أخلاق العلماء عند اختلاف الآراء

زر بن حبيش.. كيف يصنع العلم أدب العلماء وأخلاقهم؟

تصوير رمزي لمجلس علم يجمع بين الحوار والتعلم واحترام أهل المعرفة.

زر بن حبيش وأخلاق العلماء عند الاختلاف

يروي الإمام الذهبي، في «سير أعلام النبلاء»، خبراً عن زر بن حبيش(1)؛ قال شيبان: عن عاصم، عن زر، قلت لأبي: يا أبا المنذر، اخفض لي جناحك؛ فإنما أتمتع منك تمتعًا.

قال محمد بن طلحة: عن الأعمش قال: أدركت أشياخنا زرًا، وأبا وائل، فمنهم من عثمان أحب إليه من عليّ، ومنهم من عليّ أحب إليه من عثمان، وكانوا أشد شيء تحابًا وتوادًا.

قال أبو بكر بن عياش عن عاصم: كان أبو وائل عثمانيًا، وكان زر بن حبيش علويًا، وما رأيت واحدًا منهما قط تكلم في صاحبه حتى ماتا، وكان زر أكبر من أبي وائل، فكانا إذا جلسا جميعًا، لم يحدث أبو وائل مع زر؛ يعني: يتأدب معه لسنه(2).

تكشف هذه الأخبار جانبًا بالغ الأهمية من الحياة العلمية في صدر الإسلام؛ فهي لا تتحدث فقط عن موقف بين عالمين، بل تقدم نموذجًا لطريقة تعامل جيل التابعين مع الخلافات التي كانت تمس قضايا سياسية وتاريخية حساسة.

فزر بن حبيش وأبو وائل شقيق بن سلمة لم يكونا شخصيتين عاديتين في الكوفة، بل كانا من كبار أهل العلم، ومع ذلك اختلفت ميولهما في مسألة من مسائل التفضيل بين الصحابة، لكن هذا الاختلاف لم يتحول إلى خصومة شخصية، ولم يمنع بقاء المودة والاحترام.

وهنا تظهر قيمة علمية وتربوية كبيرة؛ أن الخلاف في الرأي لا يلزم منه سقوط الأخوة، وأن الإنسان يمكن أن يختلف في التقييم مع بقاء قلبه سالمًا تجاه المخالف.

أدب زر بن حبيش مع أبي بن كعب

تكشف عبارة التابعي الجليل زر بن حبيش لإمام القراء الصحابي أبيّ بن كعب رضي الله عنه: «يَا أَبَا الْمُنْذِرِ، اخْفِضْ لِي جَنَاحَكَ؛ فَإِنَّمَا أَتَمَتَّعُ مِنْكَ تَمَتُّعاً» عن أدبٍ سامٍ وميزانٍ تربوي رصين في علاقة المتعلم بمعلمه؛ فلم يدخل زر على أبيّ بلغة المستهلك المعرفي الذي يكتفي باستجلاب الفوائد والأخبار، بل دخل بمنطق المجلّ لمنـزلة الشيخ والمُدرك لخطورة اللحظة ونفاستها، إن قوله «أتمتع منك» ينمّ عن وعيٍ عميق بأن ملازمة قامة علمية عاصرت التنزيل فرصةٌ قد لا تتكرر، وأن مفاتيح المعرفة لا تُفتح بالجرأة على الفتوى، وإنما بالرفق والتواضع وحسن التلطف؛ فالعلوم لا تنبت في المساحات السطحية المحض، بل تنتقل عبر رحِمٍ أخلاقية تُوثق الصلة بين المعلم والمتعلم.

ويتجلى هذا الأدب التليد في التواضع للأكابر وتوقير مجالس العلم في مسلك حبر الأمة عبدالله بن عباس رضي الله عنهما؛ إذ كان وهو ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم يذهب إلى أبواب كبار الصحابة كزيد بن ثابت وأبيّ بن كعب رضي الله عنهم في حَرّ الظهيرة، فيتوسد رداءه على عتبات دورهم ينتظر خروجهم تسفي الريحُ الترابَ عليه، وحين يقال له: «ألا نُنَبِّهُهم لك؟» يأبى توقيراً لمقامهم وقيلولة شيوخه، قائلاً في إرساخ قواعد التلمذة: «أنا أحَقُّ أنْ آتيَكَ، فأسألَكَ»(3)، فهذا الخضوع الاختياري للعلماء هو الذي فتح لابن عباس مغاليق الفهم، وجعل منه مرجعاً علميا يُرحل إليه.

إن تجربة زر بن حبيش تضع أمام طالب العلم في كل زمان حقيقةً إصلاحية خالدة؛ أن بركة العلم وحقيقة الرسوخ فيه لا تكمنان في مجرد استيعاب النصوص وشحن الأذهان بالمفاهيم، بل في اقتران التحصيل بأدب التلقي وتوقير حملة الشريعة؛ فمتى ما خيم الأدب على حلقات العلم وغاب الكبر والتعالم، استقامت مناهج الطلب، وانتفعت الأمة بالمعرفة الصافية، وغدا التلميذ امتداداً صادقاً لشيخه في الفهم والأثر والتزكية.

لماذا لم يفسد الاختلاف المودة بين التابعين؟

كانت الكوفة في القرن الأول الهجري تموج بتحولات سياسية ومعرفية معقدة، وأضحت ميداناً للنقاشات الحادة حول أحداث الفتنة الأولى ومواقف الصحابة، وفي خضم هذه البيئة المشحونة، ظهر التباين في اجتهادات التابعين الكبار، فبينما كان زر بن حبيش يميل من جهة التفضيل إلى ما عُرف بالتشيع لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، كان نظيره أبو وائل شقيق بن سلمة يميل إلى الاتجاه العثماني، غير أن الرواية التاريخية تفكك الصورة النمطية للاحتقان المذهبي أو القطيعة التي قد يتوهمها المرء؛ إذ يصف الإمام الأعمش رحمه الله طبيعة العلاقة بين هذين العَلَمين وأقرانهما بقوله: «وَكَانُوا أَشَدَّ شَيْءٍ تَحَابّاً وَتَوَادّاً»، فهذه العبارة القصيرة تختزل منهجاً حضارياً كاملاً في فقه الخلاف؛ حيث تبرهن على أن تنوع الاجتهادات وتباين الآراء في القضايا الشائكة لا يقتضي بالضرورة إسقاط المخالف، وأن الرأي مهما اشتد تباينه لا يسوغ نقض المودة وتمزيق رابطة الإيمان.

ويتجلى هذا الأدب الراسخ في إدارة الاختلاف وحفظ المودة في العلاقة الفريدة بين فقيهَي الكوفة الكبيرَيْن؛ إبراهيم النخعي، وعامر الشعبي، رحمهما الله؛ إذ مع التباين الواضح بينهما في مسالك النظر والاستنباط والفقه، لم ينزلق هذا الاختلاف يوماً إلى دركات الخصومة أو المهاترة، بل ظل التقدير المتبادل والثناء المنصف هو الحاكم لمجالسهما، ولم تمنعهما حدة النقاش العلمي من لزوم الأخوة الدينية وإجلال كل منهما لفضل صاحبه ورسوخ قدمه.

إن هذا النقاء المنهجي الذي صاغته مدرسة الكوفة يقرر مبدأ أخلاقياً حاسماً للأمة؛ الخلاف الفكري أو السياسي لا ينبغي أن يتحول إلى صراعٍ شخصي أو معركةٍ لإلغاء الآخر؛ فالقلوب الكبيرة تتسع لتعدد الآراء، والرجال الصادقون يجعلون من الأخوة الدينية سقفاً يظلل اجتهاداتهم، فمتى ما زُكّيت النفوس وحضرت الإنصاف، تحول الاختلاف من سببٍ للفرقة والنزاع إلى مظهرٍ من مظاهر السعة والتكامل الحضاري.

خطورة تحويل الخلافات الفكرية إلى قطيعة شخصية

تضع السيرة العملية للتابعين كزِرِّ بن حبيش، وأبي وائل اليد على قانون أخلاقي فذ، يقضي بضرورة الفصل التام بين مخالفة الرأي ومخالفة الشخص؛ فالعالم الراسخ لا يتماهى مع فكرته حتى يرى ردها استهدافاً لشخصه، ولا يجعل من تباين الاجتهادات التاريخية أو الفكرية سبباً لإسقاط الأخوة أو انتهاك حقوق المخالف، لقد كان أبو وائل عثمانياً وكان زر بن حبيش علوياً، ومع ذلك ثبت في ترجمتهما المضيئة العبارة الفاصلة: «وَمَا رَأَيْتُ وَاحِداً مِنْهُمَا قَطُّ تَكَلَّمَ فِي صَاحِبِهِ حَتَّى مَاتَا»، إن هذا السلوك الراقي هو الذي حافظ على المجالس العلمية بيئة خصبة للإنتاج والتربية؛ إذ إن تحويل الاختلاف إلى خصومة شخصية يوغر الصدور ويغلق أبواب الاستفادة، في حين أن تجريد الفكرة عن قائلها يفتح آفاق المدارسة والإنصاف.

ويتجلى هذا الميزان الأخلاقي في أبهى صوره في موقف الإمام الشافعي رحمه الله مع يونس بن عبد الأعلى الصدفي؛ إذ اختلفا في مسألة علمية أثناء المناظرة وانصرف يونس مغضباً، فما كان من الشافعي إلا أن التقاه وأخذ بيده وقال له بلسان الفقه الراشد: «يَا أَبَا مُوسَى، أَلاَ يَسْتَقِيمُ أَنْ نَكُونَ إِخْوَاناً وَإِنْ لَمْ نَتَّفِقْ فِي مَسْأَلَةٍ؟»(4)، فهذا النداء الجليل يؤكد أن سلامة القلوب وبقاء المحبة أوجب وأعلى قدراً من مجرد الانتصار في جولة رأي أو تحقيق مسألة فرعية.

إن واقع الناس اليوم يحتاج أشد الاحتياج إلى تمثل هذا الدرس العظيم؛ فاختلاف المواقف وتنوع الرؤى لا ينبغي أن يورثا القطيعة أو يفتحا أبواب سوء الظن وتتبع العثرات، فمتى ما تعلمت العقول كيف تناقش الأفكار بنقد علمي مجرد، وتصون في الوقت ذاته الأشخاص بالاحترام والود، استقامت بيئات الحوار، وسادت الأخوة، وحُفظت الأمة من عوارض التعصب والفرقة.

لماذا صمت أبو وائل بحضرة زر بن حبيش؟

تنقل العبارة المأثورة عن أبي بكر بن عياش: «وَكَانَ زِرٌّ أَكْبَرَ مِنْ أَبِي وَائِلٍ، فَكَانَا إِذَا جَلَسَا جَمِيعاً، لَمْ يُحَدِّثْ أَبُو وَائِلٍ مَعَ زِرٍّ؛ يَعْنِي: يَتَأَدَّبُ مَعَهُ لِسِنِّهِ» خُلُقاً إسلامياً وأدباً مسلكياً رفيعاً في إدارة المجالس وتوقير أهل السابقة، فلم يكن صمت الإمام أبي وائل -وهو من كبار التابعين وأجلائهم- عن عجزٍ في العلم أو قلةٍ في المحصول، بل كان صمتاً اختيارياً يفيض إجلالاً وتوقيراً لمقام زر بن حبيش الذي كان يفوقه سناً وأسبقية، إن هذا النمط من السلوك يتجاوز مجرد جمع المعلومات واستعراض الكفاءة إلى إقرار أدبيات السمت الهادئ؛ إذ إن هيبة البيئة العلمية واستقرارها لا يقومان على التهافت على الصدارة ومماحكة الشيوخ، بل على استشعار منازل الرجال وحفظ حقوق السن والفضل.

ويتجلى هذا الأدب النبوي الراسخ في إجلال الأكابر في صنيع الصحابي الجليل عبدالله بن عمر رضي الله عنهما؛ إذ كان في مجلس يجمعه بالنبي صلى الله عليه وسلم وبكبار الصحابة، وفي مقدمتهم أبو بكر، وعمر، رضي الله عنهما، فلما طرح النبي صلى الله عليه وسلم مسألة «النخل»، ففي الحديث: قدم النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم المدينةَ وهم يؤبِّرونَ النَّخل.. إلى أن قال: «إنَّما أنا بشرٌ إذا حدَّثْتُكم بشيءٍ مِن أمرِ دينِكم فخُذوا به، وإذا حدَّثْتُكم بشيءٍ مِن دنياكم فإنَّما أنا بشَرٌ»، قال: عكرمةُ: هذا أو نحوُهَ(5)، عرف ابن عمر جوابها بذكائه وفطنته، غير أن الحياء وهيبة السن منعا الشاب الفتى من التقدم بالكلام بين يدي أسنّ القوم وأعظمهم قدرة، فآثر الصمت أدباً وتوقيراً لمكانة أبي بكر، وأبيه عمر، مبرهناً على أن توقير الشيوخ صيانة لمقام المجلس وأزكى ثمرة من مجرد إظهار المعرفة.

إن هذه الرعاية الدقيقة لأدب المجالس تقرر حقيقة تربوية خالدة: إن العلم بلا أدب شجرٌ بلا ثمر، والصمت بين يدي الأكابر ليس ضياعاً للحق ولا إلغاءً للكفاءة، بل هو تعبير عن نضج العقل وسلامة الصدر، فمتى ما اقترن الفضل بتوقير الكبير وصيانة الأسبقية، تماست أسباب المودة بين أهل العلم، واستقامت الهيبة الإيمانية التي تحفظ للمجالس قدرها وللعلماء مكانتهم عبر الأجيال.

أدلة خلو قلوب العلماء من الخصومات الشخصية

يمكن تفسير مسلك السلف في التغاضي عن الخلاف وحفظ المقامات بأحد تفسيرين؛ إما أنه كان «سياسة اجتماعية» ومداراة ظاهرة لتفادي النزاع في بيئة محتنقة كالكوفة، وإما أنه ينبع من «مودة صادقة» وسلامة صدر حقيقية تفصل بين الاجتهاد العلمي ورابطة الأخوة الإيمانية، والقرائن التاريخية تؤكد التفسير الثاني بوضوح؛ فشهادة الأعمش بـ«أنهم كانوا أشد شيء تحاباً وتواداً»، والشهادة الاستثنائية التي خُلِّدت في حق زر بن حبيش، وأبي وائل: «وَمَا رَأَيْتُ وَاحِداً مِنْهُمَا قَطُّ تَكَلَّمَ فِي صَاحِبِهِ حَتَّى مَاتَا»، تعكس سلوكاً ممتداً طوال العمر، لا مناورة مرحلية ولا مجاملة ظاهرة، لم تكن المسألة إدارة أزمات، بل كانت خلقاً إيمانياً راسخاً وطبعاً أصيلاً يصدر عن قلوب أشرقت بالتقوى.

ويتجلى هذا الصفاء الداخلي ونفي التصنع والمجاملات الشكلية في الأثر الصادق الذي جمع بين سلمان الفارسي، وأبي الدرداء، رضي الله عنهما؛ إذ لم تكن الأخوة بينهما مجرد شعار اجتماعي أو مجاملة عابرة فرضتها الظروف، بل كانت رابطة إيمانية عميقة قامت على النصيحة الخالصة، والتزاور، والمحبة الصافية في الله طوال حياتهما، ومثل ذلك ما أظهره أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه من سلامة صدر حقيقية تجاه مخالفيه؛ إذ كان يطهر قلبه من غل الخصومة ويترحم على قتلى الفريقين في معارك الفتنة، مبرهناً على أن المودة الإيمانية لديه كانت ديناً ورضواناً باطناً، لا سياسة ظاهرة ولا مداراة نفعية.

إن هذه الأخوة الراسخة تقرر قانوناً أخلاقياً حاسماً: المحبة الإيمانية الصادقة أعمق من أدبيات الدبلوماسية الاجتماعية ومصانعة الوجوه؛ فحين يتحول التسامح وإجلال المخالف إلى عقيدة ورعاية لمقام الأخوة، تستقر العلاقات على أرضية صلبة لا تهزها تباينات الرأي ولا تقلبات الظروف، فمتى ما طهُرت السرائر من الأغراض الظاهرة، غدت المودة سجية ثابته يصون بها المؤمنون مجتمعاتهم، وتستقيم بها أدبيات التعايش والارتقاء الحضاري.

قواعد بناء البيئة العلمية المتوازنة عند السلف

تُصاغ القواعد المتينة للبناء الحضاري والمجتمعات العلمية الراسخة من الهدي المتوازن الذي قدمته مدرسة التابعيَيْن الجليلَيْن زر بن حبيش، وأبي وائل؛ إذ تُبرهن سيرتهما على أن التباين في الاجتهاد لا يفسد للود قضية متى ما كانت التقوى حارسةً للمشهد والإنصاف حاكماً بين النفوس، كما تُرسي هذه المدرسة ملمحاً تربوياً أصيلاً مفاده أن الفهم والمعرفة لا يُستجدَيان بالذكاء المجرد أو استعراض القدرات، بل بحسن الأدب ولين التلقي بين يدي حملة الشريعة، ولا يرى العلماء الكبار في إجلال المخالف وتوقيره ضعفاً أو تراجعاً، بل يرونه أسمى درجات النضج المعرفي والثقة بالنفس التي تصون وحدة الأمة وهيبة أئمتها.

ويتجلى هذا الحرص المنهجي على سلامة الصدور وتأليف القلوب في الهدي النبوي الخالد حين جعل إصلاح ذات البين أعلى درجة من نافلة الصلاة والصيام، فقال صلى الله عليه وسلم: «أَلَا أَدُلُّكُم على أَفْضَلَ من درجةِ الصلاةِ والصيامِ والصدقةِ؟»، قالوا: بلى يا رسولَ اللهِ، قال: «إصلاحُ ذاتِ البَيْنِ فإنَّ فسادَ ذاتِ البَيْنِ هي الحالِقَةُ، لا أقولُ: إنها تَحْلِقُ الشَّعْرَ ولكن تَحْلِقُ الدِّينَ»(6)، وهو المعنى الأخلاقي الذي عمّقه الإمام أبو جعفر محمد بن علي (الباقر) رحمه الله حذراً من عوارض الشقاق والفرقة بقوله لأصحابه وجلسائه: «إِيَّاكَ وَالشَّحْنَاءَ، فَإِنَّهَا تَزْرَعُ الشَّحْنَاءَ فِي قُلُوبِ الرِّجَالِ»(7)، فقد أدرك هداة الأمة أن بقاء المودة والإنصاف فوق التباينات الفكرية والسياسية هو المرتكز الأساسي لحماية البيئة العلمية من الشحناء والتعصب.

إن الدروس المستفادة من مدرسة زر، وأبي وائل، تؤكد حقيقة تربوية خالدة؛ أن العلم إن لم يُحَطْ بأدب الطلب وتوقير المخالف يتحول إلى سببٍ للشقاق واستعلاء النفوس؛ فمتى ما اقترن الشغف بالمعرفة بالتواضع لله ورعاية أمانة الأخوة، استقامت بيئات الحوار، وغدت المجالس العلمية منارات توحيد ورشاد تصون دين الأمة وتورّث أجيالها خُلق الشريعة وسماحتها.

الجمع بين الأمانة العلمية وطهارة القلوب بالكوفة وحسن الأخلاق

تكتمل صورة التابعي الجليل زر بن حبيش لتكشف عن نموذجٍ فريد للعالم الذي لا يكتفي بحمل النص واستظهار الروايات، بل يقرن المعرفة بأدب السلوك وطهارة الوجدان، فهو الطالب الذي قطع الفيافي حثاً للخطى ونزولاً عند الصحابة الكرام يثني عندهم الركب، والعالم الذي أضحى حجّةً مرجعية في اللسان العربي وإقراء القرآن، والإنسان الذي شهد اضطراب عصره واختلاف الآراء، فلم يسمح لتلاطم الاجتهادات أن ينقض غزل الأخوة أو يوغر الصدور، لقد حمل العلم متسلحاً بأدب التلقي، وعاش الاختلاف دون أن يحمل الشحناء إلى القلوب، مجافيا المراء الذي يورث الضغائن، ومدركاً أن المعرفة الجافة التي لا تزينها مكارم الأخلاق قد تترك رسائل ومعلومات، لكنها تتهاوى دون بناء الإنسان وتوريث القدوة عبر الأجيال.

ويتجلى هذا الجمع الاستثنائي بين التحقيق المعرفي الشاهق ورعاية سلامة القلوب في سيرة التابعي الجليل سعيد بن جبير رحمه الله؛ إذ بالرغم من المحن الشديدة والصراعات العنيفة التي شهدها عصره، لم تشغله أهوال الفتن عن بث علوم القرآن والتفسير بحلمٍ وسعة صدر، متسامياً عن الأحقاد، وحريصاً على جمع كلمة الناس ونشر الرحمة بينهم، ومثل ذلك ما أثره الفضل في ترجمة التابعي الفقيه عروة بن الزبير رحمه الله؛ إذ كان حجة ثبتاً في حفظ الحديث والفقه النبوي، واقترن علمه بلين الجانب، وسعة الأفق، وحفظ مودة إخوانه وزوار مجالس علمه بالمدينة المنورة، مبرهناً على أن أمانة حمل الشريعة وإقرائها إنما تتوج بالتخلق بمكارم الأخلاق ورعاية حرمات القلوب.

ولم يكن هذا الأدب الرفيع الذي تحلى به زر بن حبيش مقصوراً على تعظيمه للصحابة الكرام رضي الله عنهم اعترافاً بعلو منزلتهم وفضلهم السابق على جيل التابعين فحسب، بل امتد ليتجلى في أدبه العالي وتواضعه مع أقرانه ونظرائه من التابعين في عصره؛ مما يقدم دلالة ساطعة على أن العلم النافع متى ما نازل القلوب رفع النفوس وزانها بالتواضع والخفض للمؤمنين جميعاً، تجرداً من رؤية الذات أو الاستعلاء بالمعرفة.

إن تجربة زر بن حبيش تضع أمام السالكين في طريق المعرفة السر الحقيقي لبقاء أثر العلماء وخلود هدايتهم؛ أن البناء العلمي المتين لا يستمر بالذكاء الفذ أو الحفظ المجرد وحدهما، بل بالروح الأخلاقية التي تسري في أروقة التعليم وتتألق عند نزول الخلاف، فمتى ما اقترن رسوخ الفهم بنقاء السريرة وحفظ حقوق الأخوة الإيمانية، أثمر العلم خيراً متعدياً، وتخرجت أجيالٌ تحمل أمانة الدين بعقولٍ واعية وقلوبٍ سليمة تصون اجتماع الأمة وتحفظ هوية حضارتها.

الهوامش
  • 1 زر بن حبيش بن حباشة الأسدي، أبو مريم، ولد في الجاهلية وهو من كبار التابعين والمخضرمين، اشتهر بالقرآن والقراءات ورواية الحديث، وكان من كبار أصحاب عبد الله بن مسعود، وعلي بن أبي طالب، سكن الكوفة وتوفي بها سنة 82هـ، وقد ناهز 127 سنة.
  • 2 سير أعلام النبلاء (4/ 167).
  • 3 أخرجه ابن سعد في «الطبقات الكبرى» (2/ 367)، والدارمي (590)، والحاكم (363) واللفظ لهم جميعاً.
  • 4 تاريخ دمشق: ابن عساكر (51/ 302).
  • 5 أخرجه مسلم (2362)، وأبو عوانة في «المستخرج على مسلم» (10417) كلاهما بلفظه، والطبراني (4424) (4/ 280) بلفظ مقارب.
  • 6 أخرجه أبو داود (4919)، والترمذي (2509) باختلاف يسير، وأحمد (6/ 444).
  • 7 سير السلف الصالحين (1/ 722).
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة