فقه الثبات عند البلاء..
كيف يواجه المؤمن المصيبة بالحمد؟ موقف شريح القاضي
أورد الذهبي
عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ شُرَيْحٌ: «إِنِّي لأُصَابُ بِالمُصِيْبَةِ فَأَحْمَدُ
اللهَ عَلَيْهَا أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، أَحْمَدُ إِذْ لَمْ يَكُنْ أَعْظَمَ مِنْهَا،
وَأَحْمَدُ إِذْ رَزَقَنِي الصَّبْرَ عَلَيْهَا، وَأَحْمُدُ إِذْ وَفَّقَنِي
لِلاسْتِرْجَاعِ لِمَا أَرْجُو مِنَ الثَّوَابِ، وَأَحْمَدُ إِذْ لَمْ يَجْعَلْهَا
فِي دِيْنِي»(1).
لم يكن هذا
الكلام مجرد عبارة تقال عند نزول البلاء، بل هو صورة مكثفة لعقلية إيمانية ناضجة
تشكلت في بيئة عرفت كثرة الاختبارات والتقلبات، فشُريح بن الحارث الكندي، أحد أشهر
قضاة الإسلام، عاش في الكوفة التي كانت مركزاً سياسياً وعلمياً وقضائياً شديد
التعقيد، وتولى القضاء فيها عقوداً طويلة، فاجتمع في شخصيته فقه الأحكام مع خبرة
النفوس، ودقة القاضي مع سكينة العابد.
ومن هنا، فإن
موقف شريح القاضي لا يُقرأ باعتباره موقفاً فردياً أمام مصيبة عابرة، بل باعتباره نموذجاً
لطريقة تفكير كاملة في التعامل مع الأزمات؛ طريقة تنقل الإنسان من أسر الحدث إلى
فهم معناه، ومن الانشغال بالخسارة الظاهرة إلى رؤية المنح الكامنة خلفها.
كيف أعاد شُريح القاضي تعريف المصيبة قبل أن يتعامل معها؟
الإنسان حين تقع
به المصيبة غالباً ينظر إليها من زاوية واحدة؛ ما الذي فقدته؟ وما الذي تألمت منه؟
وما الذي تغير في حياتي؟ أما شريح القاضي فقد بدأ من زاوية مختلفة؛ لم ينكر ألم المصيبة،
ولم يدّع أن البلاء أمر مرغوب لذاته، لكنه أعاد ترتيب النظر إليه.
فهو لم يقل: إن المصيبة ليست مصيبة، وإنما قال: فيها وجوه أخرى تستحق الحمد، وهذه نقطة دقيقة في
فقه التعامل مع الابتلاء؛ فالإيمان لا يلغي الإحساس بالألم، لكنه يمنع الألم من
احتلال كامل مساحة الوعي.
ولهذا جاء
القرآن بتوجيه عميق عند نزول المكاره: (وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ) (البقرة: 216)،
فالإنسان محدود النظر، يرى لحظة الحدث ولا يرى ما وراءها من حكم ومصالح قد تظهر
بعد حين.
لقد مارس شريح
نوعاً من إعادة ترتيب الإدراك؛ فلم يجعل السؤال: لماذا حدثت المصيبة؟ هو السؤال
الوحيد، بل أضاف إليه أسئلة أخرى: كم كان يمكن أن تكون أعظم؟ وكيف وفقني الله
للصبر؟ وما الأجر الذي أرجوه؟ وهل بقي أعظم ما أملك وهو ديني؟ وهنا يظهر الفرق بين
العقل الذي تستنزفه الأزمة، والعقل الذي يدير الأزمة.
ومن العقول
الرائعة التي نظرت إلى الأزمة بوصفها السبيل إلى الخير الصحابي الجليل حرام بن
ملحان رضي الله عنه في فاجعة «بئر معونة»، فحين غدر به المشرك وطعنه بالرمح غيلة،
لم ينظر للموقف باعتباره خسارة أو ألماً مجرداً، بل أعاد تعريفه كفوز بالشهادة، فعَنْ
أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: «جَاءَ نَاسٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ فَقَالُوا: أَنِ ابْعَثْ مَعَنَا رِجَالًا يُعَلِّمُونَا الْقُرْآنَ
وَالسُّنَّةَ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ سَبْعِينَ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ يُقَالُ
لَهُمُ الْقُرَّاءُ: فِيهِمْ خَالِي حَرَامٌ، يَقْرَؤونَ الْقُرْآنَ
وَيَتَدَارَسُونَ، بِاللَّيْلِ يَتَعَلَّمُونَ، وَكَانُوا بِالنَّهَارِ يَجِيئُونَ
بِالْمَاءِ فَيَضَعُونَهُ فِي الْمَسْجِدِ، وَيَحْتَطِبُونَ فَيَبِيعُونَهُ
وَيَشْتَرُونَ بِهِ الطَّعَامَ لِأَهْلِ الصُّفَّةِ وَلِلْفُقَرَاءِ، فَبَعَثَهُمُ
النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِمْ، فَعَرَضُوا لَهُمْ
فَقَتَلُوهُمْ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغُوا الْمَكَانَ، فَقَالُوا: اللَّهُمَّ بَلِّغْ
عَنَّا نَبِيَّنَا أَنَّا قَدْ لَقِينَاكَ فَرَضِينَا عَنْكَ وَرَضِيتَ عَنَّا،
قَالَ: وَأَتَى رَجُلٌ حَرَامًا خَالَ أَنَسٍ مِنْ خَلْفِهِ فَطَعَنَهُ بِرُمْحٍ
حَتَّى أَنْفَذَهُ، فَقَالَ حَرَامٌ: فُزْتُ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ..»(2).
وفي رواية:
«لَمَّا طُعِنَ حَرَامُ بْنُ مِلْحَانَ، يَوْمَ بِئْرِ مَعُونَةَ، قَالَ بِالدَّمِ
هَكَذَا، فَنَضَحَهُ عَلَى وَجْهِهِ وَرَأْسِهِ، ثُمَّ قَالَ: فُزْتُ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ»(3).
محاور الحمد الأربعة عند وقوع المصيبة والبلاء
العبارة التي
نقلها عامر الشعبي عن شريح تكشف بناءً ذهنياً بالغ الدقة؛ فقد حول المصيبة الواحدة
إلى 4 معانٍ من الحمد.
الأول: الحمد على أن المصيبة لم تكن أعظم:
وهذا أصل مهم في
فقه المقارنة بين الممكن والواقع، فالإنسان في لحظة البلاء قد يركز على ما فقده،
لكنه إذا نظر إلى دائرة الاحتمالات أدرك أن ما وقع قد يكون أخف مما كان يمكن أن
يقع، وهذا لا يعني التقليل من الألم، وإنما يعني رؤية الصورة كاملة.
الثاني: الحمد على نعمة الصبر:
فليس كل من نزل
به البلاء استطاع أن يحفظ قلبه ولسانه وتصرفاته، والصبر نفسه نعمة تحتاج إلى توفيق
من الله، ولهذا قال تعالى: (وَاصْبِرُوا
إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) (الأنفال: 46)، فشريح لم يرَ الصبر
مجرد واجب يؤديه الإنسان، بل رآه عطية يمنحها الله لعباده.
الثالث: الحمد على التوفيق للاسترجاع واحتساب الأجر:
فالقول: (إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ
رَاجِعُونَ) (البقرة: 156) ليس مجرد لفظ يقال عند الصدمة، بل هو إعادة
الإنسان نفسه إلى مركز الحقيقة الكبرى؛ أنه لله، وأن مصيره إليه، وأن ما فقده لم
يخرج عن ملك الله.
وقد أثنى النبي
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على هذا المعنى في قوله: «عَجَبًا لِأَمْرِ
الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا
لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ
أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ»(4).
الرابع: الحمد على سلامة الدين:
وهذا أعظم ما في
كلام شريح؛ لأنه نقل معيار الخسارة من الأشياء إلى القيم، فقد يخسر الإنسان مالاً
أو صحة أو مكانة، لكن الخسارة الكبرى أن تكون المصيبة في دينه وقلبه وصلته بالله، وهذا
المعنى هو الذي يجعل المؤمن قادراً على الثبات؛ لأنه يعرف أن بعض الأشياء يمكن
تعويضها، أما فساد القلب وانقطاع الصلة بالله فليست خسارة عابرة، ولهذا قال أبو
العالية: ما أدري أي النعمتين أفضل، أن هداني الله للإسلام أو عافاني من هذه
الأهواء(5؟
نقل عقلية القاضي من المحكمة إلى النفس
شخصية شريح
القاضي تحمل دلالة مهمة؛ فالقاضي وظيفته الأساسية أن يزن الأمور، ويفصل بين
الدعاوى، ويبحث عن الحقيقة وسط تضارب المصالح، ويبدو أن هذه الملكة العقلية لم تكن
محصورة في مجلس القضاء، بل امتدت إلى تعامله مع نفسه، فكما يميز القاضي بين الضرر
الأكبر والأصغر، ميز شريح بين أنواع الضرر في المصيبة، لم يجعل كل فَقْد متساوياً،
ولم يسمح للعاطفة أن تعطل ميزان العقل.
فهذا رسول الله
صلى الله عليه وسلم في تعامله مع حادثة «الإفك»، التي اتهم فيها المنافقون أم
المؤمنين عائشة رضي الله عنها في شرفها، فبالرغم من الجرح النفسي العميق، لم يتسرع
النبي صلى الله عليه وسلم في الحكم، بل وازن الأمور بموضوعية، «وَدَعَا رَسُولُ
اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، وَأُسَامَةَ
بْنَ زَيْدٍ، حِينَ اسْتَلْبَثَ الْوَحْيُ يَسْتَشِيرُهُمَا»(6)، وتحلى
بالصبر والسكينة العالية حتى نزل الوحي من السماء ببراءتها.
وهذه مهارة
تحتاجها القيادات في كل عصر؛ فالقائد الذي ينهار أمام أول أزمة شخصية قد يعجز عن
إدارة أزمات من حوله، أما من يملك قدرة ضبط نفسه فإنه يصبح مصدر طمأنينة للآخرين.
وفي واقع
المؤسسات والأسر اليوم، تظهر قيمة هذا المعنى بوضوح؛ فالأزمات المالية أو الخلافات
أو فقد بعض الفرص لا ينبغي أن تتحول مباشرة إلى انهيار في الروح المعنوية، فالمجتمع
القوي ليس المجتمع الذي لا يبتلى، وإنما المجتمع الذي يمتلك أدوات التعامل مع الابتلاء.
كيف يحول القائد ثباته الشخصي لسكينة جماعية؟
لم يكن أثر شريح القاضي محصوراً في نفسه؛ فالكبار في المجتمعات يصنعون نماذج سلوكية يتعلم منها الناس أكثر
مما يتعلمون من الكلمات المجردة، فالناس عند الأزمات قد تنتقل بينهم مشاعر الخوف
والتذمر بسرعة، وقد تصبح الشكوى ثقافة عامة، وفي المقابل، فإن رؤية إنسان ثابت
يقرأ المصيبة بميزان الإيمان والعقل تقدم نموذجاً مضاداً للانهيار الجماعي.
ومن أعظم
المواقف التي حملت هذا المعنى ما كان في موقف سيدنا أبي بكر الصديق رضي الله عنه
يوم موت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: لَمَّا
تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال عُمْرُ بْنُ
الْخَطَّابِ مَا قَال، وَأَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ حَتَّى نَزَلَ عَلَى بَابِ
الْمَسْجِدِ حِينَ بَلَغَهُ الْخَبَرُ، وَعُمَرُ يُكَلِّمُ النَّاسَ، فَلَمْ
يَلْتَفِتْ إلَى شَيْءٍ حَتَّى دَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُسَجًّى فِي نَاحِيَةِ الْبَيْتِ، عَلَيْهِ بُرْدٌ حِبَرَةٌ،
فَأَقْبَلَ حَتَّى كَشَفَ عَنْ وَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ، قَالَ: ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْهِ فَقَبَّلَهُ، ثُمَّ قَالَ: بِأَبِي
أَنْتَ وَأُمِّي، أَمَّا الْمَوْتَةُ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْكَ فَقَدْ
ذُقْتهَا، ثُمَّ لَنْ تُصِيبَكَ بَعْدَهَا مَوْتَةٌ أَبَدًا، قَالَ: ثُمَّ رَدَّ
الْبُرْدَ عَلَى وَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
ثُمَّ خَرَجَ
وَعُمَرُ يُكَلِّمُ النَّاسَ، فَقَالَ: عَلَى رِسْلِكَ يَا عُمَرُ، أَنْصِتْ،
فَأَبَى إلَّا أَنْ يَتَكَلَّمَ، فَلَمَّا رَآهُ أَبُو بَكْرٍ لَا يَنْصِتُ
أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَلَمَّا سَمِعَ النَّاسُ كَلَامَهُ أَقْبَلُوا عَلَيْهِ
وَتَرَكُوا عُمَرَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا
النَّاسُ، إنَّهُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا فَإِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ مَاتَ،
وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ، قَالَ: ثُمَّ
تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: (وَمَا
مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ
أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى
عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ) (آل
عمران: 144).
قَالَ: فو الله
لَكَأَنَّ النَّاسُ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ حَتَّى
تَلَاهَا أَبُو بَكْرٍ يَوْمئِذٍ، قَالَ: وَأَخَذَهَا النَّاسُ عَنْ أَبِي بَكْرٍ،
فَإِنَّمَا هِيَ فِي أَفْوَاهِهِمْ، قَالَ: فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: قَالَ
عُمَرُ: وَاَللَّهِ مَا هُوَ إلَّا أَنْ سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ تَلَاهَا، فَعَقِرْتُ(1)
حَتَّى وَقَعْتُ إلَى الْأَرْضِ مَا تَحْمِلُنِي رِجْلَايَ، وَعَرَفْتُ أَنَّ
رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ مَاتَ(7).
ولهذا كانت
مواقف العلماء والعباد عند النوازل جزءاً من التربية العامة للأمة، فحين يرى الناس
شخصاً فَقَد شيئاً ثم بقي متماسكاً، يتعلمون أن الإنسان أكبر من حادثة واحدة، وأن
حياته لا تختصر في لحظة ألم.
ومن ذلك ما ثبت
عن عروة بن الزبير حين أصيب في جسده وفقد أحد أبنائه، فحمد الله على ما بقي له من
النعم، فعن هشام بن عروة قال: خرج أبي إلى الوليد بن عبدالملك فوقعت في رجله
الأكلة فقال له الوليد: يا أبا عبدالله أرى لك قطعها، قال: فقطعت وإنه لصائم فما
تضور وجهه، قال: ودخل ابن له أكبر ولده اصطبله فرفسته دابة فقتلته فما سمع من أبي
في ذلك شيء، حتى قدم المدينة فقال: اللهم إنه كان لي بنون أربعة فأخذت واحداً
وأبقيت لي ثلاثة فلك الحمد، وكان لي أطراف أربعة فأخذت واحداً وأبقيت لي ثلاثة فلك
الحمد، وايم الله لئن أخذت فلقد أبقيت ولئن ابتليت طالما عافيت(8).
فقد أكد عروة بن
الزبير أن الابتلاء لا يخلو من بقايا عافية، ومثل هذه المواقف عند السلف كانت تربي
على رؤية النعمة حتى في وسط الألم.
معيار الربح والخسارة الحقيقي في التصور الإسلامي
من أعمق ما في
كلمة شريح القاضي أنها أعادت ترتيب الأولويات، ففي عالم تقاس فيه الخسائر غالباً بالأرقام
والممتلكات والمكانة الاجتماعية، يأتي هذا الميزان ليقول: إن أعظم ما ينبغي
للإنسان أن يحافظ عليه هو قلبه ودينه.
وتتجسد أسمى
معاني هذا المبدأ في موقف الصحابي صهيب الرومي رضي الله عنه حين اعترضه المشركون
أثناء هجرته، فافتدى سلامة دينه بكل ثروته، فعَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ،
أَنَّهُ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ صُهَيْبًا حَيْنَ أَرَادَ الْهِجْرَةَ قَالَ لَهُ
كُفَّارُ قُرَيْشٍ: أَتَيْتنَا صُعْلُوكًا حَقِيرًا، فَكَثُرَ مَالُكَ عِنْدَنَا،
وَبَلَغْتَ الَّذِي بَلَغْتَ، ثُمَّ تُرِيدُ أَنْ تَخْرُجَ بِمَالِكَ وَنَفْسِكَ،
وَاَللَّهِ لَا يَكُونُ ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُمْ صُهَيْبٌ: أَرَأَيْتُمْ إنْ
جَعَلْتُ لَكُمْ مَالِي أَتُخْلُونَ سَبِيلِي؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ:
فَإِنِّي جَعَلْتُ لَكُمْ مَالِي، قَالَ: فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: «رَبِحَ صُهَيْبٌ، رَبِحَ صُهَيْبٌ»(9).
وهذا المعنى من
أكثر ما يحتاجه الإنسان المعاصر؛ فبعض الناس يخسر شيئاً من متاع الدنيا فيشعر أنه
فقد كل شيء، وربما قاده ذلك إلى الاعتراض أو اليأس أو الانهيار، بينما المنهج
الإيماني يعلّمه أن فقد بعض الأشياء لا يعني فقد الحياة كلها.
ولهذا، فإن
التربية على هذا المعنى مهمة في الأسرة والتعليم والعمل؛ فالطفل الذي يتعلم أن
الفشل ليس نهاية الطريق، والموظف الذي يدرك أن فقد فرصة لا يعني سقوط قيمته،
والأسرة التي تواجه الشدائد وهي محافظة على ترابطها وإيمانها، كلها نماذج تطبق روح
كلمة شريح.
التعبير الذكي كأداة لحفظ الحقيقة في الأزمات
ومن الجوانب
اللافتة في كلام شريح أن بناءه اللغوي نفسه يحمل رسالة تربوية؛ فقد كرر الحمد أربع
مرات، وكأن النفس تحتاج إلى تدريب متكرر حتى ترى أبواب الخير المختفية.
فهو لم يكتفِ
بمعنى واحد، بل فتح نوافذ متعددة للنظر إلى الحدث، وهذا الأسلوب من البلاغة
العملية؛ إذ يجعل المعنى قابلاً للحفظ والاستحضار عند الحاجة.
ولهذا بقيت
كلمات السلف حية؛ لأنها لم تكن مجرد أفكار نظرية، بل كانت خلاصة تجارب عاشوها، ثم
صاغوها بعبارات قليلة تحمل معاني كثيرة.
ومن الأمثلة
الرائعة في كشف جمال المعنى من خلال العبارة ما جاء في إجابة أبي بكر الصديق رضي
الله عنه، البليغة الذكية حين سأله الناس في طريق الهجرة متسائلين عن النبي صلى
الله عليه وسلم، فعن أَنَس بْن مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: «أَقْبَلَ
نَبِيُّ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَهُوَ
مُرْدِفٌ، أَبَا بَكْرٍ وَأَبُو بَكْرٍ شَيْخٌ يُعْرَفُ، وَنَبِيُّ اللهِ صَلَّى
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَابٌّ لَا يُعْرَفُ، قَالَ: فَيَلْقَى الرَّجُلُ أَبَا
بَكْرٍ فَيَقُولُ: يَا أَبَا بَكْرٍ، مَنْ هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْكَ؟
فَيَقُولُ: هَذَا الرَّجُلُ يَهْدِينِي السَّبِيلَ، فَيَحْسِبُ الْحَاسِبُ أَنَّهُ
إِنَّمَا يَعْنِي الطَّرِيقَ، وَإِنَّمَا يَعْنِي سَبِيلَ الْخَيْرِ..»(10).
كيفية تحويل الابتلاء إلى فرصة للنضج والبناء
إن موقف شريح
القاضي يقدم منهجاً متكاملاً في التعامل مع الأزمات؛ لا إنكار للألم، ولا استسلام
له، بل قراءة متوازنة تجمع بين الإيمان والعقل.
فالإنسان لا
يملك دائماً اختيار ما ينزل به، لكنه يملك جانباً عظيماً من طريقة استقباله له، وبين
الجزع الذي يزيد الخسارة، والصبر الذي يحفظ القوة، يوجد مقام أعلى هو مقام رؤية
الحكمة والشكر.
فعَنْ أُمِّ
سَلَمَةَ رضي الله عنها، أَنَّهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ فَيَقُولُ
مَا أَمَرَهُ اللهُ: إِنَّا لِلهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، اللَّهُمَّ
أْجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي، وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا، إِلَّا أَخْلَفَ
اللهُ لَهُ خَيْرًا مِنْهَا»، قَالَتْ: فَلَمَّا مَاتَ أَبُو سَلَمَةَ قُلْتُ:
أَيُّ الْمُسْلِمِينَ خَيْرٌ مِنْ أَبِي سَلَمَةَ؟ أَوَّلُ بَيْتٍ هَاجَرَ إِلَى
رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ إِنِّي قُلْتُهَا،
فَأَخْلَفَ اللهُ لِي رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ(11).
وهذه أم
المؤمنين عائشة رضي الله عنها تحول المحنة القاسية إلى مدرسة صلبة لليقين والثقة
في الله، إثر حادثة «الإفك»، فبعد أيام من الألم والدموع، وحين نزل الوحي ببراءتها
وطُلب منها أن تقوم للنبي صلى الله عليه وسلم تشكره، أجابت بقوة اليقين الذي عمقته
المحنة في قلبها: «وَاللهِ لَا أَقُومُ إِلَيْهِ، وَلَا أَحْمَدُ إِلَّا اللهَ
هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ بَرَاءَتِي»(12)، فقد أرجعت الفضل لمصدره الأول.
وفي زمن كثرت فيه الضغوط الفردية والجماعية، يبقى هذا النموذج صالحاً للتطبيق؛ في الأسرة حين تقع الشدائد، وفي العمل حين تتغير الظروف، وفي المجتمع حين تتوالى التحديات، فالقوة الحقيقية ليست في غياب المصائب، بل في القدرة على تحويلها إلى أبواب قرب ونضج وبناء.
الهوامش
- 1 سير أعلام النبلاء (5/ 52).
- 2 متفق عليه، أخرجه البخاري، (2801)، ومسلم (677).
- 3 صحيح البخاري (4092).
- 4 صحيح مسلم (2999).
- 5 حلية الأولياء (2/ 218).
- 6 متفق عليه، أخرجه البخاري (4141)، ومسلم (2770).
- 7 سيرة ابن هشام (2/ 655 - 656).
- 8 صفة الصفوة (1/ 349).
- 9 سيرة ابن هشام (1/ 477).
- 10 صحيح البخاري (3911).
- 11 صحيح مسلم (918).
- 12 متفق عليه، أخرجه البخاري (4757)، ومسلم (2770).
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً