العرض والكرامة، وقد قرر القرآن ميزان التفاضل بقوله:
(إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ
اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) (الحجرات: 13).
ويبرز ميزان
الكرامة الإنسانية في موقف أبي بكر الصديق رضي الله عنه حين اشترى بلال بن رباح رضي الله عنه، وكان عبدًا حبشيًّا مستضعفًا يُعذَّب في سبيل الله، فاشتراه وهو
مدفون بالحجارة بخمس أواقٍ من ذهب، فقالوا له: لو أبيت إلا أوقية لبعناكه، فقال:
«لو أبيتم إلا مائة أوقية لأخذته»(7)، فلم يكن لون بلال ولا وضعه
الاجتماعي حاجبًا عن رؤية قدره وإيمانه؛ فالإنسان يُوزن بتقواه، لا بلونه أو
مكانته.
ولا تنهض
الحكاية وحدها لإثبات خلل عام في أسواق البصرة، أو شيوع شراء الرقيق بلا تدقيق، أو
انتشار نمط محدد من التنكر؛ فهي لا تقدم معلومات كافية عن مصدر الشخص، ولا ملابسات
دخوله البيت، ولا مدى تكرر الواقعة، والانتقال من خبر فردي غير ثابت إلى وصف مجتمع
كامل يضاعف المشكلة بدل أن يفسرها.
وفي واقع
المؤسسات، يمكن ترجمة هذا الاحتراز إلى مبدأ عملي: لا تجعل اللهجة أو الجنسية أو
المظهر أو المرتبة الوظيفية بديلًا عن فحص الوقائع، فلا يُمنح صاحب المنصب حصانة
من السؤال، ولا يُحرم العامل الضعيف حقه في تفسير ما نُسب إليه.
سقوط الاحتجاج بالقصص المؤثرة دون إسناد صحيح
من جهة البناء
الأدبي، تقوم الحكاية على انتقالات سريعة: صورة منامية، ثم مائدة، ثم انتقال إلى
موضع مستور، فضيحة مفاجئة، وأخيرًا عبارة قصيرة تغلق المشهد، وهذه البنية تمنح
النهاية أثرًا قويًا؛ إذ يشعر القارئ أن الأجزاء المتباعدة قد انتظمت فجأة في
تفسير واحد.
لكن اكتمال
الحكاية في الذهن ليس هو اكتمال البرهان، فقد يكون النص محكم السبك، شديد التأثير،
مع بقاء السؤال عن ثبوته وعن دلالة تفاصيله، وكذلك اقتصار السرد على أطراف قليلة
لا يثبت أن أحدًا سواهم لم يحضر، ولا يتيح حساب دائرة الاطلاع حسابًا دقيقًا؛
فاختصار الراوي ليس إحصاءً للواقع.
وقد أنشد
الماوردي(8) لابن الرومي قوله: «ألمعيٌّ يرى بأول رأيٍ / آخرَ الأمر من
وراء المغيب»، وهو شاهد أدبي على تصوير سرعة الفهم، لا تقرير لعصمة الحدس، ولا نص
في مدح محمد بن سيرين على وجه الخصوص.
ومن هنا تتأكد
مسؤولية الكاتب والخطيب؛ أن ينتفع بجمال الشاهد من غير أن يحمّله ما لا يحتمل، وأن
يميز بين البلاغة والتوثيق، فليس كل ما يصلح خاتمة مؤثرة يصلح دليلًا، ولا كل قصة
تُبكي أو تُدهش جديرة بأن تُنسب جزمًا إلى أصحابها.
ميزان محمد بن سيرين.. بين الفراسة وصيانة الأعراض
لا تحتاج مكانة
محمد بن سيرين إلى إثبات كل عجيبة رويت عنه، وإنما تحتاج قراءتنا له إلى الاقتراب
من ميزانه في العلم والتثبت، وأجمل ما يمكن أن تثيره هذه الحكاية، بعد بيان ضعف
طريقها، ليس شغفًا بتعقب أسرار البيوت، بل سؤالًا عن المسؤولية حين نظن أننا فهمنا
ما خفي على غيرنا.
فبين الملاحظة والتهمة مسافة يجب ألا تُختصر، وبين الستر وكتمان الأذى فرق يجب ألا يضيع، وبين احترام العالم وتصحيح كل ما نُسب إليه حدّ يحفظ العلم والإنصاف معًا، وتطبيق هذه الفروق في الأسرة والمدرسة والعمل أدعى إلى الانتفاع بالسير من تحويلها إلى مستودع للمفاجآت.
الهوامش
- 1 محمد بن سيرين الإمام شيخ الإسلام، أبو بكر الأنصاري الأنسي البصري مولى أنس بن مالك، خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
- 2 سير أعلام النبلاء، ج4، ص618.
- 3 صحيح مسلم، كتاب الرؤيا (2263).
- 4 حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، ج2، ص18.
- 5 رواه مسلم (1711).
- 6 رواه مسلم (2699).
- 7 حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، ج1، ص84.
- 8 أدب الدنيا والدين.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً