استقبال رمضان
لقد استدارت
الأيام وتوالت الجمع والشهور، وجاءنا رمضان من جديد وينبغي أن ننظر في حالنا هذه
المرة لنرى هل رمضان مهم بالنسبة لنا هذا العام؟ أم يتساوى مع الرمضانات التي مضت.
إن واقع الأمة
اليوم يقول: إننا نحن -المسلمين- استرخينا مع أنفسنا، سادت وسيطرت النفس الشريرة
النفس الأمارة بالسوء واستعبدتها الأهواء والشهوات!! ولم تعد تقيم وزناً لحساب أو
مساءلة أو جزاء، لم تعد تراقب الله -عز وجل- على النحو اللائق المطلوب.
الصيام يشعرنا
بمراقبة الله عز وجل ويعلمنا الإخلاص في العمل.
الرشوة على
أشدها، يستوي في ذلك بلدان المسلمين الفقيرة والغنية، وفي الحديث «لعن الله الراشي
والمرتشي والرائش»، والرائش هو الواسطة بينهما، أصناف ثلاثة مطرودون من رحمة الله
عز وجل.
انتشر أكل
الحرام، بيوت الربا على قارعة الطريق وفي الحديث «لعن الله آكل الربا وموكله
وكاتبه وشاهديه» خمسة أصناف ملعونون في الربا، مطرودون من رحمة الله -عز وجل-
الآكل والذي كان سبباً في إطعام الآخرين الربا، والكُتاب، والمدونون، والشهود!
الحقد، الحسد،
العداوة، البغضاء، نُقلت إلينا أمراض الأمم الأخرى، وفي الحديث «دب إليكم داء
الأمم قبلكم الحسد والبغضاء..» أو كما قال صلى الله عليه وسلم.
التطهر من الذنوب
إذاً حين يأتي
رمضان والنفس في خواء وفي خراب، والنفس أسيرة للشهوات والملذات والنفس لا تراقب
الله -عز وجل- والنفس لا تخاف العاقبة والمصير!! فله أهمية كبرى، لأن الشيطان أغرى
هذه النفس وبَعُدَ بها طويلا عن طريق الله عز وجل فصار وليها من دون الله (اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ ۚ
أُولَٰئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ ۚ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ
الْخَاسِرُونَ) (المجادلة: 19)، ورمضان بطبيعته فيه إعانة على التخلص من
العيوب، حسبنا أنه كغيره من الطاعات يعلمنا الخضوع والامتثال لأمر الله -عزوجل-
حتى لو لم نعلم الحكمة والمبرر قال تعالى: (فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ
فَلْيَصُمْهُ) (البقرة:185)، لا تقل لماذا؟ ما الذي يستفيده رب العزة من تجويع
الناس؟ أو من منع الناس من نسائهم؟ ما الذي يستفيده رب العزة من الطلب على لسان
نبيه صلى الله عليه وسلم أن نقوم الليل، وأن نتوسع من المعروف وأعمال البر؟ لا
نقول ذلك أبداً لله، إنما نقول سمعنا وأطعنا، يوم أن تقول الأمة سمعنا وأطعنا فهذه
بداية النجاح والفلاح.
نقول ذلك على
الصيام وعلى الزكاة وعلى الصلاة وعلى كل أعمال البر والمعروف، لماذا لا نشرب
الخمر؟ لا نقول لأنها تضر، ولكن لأن الله حرمها، لماذا لا نأكل الربا؟ لا نقول
لأنه يخرب البيوت، وإنما نقول لأن الله حرمه.
الإخلاص في العمل
يستطيع الإنسان
أن يتعلم المراقبة من خلال الصيام فقط، لا يطلع على ذلك إلا الله -سبحانه وتعالى-
لأنه ليس معك في هذا إلا الله فقط، حتى إذا كانت الشرطة تفتش على الناس هل ستعرف
أنك أكلت أم لا؟ لا يستطيع أحد أن يطلع على ذلك إلا المولي سبحانه ولذلك كان
الثمن: «كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به» مراقبة الله -عزوجل-
وحتى تكون الثمرة واضحة، يقول صلى الله عليه وسلم: «فَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ
أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ يَوْمَئِذٍ، وَلَا يَصْخَبْ، فَإِنَّ سَابَّهُ أَحَدٌ
أَوْ قَاتَلَهُ، فَلْيَقُلْ: إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ» أنا لا أرد عليك ضعفا، ولا
أرد عليك خوفا، إنما أريد أن أحافظ على الجهد الذي بذلته، أريد أن أحافظ على
الثمرة التي حصلتها...
أنا امتثلت أمر
الله، أنا لن أرد عليك طامعاً في ضبط أعصابي، في ضبط نفسي الأمارة بالسوء، النفس
الشريرة.
«فَإِذَا كَانَ
يَوْمُ صَوْمٍ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُتْ يَوْمَئِذٍ، وَلا يَصْخَبْ، فَإِنْ
سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ، فَلْيَقُلُ: إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ» أو كما قال
صلى الله عليه وسلم.
أبواب البر والمعروف
وأيضا نحن بحاجة
إلى ماذا؟ أبواب البر والمعروف.. عندنا قيام الليل، وأذكار الصباح والمساء، وعندنا
قراءة القرآن الكريم وعندنا أداء الزكاة، إن كان الناس يؤدون زكاتهم في هذا الوقت،
وعندنا السعي في حوائج الناس، وعندنا الاعتكاف وعندنا وعندنا... أعمال كثيرة، تكون
سبباً في ماذا؟! تكون سبباً في إجابة الدعاء لنا، فقد قال تعالى: (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ
وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ) (البقرة:152)، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس:
«يا غلام احفظ الله يحفظك» نحن في رمضان نزداد حفظاً لحدود الله ولشرع الله فإذا
المولى سبحانه وتعالى يقف إلى جوارنا حينما ندعوه يستجيب لنا ولو دعوة، يجيب دعوة
لنصرة هؤلاء المظلومين لنصرة هؤلاء الذين تنمر لهم أهل الأرض وكشروا لهم عن
أنيابهم، وتخاذل الآخرون فلم ينصروهم، يقول الله لهم إذا تخلى عنكم البشر جميعا؛
فأنا سأنصركم ونصري ليس صعباً للعباد: (سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرَّعْبَ) (الأنفال: 12)، سأنزل الملائكة.
فرص متاحة
في رمضان معاني
كثيرة، ويعيننا رب العزة بأن جعل أبواب الجنة مفتوحة، وأي عمل سيدخلك الجنة،
وأبواب النار مغلقة وصعب أن تدخل النار، والشياطين مسلسلة وَمَرَدتُها، لا يوجد
إلا شياطين الإنس ولا تخافوهم أبداً: (فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونَ إِن
كُنتُم مُؤْمِنِينَ) (آل عمران: 175)، هكذا يعلمنا رب العزة سبحانه
الإمكانات متاحة في شهر رمضان حتى نغتنم الفرص من هذا الشهر ونعوض ما فاتنا، ونعود
مرة أخرى إلى سيرتنا التي كان ينبغي أن نكون عليها سيرة الفطرة (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً
فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ
اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) (الروم: 30).
نُذكر بحديث
رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمٍ أَحَدِكُمْ فَلَا
يَرْفُتْ يَوْمَئِذٍ، وَلَا يَصْخَبْ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ،
فَلْيَقْل: إِنِّي امْرُو صَائِمٌ».
لقد أقبل رمضان
وعلينا الاستعداد لاستقباله، بداية الاستعداد التوبة، بداية الاستعداد محاسبة
النفس، بداية الاستعداد الإقلاع عن الذنوب والمعاصي والسيئات صغيرها وكبيرها،
ظاهرها وباطنها، ورد المظالم إلى أصحابها ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً.. والعزم
الأكيد على عدم الرجوع إلى المعاصي ولو قطعنا وحرقنا بالنار.
أما الخطوة
الثانية: أخذ نفس طويل أننا سننتفع برمضان، وسيكون الانتفاع بكل لحظة من عمرنا،
وبكل ما من الله -عز وجل- به علينا من إمكانات ومن مال، إذاً نحن صنعنا ذلك إن شاء
الله نرجو أن ننتفع بشهر رمضان.
أوراد المحاسبة
لا بد أن نتابع
في أوراد المحاسبة قبل الدخول في هذا الشهر الكريم وخلاله بعض الأمور:
البند الأول:
الصوم والصلاة والقرآن الكريم، وأذكار الصباح والمساء، والاستغفار والتوبة.
البند الثاني:
حق نفسك، ترى هل تأكل بقدر أم تفتحها في الطعام والشراب؟
البند الثالث:
حق الأبوين ترى هل هناك عقوق أم بر؟!، وإن كان فيه عقوق كيف نتدارك ذلك؟!
البند الرابع:
حق الأهل والأولاد تهتم بأولادك أم تتركهم؟! وتهتم بزوجتك أم لا؟!
البند الخامس:
الأقارب والأرحام، هل تصلهم وتبرهم أم لا؟
البند السادس:
الجيران مسلمين أو غير مسلمين، هل تعطيهم حقهم أم تبغي عليهم وتضايقهم؟
البند السابع:
الأعداء أنفسهم لهم علينا حق النصيحة، وإن كانوا لا يحاربوننا وهم أعداء لا
نؤذيهم، وإن كانوا يؤذوننا نفوض الأمر فيهم إلى الله، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
البند الثامن:
حق الجمادات تكرم الدابة التي تركب من سيارة وغيرها... فتكرمها وتملأها «بنزين»،
وتصلحها، البيت الذي تعيش فيه، هل تنظفه وتهتم به أم لا؟
البند التاسع:
حق الإسلام عليك، وهل تهتم بالإسلام كأي ولد من أولادك؟ والله لو اهتممنا بالإسلام
كأي ولد من أولادنا لكان للإسلام شأن عظيم.
البند العاشر: حق من له حق عليك حق النبي علينا من اتباع سنته، والاطلاع على سيرته، والاقتداء به صلى الله عليه وسلم([^1]).
للمزيد:
- العمرة في رمضان.. 6 فضائل وأحكام
- خطط لرمضان
- فضل شهر رمضان.. 10 نفحات إلهية
- تهيئة النفوس لاستقبال سيد الشهور
- الصوم.. تهذيب لا تعذيب
- شهر شعبان استقبال لشهر رمضان
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً