استهداف مسجد «شاهي» بالهند حلقة في مسلسل اضطهاد المسلمين
منذ تولي حزب «بهاراتيا جانتا» الحكم في الهند، تتصاعد في البلاد موجة غير مسبوقة من التضييق الممنهج على
الوجود الإسلامي ومعالمه التاريخية والدينية، في إطار سياسات تنفذها أجهزة الدولة
وتستهدف تجريف الهوية الثقافية والمعمارية للمسلمين الذين يتجاوز عددها 200 مليون
نسمة.
فلم تعد
النزاعات المرتبطة بالمقدسات مجرد استثناءات فردية، بل تحولت إلى ظاهرة تحظى بغطاء
إداري وقضائي وسياسي، وتأتي المحاولة الأخيرة لإزالة أجزاء رئيسة من مسجد «شاهي»
التاريخي في مدينة أوجاين بولاية ماديا براديش لتشكل شلواً جديداً في سلسلة طويلة
من الانتهاكات التي تتستر بذرائع التطوير والمصلحة العامة لتنفيذ أجندات إقصائية
ذات طابع قومي هندوسي متطرف.
مسجد «شاهي».. صرح إسلامي تاريخي ووقف أثري أصيل
يعتبر مسجد «شاهي»
في مدينة أوجاين واحداً من أبرز المعالم الإسلامية والأوقاف الموثقة في الولاية؛
إذ يمتد تاريخ تشييده إلى نحو 636 عاماً (فقد تم إنشاؤه تحديداً في عام 1390م)، والمبنى
ليس مجرد مكان لأداء الصلوات، ولكنه وثيقة معمارية حية تشهد على العصور الإسلامية
المتعاقبة وحضارتها في شبه القارة الهندية، فضلاً عن كونه مسجلاً رسمياً كـ«وقف
إسلامي» يحظر دستورياً وقانونياً المساس بملكيته أو اقتطاع أجزاء منه، يعتبر
المسجد صرحاً دينياً متكاملاً يتألف من قاعة الصلاة الرئيسة، ومئذنة شامخة يبلغ
ارتفاعها 120 قدماً، إضافة إلى موقع مظهر تشوك شاهي الأثري.
ذرائع واهية للهدم والتخريب
دأبت السلطات
الهندية في السنوات الأخيرة على ابتكار وتوظيف منظومة من الذرائع المتنوعة لتبرير
هدم المساجد والمؤسسات الإسلامية، ويمكن تصنيف أبرز هذه الحجج في النقاط التالية:
1- مشروعات
التوسعة والتطوير الحضري: تستخدم مخططات تنظيم الطرق والتنمية العمرانية كغطاء
لاستهداف المباني الدينية المسلمة الممتدة لقرون.
2- ادعاءات
متهافتة بالمخالفات والتعديات: تقوم السلطات الهندية المتطرفة بتوجيه اتهامات آنية
للمساجد التاريخية بالبناء بغير ترخيص أو التعدي على أملاك الدولة، وتتجاهل وثائق
الوقف الرسمية والوثائق التاريخية.
3- مزاعم الأصول
التاريخية الهندوسية: دأبت السلطات الهندية على إثارة دعاوى كاذبة حول وجود معابد
هندوسية قديمة تحت القواعد المعمارية للمساجد (على غرار ما حدث في مسجدي «بابري»،
و«جيانفابي»).
4- دبلوماسية
البلدوزرات: تطبق السلطات الهندية المتطرفة سياسة العقاب الجماعي عبر هدم المنشآت
الملحقة بالمساجد والمراكز الإسلامية إثر أي توترات أو احتجاجات شعبية.
حصيلة هدم المساجد والبيوت وتشريد الأسر
تظهر الإحصاءات
والتقارير الميدانية حجم الحملة الشاملة التي تعرضت لها الأوقاف والممتلكات
الإسلامية في عموم الهند خلال العقد الأخير:
1- هدم المساجد والأوقاف:
تعرضت مئات
المساجد والمصليات والمقابر والأضرحة الإسلامية للهدم الكلي أو الجزئي في ولايات
متعددة (أبرزها أتر براديش، وماديا براديش، ونيودلهي، وغوجارات)، سواء عبر قرارات
إدارية بالتوسعة أو من خلال اعتداءات الجماعات الهندوسية المتطرفة.
2- تدمير المنازل والعقاب الجماعي:
وثقت منظمات
حقوقية هدم آلاف المنازل والمنشآت التجارية المملوكة للمسلمين تحت مظلة سياسة
الجرافات، حيث تُهدم بيوت عائلات بأكملها بناءً على اتهامات غير مثبتة للمشاركين
في الاحتجاجات.
3- تشريد العائلات:
تسببت عمليات
الهدم المباشرة في تشريد آلاف الأسر المسلمة وفقدانها لمصادر رزقها وأملاكها دون
توفير بدائل أو التعويض العادل؛ ما أدى إلى تعميق الأزمات المعيشية والاجتماعية
لدى الفئات المستضعفة.
محاولة هدم مسجد شاهي في أوجاين.. حجج متهافتة واحتجاج صامد
تصاعدت الأحداث
في مدينة أوجاين عقب إعلان البلدية عن خطة لتوسيع الطريق ليصل عرضه إلى 15 متراً
تمهيداً لمهرجان سيمهاستا 2028 الديني الهندوسي، ضمن خطة تنمية المدينة لعام 2035،
نظراً لوقوع المسجد مقابل معبد ماهاكاليشوار وبالقرب من نهر كشيبرا، وتشمل خطة الإزالة
اقتطاع جزء من قاعة الصلاة، وهدم المئذنة البالغ ارتفاعها 120 قدماً، وموقع مظهر
تشوك شاهي.
وأمام هذا
المخطط، اندلعت احتجاجات واسعة؛ حيث تجمع أفراد المجتمع المسلم المحلي في المسجد
وبقوا فيه طوال الليل لمنع تنفيذ الهدم؛ ما أجبر الإدارة المحلية والشرطة على
تعليق العملية مؤقتاً.
وتتجلى زيف
الحجج والممارسات الإدارية في هذا الملف من خلال عدة نقاط أهمها:
1- تجاهل البدائل الهندسية المتاحة:
تتجلى إشكالية
مخطط التوسعة في صبّ التركيز على الاقتطاع من المسجد التاريخي بدلاً من البحث عن
حلول معمارية وهندسية مرنة، وقد عبر الأهالي ولجنة تمثيل المسلمين عن استغرابهم
الشديد من غياب التخطيط المتوازن، حيث كان بإمكان السلطات توسيع الطريق عبر
الاستحواذ على المبنى المقابل للمسجد مباشرة، مما يضمن تحقيق الهدف التنظيمي ودون
المساس بالمعلم الأثري والديني.
2- طبيعة الأملاك الوقفية والحرمة الشرعية:
تكتسب قضية
المسجد بعداً قانونياً وشرعياً حاسماً يرتبط بطبيعة الملكية الوقفية التي لا تجيز
التنازل عن دور العبادة أو اقتطاع أجزاء منها، وأكد إمام المسجد وممثلو المجتمع
المحلي أن الأهالي أبدوا مرونة فائقة سابقاً ووافقوا على التنازل عن متاجر ومحلاّت
تجارية لأغراض تطوير المنطقة، إلا أن المساجد المسجلة كأوقاف دينية تمتلك حرمة
شرعية وقانونية تمنع التفريط بأي جزء من قاعاتها أو مآذنها.
3- المسار القضائي والتصعيد القانوني:
رغم مواجهة
الالتماسات الأولية بالرفض من قبل المحكمة العليا في ولاية ماديا براديش استناداً
إلى ذرائع المصلحة العامة والإجراءات التنظيمية، فإن إدارة المسجد لم تتوقف عن
السعي لنيل الإنصاف، فقد اتجهت اللجنة إلى رفع استئناف أمام هيئة قضائية أعلى، مع
التلويح الصريح باللجوء إلى المحكمة العليا الفيدرالية لحماية الوقف الإسلامي
وتثبيت حقوق المسلمين الدستورية.
وقد أيد رئيس
حزب عموم الهند لاتحاد المسلمين، أسد الدين عويسي، الاعتصام السلمي، محذراً من أن
هذه المحاولات ترتبط مباشرة بمشروع قانون تعديل قانون الأوقاف، الذي يهدف لتعزيز
صلاحيات المسؤولين الحكوميين لمصادرة الأوقاف والممتلكات الإسلامية وتسهيل السيطرة
عليها.
دعم الحزب الحاكم لسياسات «آر إس إس» الهندوسية
لا يمكن فصل
مساعي هدم مسجد شاهي عن الإطار السياسي العام في الهند؛ حيث يحظى هذا التوجه بدعم
وطيد من الحزب الحاكم حزب بهاراتيا جاناتا الذي يتبنى أيديولوجيا الهندوتفا (القومية
الهندوسية) الصادرة عن منظمة راشتريا سوايامسيفاك سانغ (آر إس إس) المتطرفة.
وتسعى هذه
المنظمة التاريخية إلى تحويل الهند من دولة علمانية متعددة الأديان إلى أمة
هندوسية خالص (هندو راشترا)، عبر تهميش المكونات الأخرى للأمة الهندية واستعادة ما
تصفه بـ«الأماد» والمقدسات الهندوسية الضائعة، ويتحول القضاء والأجهزة التنفيذية
في الولايات التي يحكمها الحزب إلى أدوات لتمرير هذه السياسات، عبر إضفاء شرعية
شكلية على قرارات الإزالة والتهجير القسري.
الصمت الدولي وتجاهل الانتهاكات ضد المسلمين
رغم توثيق
منظمات حقوق الإنسان الدولية (مثل العفو الدولية، وهيومان رايتس ووتش) والتقارير
الأممية لهذه الانتهاكات الممنهجة، يستمر الصمت الدولي والتجاهل السياسي من قبل
الدول الكبرى والمؤسسات الأممية، وهكذا تغلب العديد من القوى الدولية المصالح
الاقتصادية والجيوسياسية والعلاقات التجارية مع الهند على ملف حقوق الإنسان؛ ما
يمنح الحكومة الهندية ضوءاً أخضر غير مباشر لمواصلة خرق القوانين الدولية
والاعتداء على الحريات الدينية للمسلمين دون خشية من المساءلة أو العقوبات.
وهكذا، فإن محاولة هدم أجزاء من مسجد شاهي التاريخي في أوجاين ليست حادثة عابرة أو إجراء تنظيمياً مجرداً، بل هي حلقة جديدة في سلسلة الممارسات العنصرية والممنهجة التي تستهدف اقتلاع التراث الإسلامي وتجريد المسلمين الهنود من حقوقهم الدستورية والمكفولة، فالدفاع عن المساجد والأوقاف التاريخية في الهند لم يعد مجرد مطلب محلي، بل هو قضية إنسانية وحقوقية تتطلب استجابة عاجلة وموقفا حازماً من المجتمع الدولي والمؤسسات الإسلامية، للضغط على نيودلهي لوقف سياسات التمييز، والحفاظ على التراث الحضاري والديني الذي يتعرض للتدمير والتجريف بذرائع واهية.
الهوامش
- 1 صحيفة إنديان إكسبريس: تقرير حول قرار تعليق هدم أجزاء من مسجد شاهي في أوجاين والتطورات الميدانية والقضائية.
- 2 تصريحات إدارة المسجد ولجنة التمثيل: بيانات الإمام محمد إبراهيم والممثل محمد ذاكر حول تاريخ المسجد الائتماني (636 عاماً) وموقفه القانوني والشرعي.
- 3 سجلات المحكمة العليا في ولاية ماديا براديش: قرار القاضي سانديب إن، بهات (9 سبتمبر) ودعوى هيئة المحكمة العليا المشتركة.
- 4 بيانات حزب عموم الهند لاتحاد المسلمين وتصريحات رئيس الحزب أسد الدين عويسي بشأن مشروع قانون تعديل الأوقاف والاحتجاجات السلمية.
- 5 تقارير منظمات حقوق الإنسان هيومن رايتس ووتش، وأمنستي إنترناشيونال، تقارير توثيقية حول سياسة عدالة الجرافات وهدم منازل ومساجد المسلمين في الهند.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً