البيان في خدمة الفكرة المنحرفة
عمران بن حطان.. كيف يحول الانحراف الجريمة إلى فضيلة؟
يذكر الإمام
الذهبي، في «سير أعلام النبلاء»، خبراً عن عمران بن حطان(1)؛ أن من
شعره في مقتل عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه:
يا ضربة من تقي
ما أراد بها إلا
ليبلغ من ذي العرش رضوانا
إني لأذكره حينا
فأحسبه أوفى
البرية عند الله ميزانا
أكرم بقوم بطون
الطير قبرهم لم
يخلطوا دينهم بغياً وعدوانا
فبلغ شعره عبدالملك
بن مروان، فأدركته حمية لقرابته من عليّ رضي الله عنه فنذر دمه ووضع عليه العيون، فلم
تحمله أرض، فاستجار بروح بن زنباع، فأقام في ضيافته، فقال: ممن أنت؟ قال: من الأزد،
فبقي عنده سنة فأعجبه إعجاباً شديداً، فسمر روح ليلة عند أمير المؤمنين، فتذاكرا
شعر عمران هذا، فلما انصرف روح، تحدث مع عمران بما جرى، فأنشده بقية القصيد، فلما
عاد إلى عبدالملك قال: إن في ضيافتي رجلاً ما سمعت منه حديثاً قط إلا وحدثني به
وبأحسن منه، ولقد أنشدني تلك القصيدة كلها.
قال: صفه لي، فوصفه
له، قال: إنك لتصف عمران بن حطان، اعرض عليه أن يلقاني، قال: فهرب إلى الجزيرة، ثم
لحق بعمان فأكرموه(2).
تأتي هذه
الواقعة بوصفها واحدة من أكثر المشاهد دلالة على أثر الانحراف الفكري حين يمتزج
بقوة البيان؛ فالرجل الذي كان من رواة الحديث وأهل العلم في بدايات حياته لم يقف
انحرافه عند تبني رأي سياسي أو موقف جدلي، بل وصل إلى مرحلة جعلته يمدح قاتل أمير
المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ويصور فعلته الشنيعة في صورة عمل يتقرب به
صاحبه إلى الله.
وهنا تظهر خطورة
الفكر الخارجي في التاريخ الإسلامي؛ فلم تكن المأساة مجرد اختلاف في قضية الحكم أو
السياسة، وإنما تحولت عند طوائف منهم إلى اضطراب في ميزان التقدير، حتى صار بعضهم
يرى في قتل خيار المسلمين طاعة، وفي الاعتداء على أعلام الأمة عبادة.
لماذا كشفت مناقبُ عليٍّ بن أبي طالب حجمَ الجريمة؟
قبل النظر في
موقف عمران بن حطان، لا بد من استحضار مكانة الرجل الذي تعلق به هذا الحدث؛ فعلي
بن أبي طالب رضي الله عنه ليس شخصية عادية في تاريخ الإسلام، بل هو من السابقين
الأولين، وابن عم النبي صلى الله عليه وسلم، وزوج فاطمة رضي الله عنها بنت رسول
الله صلى الله عليه وسلم، وأبو سبطيه الحسن، والحسين، رضي الله عنهما.
وقد ثبتت له
الفضائل والمناقب العظيمة في الشريعة، ومن أظهرها ما روى أبو هريرة رضي الله عنه
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان على حراء هو وأبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي،
وطلحة، والزبير، فتحركت الصخرة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اهْدَأْ،
فَمَا عَلَيْكَ إِلَّا نَبِيٌّ أَوْ صِدِّيقٌ أَوْ شَهِيدٌ»(3).
وفي الميادين
العظام تجلت منزلته وقربه الإلهي؛ حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم يوم خيبر:
«لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلًا يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ،
وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ»، فَأَعْطَاهَا عَلِيًّا(4) رضي الله
عنه.
ولهذا، فإن
تحويل قتل عليّ رضي الله عنه إلى عمل من أعمال التقوى تكشف حجم الانحراف في
التصور؛ لأن القضية لم تعد مجرد خطأ في الاجتهاد، بل أصبحت انقلابًا على معايير
الإسلام في معرفة الفضل والعدل والحرمة.
كيف يحول الفكر المنحرف الجريمة لفضيلة؟
أخطر ما في
أبيات عمران وصفه لابن ملجم بأنه تقي يبتغي رضوان الله، فهنا تظهر المأساة الفكرية
الكبرى: أن الفكرة المنحرفة لم تكتفِ بتبرير الخطأ، بل أعادت تعريف الجريمة نفسها
حتى ظهرت في صورة فضيلة.
وهذه هي إحدى
سمات الغلو؛ أن الإنسان لا يرى نفسه مخالفًا للحق، بل قد يظن أنه أكثر الناس
تمسكًا به، ولذلك قال الله تعالى: (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً
{103} الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ
أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً) (الكهف103-104).
وقد نبه الصحابة
رضي الله عنهم على خطورة تزيين الأفعال المبتدعة باسم الدين؛ كما جاء في قول عبد
الله بن مسعود رضي الله عنه لأصحاب الحلقات: «لأَنْتُمْ أَهْدَى مِنْ أَصْحَابِ
النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم إِنَّكمْ لَمُتمسِّكُونَ بطَرَفِ ضَلَالَةٍ،
يَعْنِى الْقَصَص»(5).
فالمشكلة ليست
دائمًا في غياب الإيمان أو ضعف التدين، بل قد تكون في تدين انفصل عن ميزان العلم
والرحمة والعدل، حتى يزين لصاحبه سفك دماء أهل الفضل.
كيف تحول شعار الخوارج لاستحلال الدماء المعصومة؟
تكشف قصة عمران
عن مرحلة من مراحل تطور الفكر الخارجي؛ فقد بدأت جذور الخوارج في سياق سياسي مرتبط
بواقعة التحكيم، ثم تطورت عند جماعات منهم إلى مواقف شديدة الخطورة، منها تكفير
المسلمين واستحلال دمائهم.
وقد جاء البيان
النبوي الصارم في كشف حقيقة مسلكهم، فقال صلى الله عليه وسلم: «يَمْرُقُونَ مِنَ
الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ»(6).
وبين النبي صلى
الله عليه وسلم الميزان المقلوب في أعمالهم وشعاراتهم، فقال صلى الله عليه وسلم: «يقرؤون
القُرْآن لَا يُجاوِزُ حَناجِرَهُمْ يَقتلون أهْلَ الإسْلامِ ويدعون أهل الأوثان»(7).
وهذا الوصف
النبوي يبين جوهر الخلل: أنهم قد يملكون حماسًا شديدًا للعبادة والاعتقاد، لكنهم
يخطئون في تنزيل المفاهيم، فيصبح أشد الناس قربًا من الله عندهم من سفك الدماء
التي حرم الله، ومن هنا نفهم خطورة شعر عمران بن حطان ؛ فهو لم يكن مجرد مدح لشخص، بل كان
تعبيرًا أدبيًا عن ميزان مقلوب جعل القاتل صاحب فضل والمقتول موضع طعن.
كيف تصبح قوة البيان أداة تضليل؟
كان عمران بن
حطان شاعرًا قوي البيان، وقد شهد له أهل الأدب بالفصاحة والقدرة على النظم، وهذه
الموهبة في ذاتها ليست مذمومة، فالبلاغة من نعم الله على الإنسان، لكن المشكلة أن
الأدوات القوية تحتاج إلى قلب يهتدي بها؛ فالقلم قد يبني وقد يهدم، والخطاب قد
يدعو إلى الحق وقد يزين الباطل.
وقد بين النبي صلى
الله عليه وسلم أثر البيان وقوته المزدوجة في النفوس، فقال صلى الله عليه وسلم:
«إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا، وَإِنَّ مِنَ الشِّعْرِ لَحُكْمًا»(8).
ولهذا كانت
خطورة عمران بن حطان مضاعفة؛ لأنه لم يكن صاحب فكرة ضعيفة العرض، بل صاحب قدرة على صياغة
المعاني بصورة مؤثرة، فصار جمال الأسلوب خادمًا لمعنى شديد القبح.
وقد ضرب التراث
النبوي أروع الأمثلة في تسخير البلاغة لنصرة الحق لا الباطل؛ كما قال النبي صلى
الله عليه وسلم لشاعره حسان بن ثابت رضي الله عنه: «اهْجُهُمْ أَوْ هَاجِهِمْ
وَجِبْرِيلُ مَعَكَ»(9).
كما تجلت مواجهة
هذا البيان المنحرف بنور الحق والبلاغة الصادقة فيما رُدَّ به على أبيات عمران
لكشف وتعريّة وتزيين الإجرام؛ حيث ناقضه أبو المعالي في رده:
يا ضربةً من
شقيٍّ ما أراد بها إلا ليصليه ربُّ العرشِ نيرانا
فهو اللعينُ بلا
شكٍّ يـردّدهُ ويلعنُ اللهُ عـمرانَ بنَ حطّانا(10)
وهذا يوضح أن
معيار الحق ليس قوة البيان، وإنما موافقة البيان للحق؛ فقد يكون الباطل مزينًا،
وقد تكون الكلمات جميلة، لكن جمال العبارة لا يغير حقيقة المعنى، وتبقى البلاغة
الصادقة هي الكاشفة لزيف التبرير الغالي.
لماذا يرى أهل الغلو الفسادَ إصلاحاً؟
تكشف قصة ابن
ملجم في شعر عمران عن ظاهرة نفسية خطيرة: قدرة الفكر المنحرف على إعادة تفسير
الواقع، فالإنسان حين يعيش داخل منظومة فكرية مغلقة قد يرى الأحداث من خلال
مفاهيمها الخاصة؛ فيصبح قتل الأبرياء عنده جهادًا، والخروج على الجماعة نصرة
للدين، والعدوان على أهل الفضل إزالة للمنكر.
وهذا النوع من
التفكير هو الذي يجعل أصحاب الغلو أشد خطرًا؛ لأنهم لا يفعلون ما يفعلون وهم
يشعرون أنهم أهل فساد، بل قد يفعلونه وهم يظنون أنهم أهل إصلاح.
وقد حذر النبي صلى
الله عليه وسلم من انفصال النص عن الفهم الراشد وميزان الاتباع، فقال صلى الله
عليه وسلم في وصف الخوارج: «يَقْرَؤونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ»(11).
وتجلى هذا العمى
العقائدي في قصة ابن ملجم نفسه حين ضرب عليًا رضي الله عنه وهو يتلو قوله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي
نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ) (البقرة: 207)؛ فنزل بالآية
الكريمة على أشنع جرم، مبرهناً كيف يحول التفسير المنحرف أعظم المآثم إلى قربة
يتقرب بها الجاني.
لماذا كان شعر عمران بن حطان أشد خطراً من السلاح؟
تكشف الرواية
كذلك عن جانب آخر؛ فقد أثير غضب عبد الملك بن مروان لما في شعر عمران من مدح قاتل
عليّ رضي الله عنه، فأصبح عمران مطاردًا يبحث عن النجاة في البلاد.
لكن الجانب
الأهم في هذه الواقعة ليس الصراع السياسي وحده، بل إن الكلمة قد تصبح في بعض
اللحظات أخطر من السلاح؛ فقصيدة واحدة جعلت صاحبها مطلوبًا، لأنها حملت فكرة تمس
أصلًا من أصول حرمة الصحابة ومكانتهم، وتسوغ إراقة الدماء المعصومة.
وقد ثبت في
السيرة النبوية حزم النبي صلى الله عليه وسلم الشديد في ملاحقة الأفكار والخطابات
التي تستحل الدماء وتزرع الفتنة وتطعن في خيار الأمة؛ حيث قال صلى الله عليه وسلم:
«مَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي»(12).
وهذا يذكر بأن
الكلمات ليست مجرد تعبيرات عابرة، بل قد تصنع وعيًا وتؤثر في المجتمعات، ولذلك كان
الأخذ على أيدي أصحاب هذا الطرح حمايةً لأصل الملة وثبات الجماعة.
ضرورة اقتران العلم والبيان بصحة المنهج
لا تكشف سيرة
عمران عن ضعف في القدرة أو نقص في الذكاء، بل تكشف عن خطر أعظم: أن يمتلك الإنسان
العلم والبيان، ثم يضعهما في خدمة تصور منحرف، فقد بقي لعمران جانب من العلم
والرواية والأدب، لكن قصيدته في ابن ملجم أصبحت علامة على واحدة من أبشع صور
الانحراف؛ أن يتحول الاعتداء على أحد كبار أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى عمل
يمدح صاحبه ويُرفع به.
ولهذا كان
التوجيه النبوي حاسمًا في ربط العمل بالاستقامة على السنة، فقال صلى الله عليه
وسلم: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ»(13).
وقد صاغ الإمام
سفيان الثوري رحمه الله الغاية الحقيقية من المعرفة واللسان، فقال: «إِنَّمَا
يُتَعَلَّمُ الْعِلْمُ لِيُتَّقَى اللَّهُ بِهِ وَإِنَّمَا فُضِّلَ الْعِلْمُ
عَلَى غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ يُتَّقَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهِ»(14).
وهنا تظهر
الحاجة الدائمة إلى اجتماع أمرين: قوة العلم وصحة المنهج؛ فالعلم إذا انفصل عن
الهداية قد يصبح وسيلة لتثبيت الخطأ، والبيان إذا انفصل عن الحق قد يتحول إلى زينة
للباطل.
لماذا لا تمنح الفصاحةُ حصانةً للفكرة المنحرفة؟
تتجلى في سيرة عمران بن حطان الزاوية الفكرية والتربوية التي أردنا التركيز عليها؛ خطورة تزيين الباطل بلسان الفصاحة والشاعرية، وكيف يمكن للغلو العقائدي أن يقلب موازين الحق والباطل حتى يرى المرء أشنع الجرائم قربةً يبتغى بها رضوان الله، إن هذه الواقعة تقدم درساً خالداً للأجيال في ضرورة اقتران قوة العلم والبيان بصحة المنهج والاتباع النبوي المعصوم، وأن الفصاحة مهما بلغت لا تعطي حصانة للفكرة المنحرفة ولا ترفع عن صاحبها تبعة الانحراف عن الحق.
الهوامش
- 1 عمران بن حطان بن ظبيان السدوسي الشيباني: تابعي، كان في أول أمره من أهل الحديث والسُّنة ثم صار من أئمة الخوارج القعدية وشعرائهم، واشتهر بالفصاحة والشعر والجهاد ورواية الحديث عن جمع من الصحابة كعائشة، وابن عباس، سكن البصرة وتنقل في البلاد فاراً من الحجاج حتى توفي سنة 84هـ.
- 2 سير أعلام النبلاء (4/ 214).
- 3 مسند أحمد (15/ 252/ 9430).
- 4 المعجم الكبير للطبراني (18/ 238/ 1022).
- 5 جمع الجوامع المعروف بـ«الجامع الكبير» (21/ 511) (430/ 326).
- 6 جامع المسانيد والسنن (9/ 156/ 1573).
- 7 الجامع الصغير وزيادته، ص 3990.
- 8 المستدرك على الصحيحين (7/ 371/ 6715)، وأخرجه الطبراني في «الأوسط» (7617) من طريق الحسن بن كثير اليمامي، عن سعيد بن سليمان، بهذا الإسناد.
- 9 مسند أحمد (30/ 623/ 8689)، وقال أحمد: إسناده صحيح على شرط الشيخين.
- 10 قلائد الجمان في فرائد شعراء هذا الزمان (2/ 133).
- 11 مسند أحمد (9/ 397/ 5561).
- 12 رواه البخاري، ومسلم، وغيرهما؛ من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، انظر: جامع الأصول (1/ 294).
- 13 مسند الشهاب (1/ 231/ 356).
- 14 جامع بيان العلم وفضله (1/ 665/ 1159).
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً