كيف ملَكَ نفسَه بدلاً من أن تملكه؟
وهب بن منبه.. علَّم نفسَه الزهد ورجع عن خطئه
يروي الذهبي، في
«سير أعلام النبلاء»، خبرًا عن وهب بن منبه(1)، فعنه قال: الدَّرَاهِمُ
خَوَاتِيمُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ، فَمَنْ ذَهَبَ بِخَاتَمِ اللَّهِ قُضِيَتْ حَاجَتُهُ.
وعن ابْن عُيَيْنَةَ،
عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى وَهْبٍ دَارَهُ بِصَنْعَاءَ، فَأَطْعَمَنِي
مِنْ جَوْزَةٍ فِي دَارِهِ، فَقُلْتُ لَهُ: وَدِدْتُ أَنَّكَ لَمْ تَكُنْ كَتَبْتَ
فِي الْقَدَرِ كِتَابًا، فَقَالَ: وَأَنَا وَاللَّهِ(2).
تضعنا الأخبار المروية
في ترجمة وهب بن منبه أمام جانب إنساني دقيق من سيرته، العالم اليماني الذي جمع بين
الزهد وسعة العلم وتولى القضاء، فيروي الذهبي في سير أعلام النبلاء خبرين يلخصان هذه
التجربة الحياتية الفذة، ينقل الخبر الأول قوله: «الدراهم خواتيم الله في الأرض، فمن
ذهب بخاتم الله قضيت حاجته».
بينما ينقل الخبر
الثاني مشهداً دار في دار وهب بصنعاء، حين قال له عمرو بن دينار: «وددت أنك لم تكن
كتبت في القدر كتابًا»، فأجابه وهب بموافقة فورية قاطعة قائلاً: «وأنا والله».
تضعنا هاتان الروايتان
أمام عالم يدرك الواقع المعيشي للناس دون زهد زائف، ويملك في الوقت نفسه شجاعة علمية
شريفة لمراجعة آرائه السابقة، وتدعونا هذه السيرة لتأمل العلاقة بين فهم المال وأسباب
الكسب العفيف، وبين المسؤولية الأخلاقية للكلمة المكتوبة وواجب التراجع عن الخطأ بغير
تردد، وكيف تتكامل هذه المعاني لتصنع الأنموذج القدوة في العلم والعمل.
هل يتنافى الزهد الشرعي مع فهم أثر المال؟
تستند عبارة وهب
بن منبه إلى تشبيه بليغ يوضح الوظيفة الاجتماعية للمال، فالخاتم أداة رسمية لنفاذ المعاملات
في عرف الناس، والدراهم أداة عملية لتيسير قضاء المنافع والتجارات اليومية بين البشر،
ولا تعني هذه المقولة احتقار الزهد الإيماني المعتبر شرعاً، ولا تعني بالضرورة التعظيم
المذموم للمال والماديات الزائلة في الحياة، بل تعبر عن فهم عميق لواقع الحياة اليومية
ومتطلبات الناس.
فالزهد الشرعي لا
يستلزم الجهل بأسباب المعيشة وإصلاح الموارد المتاحة، ولا يقتضي ترك الكسب المباح والقعود
عن طلب الرزق الحلال، وقد تجسد هذا الفهم الصريح في موقف عبد الرحمن بن عوف المأثور،
إذ قال لسعد بن الربيع: «بارَكَ اللَّهُ لَكَ فِي أَهْلِكَ وَمَالِكَ، وَلَكِنْ دُلَّنِي
عَلَى السُّوقِ»(3).
تتجلى وجاهة هذا
الموقف الشريف في بيان عزة المسلم وحسن تدبيره، إذ لم يمنعه زهده الإيماني وتجرده من
السعي الحثيث للتجارة، فالمال وسيلة شريفة تعين على صيانة الوجه وقضاء الحاجات الدنيوية،
كما تعين المسلم على إعانة الفقراء وبناء المؤسسات النافعة للمجتمع.
وحين يفهم المسلم
وظيفة المال الاقتصادية يسخره لخدمة مقاصده الشرعية، فيصبح المال خادماً لمصالحه دون
أن يستعبده أو يفسد قلبه، فالعمل والكسب العفيف يمثلان دعامة أساسية لحفظ كرامة الإنسان
وصيانة دينه، والزهد الحقيقي يكون في خلو القلب من التعلق بالدنيا، لا في خلو اليد
من الموارد والإنتاج النافع لخدمة المسلمين، وهذا الفهم هو ما يمنح المسلم القوة والاستغناء
عن سؤال الناس.
متى تتحول القوة الاقتصادية إلى استعباد حقيقي للإنسان؟
تقضي الدراهم حوائج
كثيرة وتوفر المسكن والطعام والعلاج النافع للناس، غير أنها تقف عاجزة عن شراء الطمأنينة
أو محبة القلوب الصادقة، وهنا يظهر الخط الفاصل بين معرفة القوة المادية للمال وتقديسه،
وقد أصل النبي صلى الله عليه وسلم هذا الضابط النفسي بقوله: «يَا حَكِيمُ! إِنَّ هَذَا
الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، فَمَنْ أَخَذَهُ بِسَخَاوَةِ نَفْسٍ بُورِكَ لَهُ فِيهِ،
وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافِ نَفْسٍ لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ»(4).
تكمن وجاهة هذا الحديث
الشريف في التنبيه على خطورة الشغف بالمال، فالمال المادي يصبح بركة ووسيلة رفعة إذا
أخذ بالقناعة التامة، ولكنه يتحول إلى آفة تهلك صاحبها إذا صار غاية الحياة، وإذا غدا
المقياس الوحيد للفضل والكرامة الإنسانية في تقييم الأشخاص، فالاستغناء النفسي هو الغنى
الحقيقي الذي يحفظ للإنسان حريته وكرامته، وحين يستقر هذا المفهوم في الوجدان يتحرر
المرء من الماديات، فيستفيد من موارد الدنيا المتاحة دون أن يستعلي بها على عباد الله،
فالمال النافع هو الذي يخدم الإنسان ويقضي حوائج مجتمعه، بينما المال المذموم هو الذي
يسيطر على قرارات صاحبه ويوجّه سلوكه، وتظهر القيمة الأخلاقية للثروة في طريقة اكتسابها
وطبيعة أوجه إنفاقها، فتمسي النعمة وسيلة لطاعة الله وخدمة الحق ودعم الضعفاء والمساكين،
لا أداة للتكاثر والخيلاء والتطاول على الخلق بغير حق شرعي.
كيف تراجع العالم دون المساس بمكانته العلمية؟
تأخذنا رواية عمرو
بن دينار إلى جلسة هادئة بصنعاء، حيث قدم عمرو ضيفاً على وهب بن منبه في داره، فأطعمه
وهب من جوز شجرته بأدب الضيافة وحسن الكرم المعهود، ثم طرح عمرو نقد العلم بأسلوب راقٍ
يحفظ الود، إذ عبر عن أمنية شخصية دون تشهير أو إحراج لمضيفه، وقد توافق هذا المسلك
الحكيم مع الأصل الشرعي الخالد المأثور: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ»(5).
تظهر وجاهة هذا النص
الشريف في جعل النصيحة ركناً في الدين، شريطة أن تحاط بالرفق والأدب وتجنب التجريح
والتقريع العلني، فالنقد العلني القاسي يدفع المخطئ للانشغال بالدفاع عن مكانته الشخصية،
بينما يتيح الحوار الهادئ فرصة أكبر لمراجعة الفكرة ومواجهة النفس، وقد مثل الصحابة
الكرام هذا الخُلُق في مراجعاتهم العلمية الهادئة، كما فعل الحباب بن المنذر يوم بدر
في مناصحة القيادة.
إن النصيحة الصادقة
المبتغاة لوجه الله تعتمد على الحكمة والرفق، فالغاية منها مساعدة المخطئ على التراجع
والتزام الحق الصريح، وليس الهدف منها إحراجه أو تحقيق الانتصار الشخصي عليه أمام الناس،
وبذلك تبنى مجالس العلم على التناصح الأخوي والستر والرحمة، فيتقبل العالم التوجيه
بقلب ينشرح للحق ويسعى لتصحيح المسار دائماً، دون أن تشعر نفسه بالتنقص أو المساس بهيبته
ومكانته العلمية.
لماذا يعد تراجع وهب بن منبه عن خطئه قوة علمية؟
جاء جواب وهب بن
منبه مختصراً وشديد الصدق والتواضع العلمي، فلم يدافع عن مؤلفه القديم في مسألة القدر
المعقدة جداً، ولم يلتمس الأعذار التكلفية لصرف كلام الناصح بعيداً عن مقصده، بل وافق
ضيفه على تمنيه معلناً رجوعه الصريح السريع، وينطلق هذا الموقف من أصل قرآني يقرر حدود
المعرفة البشرية: (وَفَوْقَ كُلِّ
ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ) (يوسف: 76).
تتضوع وجاهة هذا
الاستشهاد القرآني في كسر كبرياء ادعاء العصمة، فمهما بلغت مكانة العالم يبقى عرضة
للخطأ والسهو والمراجعة، وقد ضرب الصحابة الكرام أروع الأمثلة في الشجاعة والرجوع للحق،
كما فعل عمر بن الخطاب في صلح الحديبية الشديد؛ «فَعَمِلْتُ لِذَلِكَ أَعْمَالًا»(6).
فتراجع العالم عن
رأيه المرجوح يعد فضيلة علمية وأخلاقية سامية، فهو يرسخ أمانته العلمية ويزيد ثقة الناس
بصدق أبحاثه.
فالإصرار على الخطأ
لحماية السمعة يحول المكانة العلمية لعائق حقيقي، بينما المراجعة الشجاعة تسقط أوهام
التعصب وتفتح أبواب الفهم الصحيح.
وتثبت أن العظيم
ليس من لا يخطئ في اجتهاده أبداً، بل من ينصاع للحق فور استبانته دونما كبر أو تردد،
وهذا ما يرفع قدر العلماء ويجعل مراجعاتهم دروساً حية للتواضع العلمي، فيقتدي بهم طلاب
العلم في التجرد الشديد للحق والإنصاف.
لماذا يتجاوز أثر الكلمة المنشورة عمر صاحبها؟
تكتسب الكلمة المكتوبة
قوة استمرار تتجاوز مرحلة مؤلفها ونطاق وقته، فقد يتراجع المفكر عن رأيه القديم بعد
سنوات طويلة.
بينما يظل النص المكتوب
في الكتب متداولاً بين القرّاء والمتابعين، ومن هنا تنبع حسرة وهب بن منبه على تأليفه
السابق.
فالكتاب يقرأ ويبث
آثاره الفكرية بصرف النظر عن التغير الباطن، وقد نبه القرآن الكريم إلى دقة المحاسبة
على الكلمات: (مَّا يَلْفِظُ مِن
قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) (ق: 18)، تظهر وجاهة هذه الآية في
حث العبد على التثبت البالغ، فالكلمة المنشورة تحمل صاحبها تبعة أثرها المتعدي على
الناس.
وقد أدرك المحدثون
والرواة هذا الخطر الشديد في تدوين الآثار، فاشتد تحفظهم وتدقيقهم في تقييد الروايات
حذراً من التساهل والزلل، ولهذا يتوجب على الكاتب تصحيح أخطائه وبيان ما عدل عنه، فالرجوع
الصادق يستدعي توضيحاً يعلن تراجعه بنفس قوة الرأي السابق.
فالكلمة أمانة ومسؤولية
أخلاقية تتبع صاحبها في دنياه وآخرته، وتزداد الخطورة في عصر وسائل النشر الرقمي والتداول
السريع، حيث تنتقل الأفكار وتنتشر العبارات بغير تثبت أو مراجعة سابقة، مما يتطلب من
العالم والباحث التريث الشديد قبل إطلاق الآراء، ومبادرة التصحيح العلني متى تبين له
وجه الخطأ دون تأخير، ليقطع أثر القول المرجوح ويبرئ ذمته أمام الله والناس.
كيف يربط النضج بين حدود المال وحدود المعرفة؟
يلتقي خبر الدراهم
بخبر كتاب القدر في معنى تربوي وثيق، وهو معرفة الإنسان الدقيقة بحدود الأشياء وقدرها
الصحيح والكامل، فالمال أداة نافعة للمعاش ولكنه ليس غاية وجودية تحكم القيم، والعلم
شرف لصاحبه ولكنه لا يمنحه العصمة المطلقة إطلاقاً، وقد حذر القرآن الكريم من التكبر
بالمال أو بالرأي والجاه: (وَلَا
تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ
طُولًا) (الإسراء: 37).
تكمن وجاهة النهي
القرآني في كسر التجبّر والغرور الإنساني قاطبة، فالمال يستوجب الشكر والتواضع والعلم
يستدعي الخشية والمراجعة الدائمة، ويتجلى النضج الإنساني في قدرة المرء على الانتفاع
بجهده المادي، وفي الشجاعة على الدفاع عن رأيه دون تعصب أو جمود، إن هذا التوازن الأخلاقي
يمنح القائد هيبة صادقة وثباتاً رزيناً، فيصبح العالم قدوة في علمه وعمله وشجاعته عند
التراجع، فيتعامل مع أسباب الدنيا بوعي وإدراك لوظيفتها المؤقتة فقط، مع المحافظة التامة
على تجرده الفكري ومرونته في قبول الحق، دون أن يحوله النجاح المادي إلى الاستعلاء
على خلق الله، أو تحوله الشهرة العلمية إلى رفض النقد والتكبر عن تصحيح المسار، وهذا
الاتزان ينشئ الشخصية الإيمانية الراسخة في مبادئها وعلمها، فتجمع بين عمارة الحياة
الدنيا والتطلع الصادق للدار الآخرة.
تختصر سيرة وهب بن منبه معالم أنموذج علمي وتربوي رفيع، فهي تعكس شخصية تستوعب واقع الناس المادي دون سقوط فيه، وتملك في الوقت نفسه تواضع الفرسان في مراجعة الأفكار، وقد تركزت الزاوية المعرفية في هذا المقال على إبراز أمانة الكلمة والشجاعة العلمية، وبيان أن قيمة العالم الحقيقية لا تتأسس على توهم العصمة أو الجمود على الآراء القديمة، وإنما تبنى على الصدق مع الله ومع النفس، والاستعداد الدائم للخضوع للحق متى استبان، وحين يتعلم الإنسان كيف يراجع موقفه، ويصحح خطأه بنفس الشغف الذي أعلنه به، يكتمل نبله؛ فتتحول مراجعاته العلمية إلى دروس حية في التواضع، وتغدو كلماته أبلغ أثراً في هداية النفوس وإصلاح المجتمعات.
الهوامش
- 1 وهب بن منبه بن كامل الصنعاني الأبناوي، أبو عبدالله، وُلد سنة 34هـ، من جلة التابعين وثقات علماء اليمن، اشتهر بسعة علمه في أخبار الأمم السالفة (الإسرائيليات) ورواية الحديث، وعُرف بالحكمة والزهد وتولى القضاء، سكن مدينة صنعاء، وتوفي بها سنة 110هـ، وقيل: 114هـ.
- 2 سير أعلام النبلاء (4/ 545).
- 3 مسند أبي يعلى (5/ 517/ 3836).
- 4 صحيح البخاري (2/ 535).
- 5 النكت على صحيح البخاري (2/ 55/ 57).
- 6 شرح صحيح البخاري (5/ 196).
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً