الصراحة المهذبة في مجالس العلم
عبد الله بن بريدة.. حكمة لا تخلو من طرافة
يروي الإمام
الذهبي، في «سير أعلام النبلاء»، خبرًا عن عبد الله بن بريدة(1)؛ حيث قَالَ
أَبُو تُمَيْلَةَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمُؤْمِنِ بْنُ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ
بُرَيْدَةَ قَالَ: «يَنْبَغِي لِلرَّجُلِ أَنْ يَتَعَاهَدَ مِنْ نَفْسِهِ
ثَلَاثَةَ أَشْيَاءَ لَا يَدَعُهَا: الْمَشْيُ، فَإِنِ احْتَاجَهُ وَجَدَهُ،
وَأَنْ لَا يَدَعَ الْأَكْلَ فَإِنَّ أَمْعَاءَهُ تَضِيقُ، وَأَنْ لَا يَدَعَ
الْجِمَاعَ، فَإِنَّ الْبِئْرَ إِذَا لَمْ تُنْزَعْ ذَهَبَ مَاؤُهَا»، قُلْتُ:
يَفْعَلُ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ بِاقْتِصَادٍ، وَلَا سِيَّمَا الْجِمَاعُ، إِذَا
شَاخَ، فَتَرْكُهُ أَوْلَى(2).
قد يتوقع قارئ
تراجم العلماء أن يجد في كل صفحة مسألة حديثية أو موقفًا من مواقف العبادة؛ فإذا
به أمام نصيحة أوردها التابعي الجليل عبد الله بن بريدة تتعلق بالمشي والطعام
والعلاقة الزوجية، تنتهي بتشبيه بليغ بالبئر، ثم يعقب عليها الإمام الذهبي بكلمات
قليلة تعيد الكلام إلى الاعتدال، وهذه المفاجأة الصغيرة تكشف جانبًا يستحق النظر:
أن وقار العالم لا يستلزم الجفاف، وأن الكلام النافع قد يأتي صريحًا لطيفًا، دون
أن يفقد أدبه أو جديته.
والطرافة هنا
تكمن في طريقة عرض الحكمة وتجاور القول والتعقيب؛ فنص عبد الله بن بريدة لا يصف
مجلس ضحك، ولا يصرّح بأنه قصد المزاح، كما أن المقولة هي من كلام عبدالله بن بريدة
في تدبير البدن وليست حديثًا نبويًا، بينما عبارة «قلت» هي تعقيب من الذهبي، ومن
هذا التمييز تبدأ القراءة: نستمتع بلطافة البيان، ونستفيد من المعنى، دون أن نحول
الخبرة المروية عن عبدالله بن بريدة إلى وصفة طبية ملزمة.
كيف صنع عبد الله بن بريدة هيبة العالم؟
عبد الله بن
بريدة، أبو سهل الأسلمي، من أعيان علماء التابعين، وقد وصفه الذهبي بأنه شيخ مرو
وقاضيها، وذكر وفاته سنة خمس عشرة ومائة، وفي ترجمة عبد الله بن بريدة نفسها التي
تسرد شيوخه وتلاميذه وأقوال النقاد فيه، حفظت كتب التراث هذه النصيحة المتعلقة
بحياة الإنسان اليومية، فكأن صفحة الترجمة تأبى أن تختصر صاحبها في وظيفته العلمية
وحدها.
وهنا تتضح فائدة
النظر إلى العالم بوصفه إنسانًا: له علم يحمله، وبدن يتعاهده، وبيت يعيش فيه،
وتجارب يتحدث عنها، وليس في الاعتراف بهذه الجوانب انتقاص من منزلة عبدالله بن
بريدة؛ إنما الانتقاص أن نتصور أن احترامه لا يستقيم إلا بعد تجريده من حاجاته
الإنسانية وطرائق حديثه المألوفة.
وللمعنى نظير
فيما نقله الذهبي عن محمد بن سيرين؛ فقد وصفه يونس بأنه كان صاحب ضحك ومزاح، ونقل
في الترجمة نفسها شدة تحرزه عند السؤال عن الحلال والحرام، فتجاور الخبرين يرسم
صورة لا تتناقض فيها لطافة المعاشرة مع ثقل المسؤولية العلمية.
وهذا جرير يقول:
مَا حَجَبَنِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مُنْذُ أَسْلَمْتُ وَلَا رَآنِي
إِلَّا تَبَسَّمَ فِي وَجْهِي(3)؛ فالبشاشة لا تجرح الهيبة بذاتها، كما
أن العبوس لا ينشئها من العدم؛ إنما تستقر الهيبة حين يثق الناس بعلم صاحبها وصدقه
وعدله، إن المعيار في تقييم المعلم هو حسن أداء العلم وحفظ حقوق الناس، لا إلزام
الجميع بملامح شخصية واحدة.
مفارقة نضوب البئر بين الإهمال والاستهلاك البشري
تبدأ مقولة عبد الله
بن بريدة بداية عملية: تعهد المشي حتى تبقى القدرة عليه عند الحاجة، ثم تنتقل إلى
الطعام، قبل أن تبلغ الشأن الأخص، فتأتي صورة البئر بدل الاسترسال في التفاصيل، وهذا
الانتقال من نصيحة مباشرة إلى تشبيه محسوس هو موضع اللطافة الأبرز في عبارة عبدالله
بن بريدة.
لقد سُمّي
الجماع صراحة، ثم جاء التعليل في صورة بيئية مألوفة: بئر يُستخرج ماؤها، فليس
الكلام كله كناية، ولا هو وصف تفصيلي لشأن حميم؛ بل جمع عبدالله بن بريدة بين وضوح
الموضوع ولطف الصورة، حيث يستطيع السامع أن يفهم المقصود دون أن يحتاج المتكلم إلى
كشف ما لا يخدم النصيحة.
وفي تشبيه عبد الله
بن بريدة مفارقة تستوقف الذهن؛ فالمعتاد أن نخشى على الشيء من كثرة استهلاكه،
بينما يصور القول الخشية عليه من الإهمال، وهذه المفارقة تمنح العبارة قابلية
للتذكر، وتدعو القارئ إلى تأمل فكرة تعهد القدرة بدل افتراض بقائها من غير عناية، أما
تعميم ذلك على وظائف البدن كلها، فمسألة أخرى لا يثبتها جمال التشبيه؛ «إِنَّمَا
مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ، وَالْجَلِيسِ السَّوْءِ كَحَامِلِ الْمِسْكِ،
وَنَافِخِ الْكِير»(4).
وهذا لون من
الطرافة لا يحتاج إلى سخرية من أحد؛ فالابتسامة تأتي من حسن الانتقال ودقة الصورة،
لا من جعل إنسان موضوعًا للإضحاك، وربما كان هذا أقرب إلى روح التظرف المحمود: خفة
في أداء المعنى، لا خفة بالمعنى نفسه.
حديث البضع النبوي وتأصيل الصراحة المهذبة للأمة
يستوقف بعض
القراء أن تَرِد كلمة «الجماع» في كلام عالم وقاضٍ مثل عبد الله بن بريدة، مع أنها
هنا جزء من حديث عن شؤون البدن، ومصدر الاستغراب قد يكون تصورًا يجعل مجرد تسمية
الأمر الخاص خروجًا عن الأدب، دون نظر إلى الغرض وطريقة البيان.
والأصل الشرعي
يقدم مثالًا أوضح على الصراحة المهذبة في وصف أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها
لنساء الأنصار: «نِعْمَ النِّسَاءُ نِسَاءُ الْأَنْصَارِ؛ لَمْ يَكُنْ
يَمْنَعُهُنَّ الْحَيَاءُ أَنْ يَتَفَقَّهْنَ فِي الدِّينِ»(5)، ولم
يمنع الحياء بيان المسألة، ولم يحتج بيانها إلى ابتذال، وهذا هو الفرق الذي نحتاج
إلى حفظه: فالكلام عن العلاقة الزوجية لأجل الفهم أو الإصلاح أو العلاج ليس
كالكلام الذي يتخذها مادة للإثارة أو التندر بأسرار الناس.
ومن هذه الزاوية
تُقرأ عبارة عبد الله بن بريدة؛ فهي تتناول شأنًا بشريًّا دون أن تروي خصوصيات شخص
بعينه، ولا يصح أن نجعل صراحتها إذنًا بالسؤال المتطفل، أو باستدراج الناس إلى
الحديث عما يكرهون كشفه، فهذه أم سلمة، تحدثنا كيف كانت النساء تسأل وتتعلم من
رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو لا
يمتنع على الإجابة؛ بل يحرص على أن يجيبهن: جَاءَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ إِلَى رَسُولِ
اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ لَا
يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ، فَهَلْ عَلَى الْمَرْأَةِ مِنْ غُسْلٍ إِذَا
احْتَلَمَتْ؟ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «إِذَا رَأَتِ الْمَاءَ»، فَغَطَّتْ
أُمُّ سَلَمَةَ، تَعْنِي وَجْهَهَا، وَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَتَحْتَلِمُ
الْمَرْأَةُ؟ قَالَ: «نَعَمْ، تَرِبَتْ يَمِينُكِ، فَبِمَ يُشْبِهُهَا وَلَدُهَا»(6)،
وفي الأسرة، يمكن أن يجد السؤال الحساس جوابًا واضحًا يناسب عمر السائل وحاجته،
بدل أن يُقابل بالتوبيخ لمجرد وروده، وبين الزوجين، يمكن أن يكون الحديث عن الراحة
والرغبة وما يعتري الحياة من تغير حديث مودة وتفاهم، لا موضع خجل يمنع البيان ولا
وسيلة ضغط على أحد الطرفين، فالأدب ليس إخفاء كل ما يتصل بالجسد؛ بل معرفة ما يُقال،
ولمن يُقال، ولماذا يُقال.
لماذا لا يناقض تعهد الجسد حقيقة الزهد؟
يجمع قول عبد الله
بن بريدة بين الحركة والغذاء والعلاقة الزوجية تحت لفظ واحد: «يتعاهد»، وهو لفظ
يوجه النظر إلى العناية المستمرة، لا إلى الاسترسال في المتع، فالقدرة في قراءة عبدالله
بن بريدة شيء يُرعى، وليس مجرد مورد يُستهلك حتى ينفد.
ومن الخطأ أن
يُستخرج من مقولة عبد الله بن بريدة برنامج تعبدي، أو أن تُجعل معارضة للصيام
المشروع؛ فهي ليست نصًّا في ترتيب العبادات، أما الميزان الشرعي في الجمع بين
العبادة وحقوق البدن، فقد جاء صريحًا: «فَإِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا،
وَإِنَّ لِعَيْنِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا»(7).
يرد هذا التوجيه
على تصور يجعل مزيد الإنهاك علامة لازمة على مزيد التدين، فالحق الذي للبذل ليس
منافسًا للعبادة، وإنما هو من الحقوق التي جاءت السُّنة ببيانها، وكذلك حق الزوجة
لا يسقط لأن صاحبه مشغول بعمل يراه جليلًا، (فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ
عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُم مَّرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ
يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ) (المزمل: 20)، وفي حياة طالب العلم أو المعلم، قد يقع إهمال الطعام
والراحة والحركة تحت اسم الانشغال بالمهمات، ولا يلزم أن يكون كل تعب خطأ، لكن
المشكلة حين يتحول الإهمال إلى مفخرة، أو يُنظر إلى مراعاة القدرة كأنها ضعف همة.
وما يمكن
استلهامه من لفظ «التعاهد» عند عبدالله بن بريدة أن تكون للإنسان عناية بما يعينه
على استمرار النفع، لا يلزمه أن يجعل صحته مشروعه الوحيد، ولا أن يشعر بالذنب حين
يحتاج إلى الراحة؛ إنما يطلب التوازن الذي يحفظ العمل وصاحبه.
كلمة قلت تؤصل أدب الاستدراك بلا خصومة
بعد الصورة التي
ختم بها عبدالله بن بريدة كلامه، يدخل صوت الذهبي: «يفعل هذه الأشياء باقتصاد»، لم
يحذف المقولة، ولم يتركها بلا تعليق؛ بل أبقاها وأضاف كلمة تضبط فهمها، والاقتصاد
هنا هو الاعتدال، لا مجرد تقليل النفقة.
وفي تجاور عبارة
عبد الله بن بريدة وتعقيب الذهبي مفارقة لطيفة: القول الأول ينبه إلى عدم الإهمال،
والتعقيب ينبه إلى عدم الإسراف، وكأن القارئ ينتقل من تذكر ما قد يضيعه بالتعطيل
إلى تذكر ما قد يضيعه بالمبالغة.
تكامل الرأي: خص
الذهبي الجماع عند الشيخوخة بتعليق آخر، موضحًا أنه لا ينقل كلام عبدالله بن بريدة
بوصفه قاعدة تستوي فيها جميع الأحوال.
الضبط التربوي:
يظل ترجيح الذهبي رأيه في تدبير البدن، فلا يصح تحويله إلى تحريم شرعي أو توصية
طبية عامة لكل كبير سن.
أدب النقد:
التعقيب لم يتحول إلى خصومة مع صاحب القول؛ فهو تعديل موجز لا يطرد لطافة العبارة،
ويتيح للقارئ أن يجمع بين تقدير المنقول والنظر فيه.
وفي مجالس
التعليم، يمكن أن يُصحَّح إطلاق لطيف بعبارة لطيفة، بدل إفساد المجلس بمحاكمة
المتكلم، وقد تكون زيادة قيد أو بيان استثناء أنفع من رد طويل يوهم أن كل ما قيل
خطأ، فحسن النقد لا يقاس بغلظته، بل بقدرته على إعادة المعنى إلى موضعه.
التمييز بين صحة الإسناد والحقائق الطبية العلمية
لا تكتمل أمانة
قراءة هذا النص دون التمييز بين رواية الحكمة والتحقق من تعليلها، فقد أورد الذهبي
قول عبدالله بن بريدة ابتداء من أبي تميلة، ولم يسق في هذا الموضع طريقه إليه
كاملًا؛ ولذلك لا يكفي المقتطف وحده لإطلاق حكم على الإسناد الكامل بالصحة.
وحتى مع ثبوت
نسبة القول إلى عبدالله بن بريدة، لا تصبح جميع تفسيراته المتعلقة بالبدن حقائق
طبية ملزمة، فصدق النقل يجيب عن سؤال: هل قاله؟ أما صحة التعليل فتحتاج إلى بحث
آخر يناسب مجاله التجريبي، «أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأُمُورِ دُنْيَاكُمْ»(8).
- النشاط
البدني: تؤكد المؤسسات الطبية نفع النشاط البدني المنتظم للصحة، لكن هذا لا يثبت
بمجرده صحة تفسير تضيق الأمعاء.
- التشابه
البياني: لا يجعل تشبيه البئر دليلًا قاطعًا على أن الامتناع يذهب بالقدرة حتمًا،
فهذه دعاوى تحتاج أدلة مستقلة.
- التقدم في
السن: لا يُتخذ التقدم في العمر وحده سببًا عامًا لترك العلاقة الزوجية؛
فالإرشادات الطبية المعاصرة تبين إمكان استمرار حياة جنسية مُرضية مع مراعاة
الحالة الصحية.
ومن هنا نحفظ
لقول عبد الله بن بريدة موضعه؛ خبرة مروية ذات صياغة لطيفة، لا وصفة تُفرض على
الأبدان المختلفة، ونحفظ للذهبي حقه في إبداء الرأي دون تحويله لقاعدة، وما يحتاج
إلى تشخيص يُسأل عنه المختص.
كيف تبهج الناس دون استخفاف بكرامة أحد؟
بعد تمييز
الحكمة من الوصفة، يبقى السؤال عن أدب الطرافة نفسها، فليست كل عبارة تثير الضحك
حسنة، ولا كل دعابة تناسب مجلسًا تصلح لكل مجلس، وقد يكون المتكلم ظريفًا في
اختيار الصورة، لكنه يفسد أثرها حين يجعل خصوصيات الحاضرين مادة لها، كَانَ
أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَتَبَادَحُونَ بِالْبِطِّيخِ
وَيَضْحَكُونَ، فَإِذَا كَانَتِ الْحَقَائِقُ وَالْجِدُّ كَانُوا هُمُ الرِّجَالَ(9)،
فهذا أصل يجمع إمكان المداعبة وبقاء المودة؛ فلا يحتاج اللطف إلى اختلاق خبر، ولا
إلى نسبة كلمة لم يقلها صاحبها، ولا إلى استخفاف بعيب أو ضعف، «أَتَأْكُلُ
التَّمْرَ وَبِكَ رَمَدٌ؟»، فَقَالَ صُهَيْبٌ: إِنَّمَا آكُلُ عَلَى شِقِّي
الصَّحِيحِ الَّذِي لَيْسَ بِهِ رَمَدٌ، قَالَ: فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ صلى الله
عليه وسلم(10).
وعلى هذا المعنى
يمكن أن نستفيد من تشبيه عبد الله بن بريدة؛ نلتفت إلى حسن العبارة، دون أن نحولها
إلى باب للسخرية من الشيخوخة أو أحوال المتزوجين، فالتظرف الذي يحفظ الكرامة يترك
في المجلس ألفة، أما الذي يتكئ على إحراج الحاضرين فيجعل الراحة على حسابهم.
وفي الدرس
والخطبة والإعلام، يستطيع المتحدث أن يخفف ثقل العرض بمثال أو مفارقة صادقة، أن
يبتسم السامع ثم يفهم، خير من أن يضحك وينسى لماذا اجتمع.
إنسانية العالم بين صرامة التلقي ولطائف المعاشرة
لو اقتُطعت
الجملة المتعلقة بالجماع وحدها، أمكن أن تُعرض مقولة عبدالله بن بريدة كأنها طرفة
لا غرض لها إلا الإضحاك، ولو حُذفت جميع هذه الأخبار من تراجم العلماء، أمكن أن
تظهر حياتهم كأنها خالية من شؤون البدن ولطائف الحديث، وفي الحالين تضيع الصورة
الأوسع.
فالقراءة
الأمينة تبقي نصيحة عبدالله بن بريدة والتشبيه وتعقيب الذهبي معًا: عالم يتحدث في
تدبير الحياة، وعبارة تحمل لطافة، ومؤرخ يعقب بما يراه أقرب إلى الاعتدال، لا
تحتاج هذه الصورة إلى المبالغة في جعل صاحبها طبيبًا سابقًا لعصره، «كَانَ بَشَرًا
مِنَ الْبَشَرِ؛ يَخِيطُ ثَوْبَهُ، وَيَخْصِفُ نَعْلَهُ، وَيَكُونُ فِي مِهْنَةِ
أَهْلِهِ».
وفي تقديم
القدوات للشباب، من المفيد أن يروا العلم قريبًا من الحياة، لا منفصلًا عنها، فالمعلم
الذي يجيب عن السؤال بأدب، ويبتسم دون استخفاف، ويعترف بحدود معرفته، يقدم صورة
عملية لاجتماع الوقار والإنصاف وحسن المعاشرة؛ (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ
كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ) (آل عمران: 159)،
ومن المهم كذلك ألا نُلزم كل عالم بدور الظريف؛ فالطرافة سجية وقدرة، وليست شرطًا
في العلم، المقصود ألا ننكرها حيث جاءت حسنة، وألا نجعلها فضيلة تبرر ضعف التحري.
كيف تتسع هيبة العلم لمطالب الفطرة الإنسانية؟
استعرض المقال تجربة متوازنة تراعي البعد الإنساني في حياة أهل العلم، مؤكدًا على الزاوية الرئيسة: وهي أن وقار العالم لا ينافي طلاقة وجهه وصراحة نصحه في شؤون البدن كما ظهر في مقولة عبدالله بن بريدة، وأن الحكمة قد تأتي في قالب لطيف يجمع بين البشاشة والجدية، ويسلط النص الضوء على ضرورة التمييز الدقيق بين المرويات التاريخية والتعليمات الطبية الملزمة، مع التأكيد على أدب النقد والتعقيب الهادئ الذي يضيف القيد والشرط دون إفساد للمجلس أو انتقاص من المتكلم، تقدم هذه الوقفات صورة متكاملة ترعى الجسد وتصون العلم وتنقل القدوة إلى الناس بأسلوب سمح يجمع بين صراحة عبدالله بن بريدة واعتدال الإمام الذهبي.
الهوامش
- 1 عبدالله بن بريدة بن الحُصيب الأسلمي، كنيته أبو سهل، تابعي جليل وإمام ثقة وُلد في خلافة عمر (نحو 15هـ)، اشتُهر بسعة رواية الحديث النبوي، والفقه، وتولّيه قضاء مرو، استوطن مرو بخراسان داراً وسكناً، وتوفي بها سنة 115هـ عن 100 عام.
- 2 سير أعلام النبلاء (5/ 51).
- 3 صحيح مسلم (7/ 157/ 2475).
- 4 صحيح مسلم (8/ 37/ 2628).
- 5 مستخرج أبي عوانة (1/ 265/ 920).
- 6 صحيح البخاري (1/ 60/ 130).
- 7 صحيح البخاري (7/ 31/ 5199).
- 8 مسند البزار (13/ 355/ 6992).
- 9 الأدب المفرد (102/ 266)، وقال البخاري: صحيح.
- 10 المستدرك على الصحيحين (7/ 112/ 5821).
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً