سعة اللغة العربية.. كم من أسرار البيان لم نكتشفها!

سعد الحسن

30 أغسطس 2026

155

سعة اللغة العربية.. كم من أسرار البيان لم نكتشفها!

تتجلى سعة اللغة العربية في ثراء ألفاظها، وتنوع أساليبها، ودقة دلالاتها، وقدرتها على التعبير عن المعاني الدقيقة بطرائق متعددة، ولم تكن هذه السعة خافية على علماء العربية الأوائل؛ فقد أدركوا أن لسان العرب أوسع من أن يحيط به عالم واحد، وأن ما وصل إلينا من كلام العرب ليس إلا جانبًا من تراث لغوي بالغ الاتساع، ذهب كثير منه بذهاب أهله.

وقد نقل الإمام السيوطي في كتابه «المزهر في علوم اللغة وأنواعها» نصوصًا نفيسة لابن فارس والإمام الشافعي تكشف عن هذه الحقيقة، وتفتح أمام الباحث في أسرار اللغة العربية بابًا واسعًا للتأمل: كيف يمكن الإحاطة بلغة لم يصل إلينا من كلام أهلها إلا القليل؟ وكم من لفظة ودلالة وأسلوب كان العرب يعرفونه ثم غاب عنا مع مرور الزمن؟

سعة اللغة العربية.. لسان لا يحيط به فرد

يورد ابن فارس في «فقه اللغة» قولًا منسوبًا إلى بعض الفقهاء: «كلام العرب لا يحيط به إلا نبي»، ويرى أن هذا القول جدير بالصحة؛ إذ لم يُعرف عن أحد من المتقدمين أنه ادعى الإحاطة باللغة العربية كلها.

وهذا المعنى يؤكده الإمام الشافعي في «الرسالة» حين يقول: «لسان العرب أوسع الألسنة مذهبًا وأكثرها ألفاظًا»، ثم يقرر أن الإحاطة بجميع علمه ليست في مقدور إنسان.

ويضرب الشافعي لذلك مثالًا بمعرفة السنن؛ فليس هناك عالم واحد أحاط بجميع السنن، وإنما توزعت المعرفة بها بين العلماء، فأدرك أحدهم ما غاب عن الآخر، حتى اجتمعت لدى مجموع أهل العلم معارف واسعة لم تكن مجتمعة في فرد واحد.

وهكذا تبدو اللغة العربية كأنها معرفة جماعية متوارثة؛ قد يمتلك العالم جانبًا منها، ويغيب عنه جانب آخر، بينما يكون ما غاب عنه محفوظًا عند غيره.

الخليل بن أحمد.. العالم الذي أدرك عظمة العربية

ومن الدلالات اللافتة في كلام ابن فارس -كما نقل عنه السيوطي في المزهر- حديثه عن الخليل بن أحمد الفراهيدي، ذلك الإمام الذي جمع بين العلم والزهد والورع.

فقد نقل ابن فارس عن النضر بن شميل وغيره ثناءً بالغًا على الخليل، حتى وصفوه بما يدل على مكانته العلمية والدينية، ومن هنا استبعد ابن فارس أن يكون الخليل قد قال في خاتمة كتاب منسوب إليه: «هذا آخر كلام العرب»؛ لأن العالم الذي بلغ هذه المنزلة من العلم والورع أبعد ما يكون عن ادعاء الإحاطة بكل لسان العرب.

وهنا تظهر إحدى أجمل خصائص العلماء الراسخين: أن العلم لا يقودهم إلى الغرور بما عرفوا، بل إلى إدراك اتساع ما يجهلون؛ فالخليل، الذي وضع أسسًا عظيمة في دراسة العربية، لم يكن ليختزل هذا البحر الواسع في حدود ما جمعه هو أو غيره.

ما وصل إلينا من كلام العرب قليل من كثير

ولا تقف القضية عند استحالة الإحاطة بلغة العرب، وإنما يذهب ابن فارس إلى حقيقة أخرى مهمة، وهي أن ما وصل إلينا من كلام العرب هو الأقل من الكثير؛ فالعرب تركوا وراءهم شعرًا كثيرًا، وخطبًا وأمثالًا وأحاديثَ وألفاظًا وأساليب متنوعة، لكن جانبًا كبيرًا من هذا التراث لم يُدوّن أو لم يصل إلينا.

ونقل السيوطي عن ابن فارس قوله: إن كثيرًا من الكلام ذهب بذهاب أهله، ويستدل على ذلك بوجود ألفاظ وتراكيب عربية اختلف العلماء في تفسيرها، ولم يستطيعوا الوصول إلى معناها على وجه القطع، بل لجؤوا إلى التقريب والاحتمال.

وهذه ملاحظة بالغة الأهمية؛ لأن اللغة لا تحفظها الكتب وحدها، وإنما يحفظها الاستعمال الحي أيضًا، فإذا غاب أهل اللغة واندثرت بيئات الاستعمال، بقيت الكلمة أحيانًا في الكتب، لكن قد يضيع شيء من سرها الدلالي.

ألفاظ بقي رسمها وضاع معناها

ومن أمتع ما يورده السيوطي أمثلة لألفاظ كانت معروفة عند العرب ثم غابت عن المتأخرين، فيذكر ألفاظًا مثل «عُبْسور» و«عَيْسَجور»، وأوصافًا كانت تستعمل في الإبل والنساء والخيل، ثم لم يبق عندنا منها إلا رسمها المكتوب.

وهنا تتجلى إحدى مشكلات البحث اللغوي القديم: قد تصل إلينا الكلمة مضبوطة الحروف، لكن لا نملك السياق الثقافي والاجتماعي الذي كان يمنحها معناها الدقيق.

فالكلمة ليست مجموعة من الأصوات فحسب؛ إنها جزء من حياة كاملة، وقد تحمل في استعمالها القديم إيحاءً أو دلالة أو فرقًا دقيقًا لا يكشفه المعجم وحده.

ومن هنا فإن دراسة أسرار اللغة العربية لا تقتصر على معرفة معاني الكلمات، وإنما تمتد إلى البحث في سياقاتها واستعمالاتها، وصلتها بحياة العرب وثقافتهم وطرائق تعبيرهم.

من «كذَب عليك» إلى الألفاظ المهجورة

ويضرب السيوطي أمثلة أخرى على تراكيب وألفاظ أشكل معناها على علماء العربية المتأخرين، ومنها استعمال «كذَب» في مواضع الإغراء، كما في قولهم: «كذب عليك الحج» و«كذبك العسل»؛ فاللفظ في ظاهره قد يحمل معنى معروفًا، لكن استعماله في سياق معين يكشف عن دلالة أخرى لم تعد مألوفة في الاستعمال الحديث.

وكذلك أورد عددًا من ألفاظ الزجر والدعاء والأصوات التي كانت مفهومة عند العرب، ثم غاب تفسير كثير منها عن العلماء.

وهذه الأمثلة تكشف أن ثراء اللغة العربية لا يتمثل في كثرة مفرداتها فحسب، وإنما في تنوع وظائف اللفظ الواحد وتعدد دلالاته بحسب السياق والمقام.

سحر البيان بين ما نعرفه وما فقدناه

إذا تأملنا كلام ابن فارس والشافعي- كما نقله السيوطي في المزهر- أدركنا أن سحر البيان العربي لا يكمن فقط في الألفاظ التي حفظتها لنا الكتب، وإنما يمتد كذلك إلى تلك المساحات المفقودة من كلام العرب؛ فما نعرفه اليوم من العربية يمثل جزءًا من تراث أوسع بكثير، وما بقي من الألفاظ الغريبة والشواهد النادرة يلمح إلى ثراء لغوي كان أكبر مما نستطيع استيعابه الآن.

ولذلك فإن الباحث في العربية يحتاج إلى التواضع العلمي؛ فليس كل ما استعصى عليه من لفظ أو تركيب دليلًا على اضطراب اللغة، وإنما قد يكون الأثر الباقي من استعمال عربي قديم انقطع سياقه، وضاعت معه بعض مفاتيح فهمه.

العربية.. بحر كلما أبحرنا فيه اتسع

إن حديث علماء العربية عن سعة اللغة ليس دعوة إلى العجز عن دراستها، وإنما هو دعوة إلى تقدير عظمتها، وإلى إدراك أن ما وصل إلينا منها يستحق البحث والحفظ والاستقراء.

وقد استطاع علماء العربية أن يحفظوا لنا جانبًا هائلًا من هذا التراث، ووضعوا علومًا دقيقة للنحو والصرف والاشتقاق والدلالة والعَروض والبلاغة، حتى غدا ما بين أيدينا من العربية من أعظم ذخائر الحضارة الإنسانية.

لكن كلام ابن فارس يذكرنا بأن وراء هذا التراث بحرًا أوسع، وأن كثيرًا من ألفاظ العرب وأساليبهم قد رحل برحيل أهله.

وهنا يكمن جانب من سحر البيان أن اللغة تكشف عن عظمتها حتى في الأشياء التي فقدناها؛ فالكلمات التي بقيت دون تفسير كامل، والتراكيب التي لم يعد معناها واضحًا، والشواهد التي اختلف العلماء في فهمها، كلها تشهد على اتساع عالم العربية؛ فالعربية ليست قاموسًا مغلقًا، ولا مجموعة ألفاظ محفوظة؛ إنها كائن ثقافي حي، تتفاعل فيه الكلمة مع السياق والزمن والمقام والبيئة.

ولذلك كلما ظننا أننا اقتربنا من نهاية الطريق، كشفت لنا العربية عن أفق جديد.

إنها لغةٌ اتسعت حتى عجز العلماء عن الإحاطة بكل أسرارها، وبقي من سحر بيانها ما يكفي ليخبرنا أن ما نعرفه منها ليس نهاية البحر، وإنما بعض شاطئه.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة