أمانة العلم بعد تحصيله

وهب بن منبه.. متى يصبح العلم بلا عمل عبئاً؟

رجل يقف امام حزمتي حطب وهو يتعجب ويبدوا عليها التعب من عدم قدرته على حمل الحطب ، وعالم يقف مع مجموعة من الناس وهو يشير اليه في استخفاف

يروي الإمام الذهبي، في «سير أعلام النبلاء»، خبرًا عن وهب بن منبه(1)، حيث يقول: قَرَأْتُ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ: ابْنَ آدَمَ، لَا خَيْرَ لَكَ فِي أَنْ تَعْلَمَ مَا لَمْ تُعَلِّمْ وَلَمْ تَعْمَلْ بِمَا عَلِمْتَ، فَإِنَّ مَثَلَ ذَلِكَ كَرَجُلٍ احْتَطَبَ حَطَبًا فَحَزَمَ حُزْمَةً، فَذَهَبَ يَحْمِلُهَا فَعَجَزَ عَنْهَا، فَضَمَّ إِلَيْهَا أُخْرَى(2).

ليست هذه الصورة الاستعارية البليغة المنقولة عن التابعي الجليل وهب بن منبه مجرد موعظة عابرة في ذم الكسل عن العمل، وإنما تكشف عند تأمل معانيها العميق عن منهج تربوي حاسم في تقويم المسار المعرفي للإنسان، يبدأ هذا المنهج بتصحيح دوافع التحصيل العلمية، ويمر ببيان الخطر النفسي الناشئ عن مراكمة العلوم بلا تطبيق، وينتهي بإقامة توازن دقيق بين استيعاب المعارف النظرية وأداء أمانتها العملية في واقع الحياة.

وفي هذا المَثَلِ النادر يبرز سؤال تربوي يتجاوز العصر الذي عاش فيه صاحب الحكمة ليخاطب واقعنا المعاصر: كيف يستطيع الإنسان أن يحمي نفسه من وهم الإنجاز المعرفي، وهو يعيش في زمن تتدفق فيه المعلومات بكثرة وتتضاعف فيه المغريات بالجمع والاستكثار دون الانتفاع؟

لماذا يفشل تراكم المعلومات في تغيير السلوك؟

ليس كل ازدياد في رصيد المعرفة دليلًا على التطور والتقدم؛ فقد يقرأ الإنسان كثيراً، ويحفظ مسائل عديدة، ويجمع من المعلومات الشاردة ما يثير العجب، ثم لا يظهر لذلك أثر واضح في سلوكه أو عمله أو نفعه للمجتمع.

هذه المفارقة السلوكية تعالجها الحكمة البليغة التي نقلها التابعي وهب بن منبه بصورة لافتة: رجل يجمع الحطب حتى يعجز عن حمله، لكنه بدلاً من معالجة عجزه وتخفيف ثقله يضيف إلى حمله حزمة أخرى تزيد من إرهاقه.

وقد نبه علماء التابعين إلى خطر كثرة الجمع مع غياب الخشية والعمل، كما في قول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: َيْسَ الْعِلْمُ بِكَثْرَةِ الرِّوَايَةِ وَلَكِنَّ الْعِلْمَ الْخَشْيَةُ»(3)، وقول الحسن البصري في ذم التراكم اللفظي بلا أثر قلبي: «أَرَى رِجَالًا وَلَا أَرَى عُقُولًا، أَسْمَعُ أَصْوَاتًا وَلَا أَرَى أَنِيسًا، أَخْصَبَ أَلْسِنَةً وَأَجْدَبَ قُلُوبًا»(4).

إنها صورة تختصر مشكلة تتجاوز العصر الذي عاش فيه صاحبها لتلامس واقعنا المعاصر؛ حيث يسهل جمع المعلومات وتصفحها، بينما يظل تحويل المعرفة النظرية إلى عمل نافع تحدياً كبيراً يتطلب مجاهدة مستمرة وصبر متواصل.

والسؤال الجوهري الذي تثيره الحكمة لا يتعلق بمقدار ما يحفظه المرء من علوم، بل يتصل بمقدار ما ينتفع به من معرفته في تهذيب نفسه، وما يقدمه من هذا العلم النافع لغيره في مجتمعه.

ضوابط الاحتراز العلمي عند قراءة مرويات وهب بن منبه

كان التابعي الجليل وهب بن منبه، المتوفى على أحد الأقوال المشهورة سنة 114هـ، من كبار علماء التابعين في اليمن، وعُرف بسعة اطلاعه على أخبار الأمم السابقة وما نُقل من مرويات الحكم وآداب الزهد والتربية.

ولذلك تستحق افتتاحية هذا الأثر اهتماماً خاصاً؛ إذ يصدر كلامه بقوله: «قَرَأْتُ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ»، دون أن ينسب العبارة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ودون أن يحدد الكتاب القديم الذي وجد فيه تلك الموعظة.

وهذا الاحتراز العلمي مسلك مهم؛ فالحديث منقول عن كتاب غير مسمى، ولا يصح الجزم بنسبته إلى نص معصوم، وإنما يُقرأ باعتباره موعظة يستأنس بمعناها لمعرفة العلاقة التربوية بين تحصيل العلوم وتحمل المسؤولية.

وقد أورد الإمام الذهبي هذا الأثر المسند في سير أعلام النبلاء، ونقله الحافظ أبو نعيم في حلية الأولياء، كما ذكره ابن كثير في البداية والنهاية، مما يدل على اهتمام علماء التراث بنقل هذا المعنى التربوي.

ويكشف اهتمام العلماء بنقل هذا التوجيه عن قضية أساسية في الفكر التربوي؛ تتجسد في أن العلم ليس مجرد رصيد ذكري يختزنه العقل، وإنما ينبغي أن تظهر ثمرته في تزكية صاحب سلوكياً وأخلاقياً.

كيف حذر وهب بن منبه من وهم الإنجاز المعرفي المستمر؟

تقوم صورة الحطاب في الحكمة على مفارقة عقلية واضحة؛ تتمثل في إنسان عجز عن حمل حزمة من الحطب جمعها بيده، ثم اختار أن يزيد وزنها وثقلها بدلاً من البحث عن وسيلة عملية لحملها والانتفاع بها.

ووجه الشبه هنا أن طالب العلم قد يراكم المسائل والمعلومات دون أن يترجم ما حصله إلى واقع ملموس، فيصبح استمرار التحصيل المعرفي بديلًا وهمياً عن مواجهة مسؤولية التطبيق والعمل التي تتطلب جهداً حقيقياً.

وهذا لا يعني أن كل تأخر في العمل ناشئ عن التقصير؛ فقد يحتاج المرء إلى مزيد تعلم كي يحسن التطبيق، لكن الحكمة تحذر من الحالة التي يتحول فيها الجمع إلى غاية مستقلة يخدع بها الإنسان نفسه.

وفي هذا تكمن خطورة وهم الإنجاز المعرفي؛ لأن تحصيل المعلومة يمنح شعوراً كاذباً بالتقدم، بينما يحتاج التغيير السلوكي الحقيقي إلى استمرار الممارسة والصبر على تصحيح الأخطاء ومراجعة النتائج.

وقد يقرأ المرء كتباً كثيرة في تهذيب الأخلاق دون أن يضبط لسانه عند الخصومة، أو يستبحر في فقه المعاملات دون أن يظهر أثر ذلك في أمانته التجارية؛ فتغدو المشكلة في انفصال المعرفة عن مقاصدها العملية.

وقد حذر التابعون والأعلام من آفة الجمع المعرفي المجرد الذي لا يثمر خشية أو عملاً يصدقه، حيث يقول التابعي الجليل إبراهيم بن أدهم موضحاً الخلل في الاستكثار بلا تطبيق: «يَا هَذَا، إِذَا لَمْ تَعْمَلْ بِمَا تَعْلَمُ، فَلِمَ تَطْلَبُ مَا لَا تَعْلَمُ؟!»(5).

تحذير القرآن من التناقض بين القول والفعل

جعل الشارع الحكيم العمل الصالح الثمرة الحقيقية للعلم والإيمان، وحذر ببالغ الشدة من وقوع التناقض بين القول والفعل، أو بين المعرفة النظرية والسلوك الواقعي الذي يمارسه المرء بين الناس.

وقد جاء التحذير القرآني الحاسم لمن يعلم الحق ثم يخالفه بفعله، في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ {2} كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ) (الصف:2-3).

كما أنكر القرآن الكريم على من يكتفي بدعوة غيره إلى الفضائل ويتغافل عن تزكية نفسه وعمله، في قوله سبحانه: (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ) (البقرة: 44).

ولا تدل هذه النصوص الشرعية على ترك التعليم والدعوة حتى يستكمل الإنسان الكمال، وإنما تحذر من التفريط في حق النفس وإهمال العمل، مع الحث على عدم الاغترار وادعاء التزكية في قوله تعالى: (فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَىٰ) (النجم: 32).

وقد ثبت في السنة النبوية الشريفة استعاذة النبي صلى الله عليه وسلم من العلم الذي لا يثمر خشية ولا نفعاً في الواقع، كما جاء في حديثه الصحيح المأثور: «اللهمَّ إني أعوذُ بكَ مِن الأربع: مِن عِلْم لا يَنفَعُ، ومِن قلبٍ لا يخشَعُ، ومِن نَفسٍ لا تَشبَعُ، ومِن دُعاءٍ لا يُسمَعُ»(6).

ومن هنا يتضح أن العلم النافع في الميزان الشرعي لا يُقاس بكمية الحفظ واختزان المسائل، وإنما بمدى ما يثمره في النفس من خشية لله، واستقامة في السلوك، ونفع متعدٍ يصلح حياة المجتمع.

هل يجب الكمال في العمل قبل تعليم الآخرين؟

تتضمن الحكمة النبوية والتربوية شقين متكاملين في تحديد واجبات صاحب العلم؛ أشار إليهما الأثر المنقول في قوله: «مَا لَمْ تُعَلِّمْ وَلَمْ تَعْمَلْ بِمَا عَلِمْتَ»، ليربط بين البعد الذاتي والبعد الاجتماعي للمعرفية.

فالأول يتعلق بنقل المعرفة ونفع الآخرين بها، والثاني يتعلق بتمثلها في سلوك صاحبها الشخصي؛ وبهذا يصبح للعلم أثران متلازمان؛ أثر باطن يصلح الإنسان في نفسه، وأثر ظاهر ينفع البيئة المحيطة به.

وقد ثبت في الحديث الصحيح بيان الفضل العظيم لمن جمع بين هذين الشقين الحاسمين في تعلم الخير ونشره، كما في قوله صلى الله عليه وسلم: «خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ»(7).

فالتعليم مسؤولية شرعية لحفظ العلوم ونشر النفع، والعمل هو المقصد الغائي الذي من أجله طُلبت المعرفة؛ ولا ينبغي أن يمنع تقصير المرء في بعض العمل من قيامه بمسؤولية تعليم الخير وتبليغه.

غير أن التعليم المسؤول ينبغي ألا يتحول إلى تصدر لما لا يحسنه المرء، كما لا يجوز أن يتخذ الذرائع للتفريط في العمل الشخصي؛ إذ إن التكامل بين التعليم والعمل هو الذي يصنع القدوة المؤثرة.

سر بلاغة المثل في معالجة العجز بالزيادة

تتميز الحكمة التي نقلها وهب بن منبه بقوة الصورة الاستعارية التي اختيرت لتقريب المفهوم التربوي للذهن؛ فالحطب في أصله مادة نافعة يستدفأ بها، لكنه يتحول إلى عبء شاق إذا جُمع دون قدرة على تحمله.

وكذلك العلم؛ فهو خير نافع في أصله، لكن الاستكثار منه مع التفريط في العمل بمقتضاه يجعل صاحبه أمام مسؤولية وحجة شرعية لا يؤدي أمانتها كما ينبغي، فيصبح تراكمه ثقلاً يعجز عن القيام بحقه.

واللافت في التشبيه أن الرجل في المثل لم يعجز عن جمع الحطب، بل عجز عن حمله؛ مما يبين أن المشكلة لا تكمن في القدرة الاستيعابية على التحصيل، وإنما في القدرة على تحمل تكاليف العمل.

ثم تبلغ الصورة الاستعارية أوجها حين يضيف الرجل حزمة أخرى فوق عجزها الأول، وكأن زيادة الثقل هي العلاج للعجز المتقدم، وهو مجرد هروب وهمي يضاعف المشكلة ويحجب عن المرء معالجة الخلل.

وهذه المفارقة تدفع القارئ لمراجعة سلوكه المعرفي: هل يحتاج بالفعل إلى إضافة معلومات جديدة لحفظها، أم يحتاج إلى صدق ومجاهدة لممارسة ما تعلمه سابقاً ليظهر أثره في حياته اليومية؟

خطوات عملية لربط التعلم بالتطبيق والسلوك اليومي

تقدم الحكمة معياراً تطبيقياً لمن يريد استثمار علمه وتحويله إلى واقع؛ يكمن في عدم إطالة الفجوة الزمانية بين مرحلة التحصيل النظري ومرحلة التطبيق العملي في مختلف مجالات التعامل السلوكي.

فمن تعلم خلقاً حميداً كالحلم أو الرفق، أمكنه أن يمارسه في أقرب موقف يومي مع أهله أو زملائه، ومن عرف حكماً شرعياً يبين أمانة المعاملات، كان من مقتضى علمه المبادرة الفورية لامتثاله.

ولا يشترط أن تتحول كل معلومة إلى فعل مستقل في الحال؛ فبعض المعارف يثمر فهماً كلياً أو بصيرة في التمييز قبل ظهور آثارها السلوكية، لكن الخلل يكمن في الاعتياد الدائم على تأجيل العمل.

وفي عصرنا الذي تتعدد فيه وسائل التعلم والدورات التدريبية، تغدو المراجعة الذاتية ضرورة ملحة: ما الذي تغير في أخلاقنا بعد التعلم؟ وما الخير الذي انتقل منا إلى المجتمع والآخرين؟

فالتعلم المثمر ليس سباقاً لجمع المجلدات والمستندات، بل هو مسار تربوي تتكامل فيه المعرفة مع الممارسة، وهو المعنى الذي لخصه الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه في قوله: «هَتَفَ الْعِلْمُ بِالْعَمَلِ، فَإِنْ أَجَابَهُ وَإِلَّا ارْتَحَلَ»(8).

الصدق في الممارسة أولى من استمرار الجمع

لا تدعو حكمة التابعي الجليل وهب بن منبه إلى التزهيد في تحصيل العلوم أو تقليل طلب المعرفة، وإنما تهدف إلى تصحيح العلاقة بين التحصيل المعرفي وثمرته العملية والتربية؛ فالعلم يفتقر إلى عمل يصدقه، وتعليم ينشر نفعه في الناس، ومراجعة مستمرة تمنع تحوله إلى مجرد أعباء وحجج أثقال على صاحبه دون فائدة.

وهنا تبرز الزاوية الأساسية التي ركز عليها هذا المقال: إن القيمة الحقيقية للتعلم لا تتحدد بمقدار ما يجمعه المرء من معلومات ومسائل، وإنما بمدى قدرته على الانتفاع بما تعلمه وتحويل المعرفة النظرية إلى استقامة في السلوك، وخشية في القلب، ونفع ملموس يخدم المجتمع؛ فالحطاب الذي عجز عن حمل حزمته لم يكن بحاجة إلى زيادة الأعباء، وكذلك الإنسان بحاجة إلى الصدق في ممارسة ما يعرفه قبل السعي للاستكثار مما لا يعمل به.

الهوامش
  • 1 وهب بن منبه بن كامل الصنعاني الأبناوي، أبو عبد الله، وُلد سنة 34 هـ، من جلة التابعين وثقات علماء اليمن، اشتهر بسعة علمه في أخبار الأمم السالفة (الإسرائيليات) ورواية الحديث، وعُرف بالحكمة والزهد وتولى القضاء، سكن مدينة صنعاء، وتوفي بها سنة 110هـ، وقيل: 114هـ.
  • 2 سير أعلام النبلاء (4/ 545).
  • 3 الزهد لأحمد بن حنبل (131/ 867).
  • 4 العقوبات لابن أبي الدنيا (187/ 228).
  • 5 حسن التنبه لما ورد في التشبه (10/ 395).
  • 6 سنن أبي داود (2/ 647/ 1549).
  • 7 منحة الباري بشرح صحيح البخاري (8/ 361/ 5122).
  • 8 جامع الأحاديث (32/ 146/ 34953).
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة