بين الحلم والغيرة للحق
وهب بن منبه.. متى يكون الغضب فضيلة والحلم قوة؟
يروي الإمام
الذهبي، في «سير أعلام النبلاء»، خبرًا عن وهب بن منبه(1)؛ فقد رَوَى
عَبْدُالْمُنْعِمِ بْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَانَ وَهْبٌ يَحْفَظُ
كَلَامَهُ كُلَّ يَوْمٍ، فَإِنْ سَلِمَ أَفْطَرَ، وَإِلَّا طَوَى.
وقَالَ عَبْدُالصَّمَدِ
بْنُ مَعْقِلٍ، قَالَ الْجَعْدُ بْنُ دِرْهَمٍ: مَا كَلَّمْتُ عَالِمًا قَطُّ
إِلَّا غَضِبَ، وَحَلَّ حَبْوَتَهُ غَيْرَ وَهْبٍ.
وعن مَعْمَر،
عَنْ سِمَاكِ بْنِ الْفَضْلِ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عُرْوَةَ بْنِ مُحَمَّدٍ
الْأَمِيرِ، وَإِلَى جَنْبِهِ وَهْبٌ، فَجَاءَ قَوْمٌ فَشَكَوْا عَامِلَهُمْ
وَذَكَرُوا مِنْهُ شَيْئًا قَبِيحًا، فَتَنَاوَلَ وَهْبٌ عَصًا كَانَتْ فِي يَدِ
عُرْوَةَ فَضَرَبَ بِهَا رَأْسَ الْعَامِلِ حَتَّى سَالَ الدَّمُ، فَضَحِكَ
عُرْوَةُ وَاسْتَلْقَى وَقَالَ: يَعِيبُ عَلَيْنَا وَهْبٌ الْغَضَبَ وَهُوَ
يَغْضَبُ! قَالَ: وَمَا لِي لَا أَغْضَبُ وَقَدْ غَضِبَ الَّذِي خَلَقَ
الْأَحْلَامَ، يَقُولُ تَعَالَى: فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ(2).
تضعنا الأخبار
المتتابعة المروية في ترجمة التابعي الجليل وهب بن منبه، والتي حفظتها أمهات كتب
التراجم والسير، أمام شخصية إيمانية فريدة تبدو متناقضة في ظاهرها لدى القارئ
العابر، فنحن أمام عالم يراقب كلماته بدقة متناهية، ويحافظ على هدوء واستقرار
تامين أمام خصومه الفكريين في مجالس المناظرة، ثم يشتد غضبه وينفعل بقوة في مجلس
الأمير عند سماعه مظلمة رعية استبيحت حقوقها من أحد العمال، غير أن فهم هذه
المواقف المتباينة يحتاج إلى إعمال ميزان تربوي ونفسي أعمق بكثير من مجرد التوصيف
الظاهري للإنسان بأنه هادئ في مزاجه أو سريع الانفعال في طبعه.
وهذا الميزان
الدقيق نجده حاضراً وواضحاً في الهدي النبوي المعصوم، الذي أسس معالم التعامل
الأخلاقي مع النفس ومع الآخرين في لحظات الرضا والانفعال، يقوم هذا الميزان
الإسلامي الأصيل على التفريق المبدئي والدقيق بين الانتصار الشديد لحق النفس وبين
الانتصار الخالص للحق والعدل، وهو المعيار العظيم الذي أصلته أم المؤمنين عائشة
رضي الله عنها في وصفها الشريف والدقيق لرسول الله صلى الله عليه وسلم إذ قالت:
«مَا انْتَقَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِنَفْسِهِ فِي
شَيْءٍ قَطُّ، إِلَّا أَنْ تُنْتَهَكَ حُرُمَاتُ اللَّهِ فَيَنْتَقِمَ لِلَّهِ»(3).
ويرسم هذا
الضابط النبوي الخالد خطاً فاصلاً بين الانتصار الذاتي لحرمة النفس المغاضبة وبين
الحركة الواعية لنصرة الحق المسلوب والمظالم الواقعة، دون أن يجعل مجرد وجود
الانفعال أو الغضب للحق مسوغاً مطلقاً لإباحة أي تصرف يقع خارج أطر الشريعة وضوابط
العدل، ومن هذا المنطلق التربوي المنضبط، يمكننا قراءة أخبار وهب بن منبه التابعي
اليماني المعروف بعلمه الواسع، مع مراعاة النظر النقدي في تفاوت أسانيد المرويات
التاريخية، وإخضاع السلوك الإنساني للميزان الشرعي المعصوم قبل اتخاذه قدوة مطلقة.
كيف يبدأ ضبط الغضب بمحاسبة اللسان؟
تروي بعض
الأخبار التاريخية أن وهب بن منبه كان يضع لنفسه برنامجاً حازماً في محاسبة كلامه
كل يوم؛ فإن سلم لسانه من الزلل والإثقال أفطر على طعامه، وإن زل في كلمة طوى يومه
صائماً وامتنع عن الطعام عقوبة لنفسه، ومع ما في طريق هذه الرواية من ضعف حديثي
عند نقاد الرجال، إلا أن دلالتها التربوية المتعلق بضرورة السيطرة على الانفعال
ومحاسبة اللسان تؤيدها الأصول الشرعية والآثار الصحيحة.
إن القوة
الحقيقية المعتبرة في الشرع تتجلى في امتلاك النفس وحبس الجوارح واللسان عن
العدوان في لحظات الاستفزاز والانفعال الشديد، وقد تجسد هذا الاحتراس العملي
والخوف الشديد من خطورة اللسان في سلوك الصحابة الكرام عند تعاملهم مع أنفسهم؛ إذ دخل
عمر بن الخطاب على أبي بكر الصديق وهو يجذب لسانه، فقال له عمر: مه غفر الله لك،
فقال أبو بكر: إن هذا أوردني الموارد(4).
إن الإنسان الذي
يربي نفسه على مراقبة كلماته اليومية يمتلك مع مرور الوقت قدرة عالية على الفصل
بين الشعور الداخلي بالانفعال وبين القرار السلوكي بالتصرف، فيستطيع المرء حينئذٍ
أن يرفض الخطأ بصلابة دون أن يقع في الفجور، ويرد على الإساءة بحزم دون أن يظلم
صاحبها أو يتعدى حدود الحق، ومن هنا يبدأ التوجيه الأخلاقي الراقي بتربية النفس
على ألا تجعل الغضب والانفعال مبرراً لإطلاق اللسان بالأذى.
لماذا حافظ وهب بن منبه على هدوئه أمام المخالف؟
ينقل عبد الصمد
بن معقل عن الجعد بن درهم، وهو من رؤوس المقالات المخالفة للسنة، قوله العجيب:
"ما كلمت عالمًا قط إلا غضب، وحل حبوته غير وهب"، والحبوة هي تلك الهيئة
المعروفة في الجلوس بربط الساقين إلى البطن، وحلها في المجلس يشير عادة إلى التغير
الحركي للجالس واستعداده للانفعال والمواجهة الكلامية أو الجسدية.
يصور الخبر وهب
بن منبه وهو يحافظ على رباطة جأشه ورزانة حواره وهدوء جوارحه أمام خصمه الفكري
والأنكاد الجعد بن درهم، ويظهر هذا الموقف الفارق الجوهري بين قوة الحجة والبرهان
وبين حدة الصوت والانفعال العاطفي؛ إذ لا يحتاج صاحب الحق المتمكن من علمه إلى
الصراخ أو الشدة ليثبت غيرته على عقيدته، وقد أصل القرآن الكريم المنهجية المتبعة
في محاورة المخالفين بأرفع أسلوب تربوي: (ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ
الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) (النحل: 125).
وقد سار أئمة
التابعين وسلف الأمة على هذا المبدأ الحكيم في معالجة العصاة والمخالفين بالرفق
والتألف، تجنباً للشدة الشخصية التي قد تنفر القلوب عن قبول الحق؛ فقد مر صلة بن
أشيم وأصحابه بشاب يجر ثوبه، فأراد أصحابه أن يأخذوه بلسان شديد، فقال صلة: دعوني
أكفكم، فقال للشاب: يا ابن أخي إن لي إليك حاجة، أحب أن ترفع إزارك، فقال: نعم
وكرامة، فرفعه؛ فقال صلة لأصحابه: هذا كان أمثل مما أردتم(5).
متى يتحول الحلم أمام الظلم إلى تقصير؟
تنتقل المرويات
عن وهب بن منبه إلى مشهد آخر مختلف في مجلس الأمير عروة بن محمد، حين جاء قوم من
الرعية يشكون عاملاً من عمال الإدارة ويذكرون أفعاله القبيحة بحقهم، وهنا تغير
موقف وهب الصامت تماماً؛ إذ تناول عصا كانت بيد الأمير وضرب بها رأس العامل
المشتكى عليه حتى سال دمه، مستدلاً بالآية الكريمة: (فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ) (الزخرف: 55).
ومعنى استدلال
وهب، كما تبرزه الرواية، أن الحلم المحمود شرعاً لا يعني سلب الغيرة على المظلومين
والضعفاء، وأن التأثر والانفعال للحق مطلوب ومحمود عند انتهاك الحقوق، غير أنه يجب
التمييز الدقيق بين مشروعية الغضب للحق وبين مشروعية الوسيلة المستخدمة في الإنكار
وإيقاع العقوبة؛ فلا يجوز معاقبة المعتدي بغير الطرق القضائية والأطر الشرعية
المعتمدة.
وقد تمثل هذا
النهج الصارم في نصرة المظلومين سلوكاً حياً عند أئمة التابعين والعلماء في مواجهة
التجاوزات؛ حيث مر عامر بن عبدالله بالرحبة فرأى ذميًا يظلم يُعتدى عليه، فألقى
رداءه ونزل لنصرته قائلًا: لا أرى ذمة الله تُخفر وأنا حي، واستنقذ المظلوم(6)،
فالحلم المحمود يمنع البغي والعدوان الذاتي، لكنه لا يحمي الظالم مطلقاً من
المساءلة والمحاسبة الصارمة.
لماذا لا يبرر حسن القصد سلامة الوسيلة؟
يجمع الهدي
النبوي المعصوم بين العفو والصفح التام عن الحقوق الشخصية والحرمات الذاتية، وبين
الحزم الشديد والإنكار القاطع عند تعدي حرمات الله وحدوده، لكن الاقتداء الصادق
بهذا الميزان الدقيق يتطلب ألا نكتفي مطلقاً بسلامة النية والدافع الباطن، بل يجب
أن تخضع التصرفات والوسائل المتبعة لضوابط العدل والشرع المقطوع بها.
وقد نبه النبي
صلى الله عليه وسلم أصحابه الكرام إلى خطورة التجاوز والتعدي الناتجين عن الغيرة
غير المنضبطة بضوابط الشريعة الأحكم؛ وذلك في مواقف متعددة، منها ما وقع مع أسامة بن زيد رضي الله عنهما حين أنكر عليه قتله للرجل الذي نطق بالشهادة في المعركة
غيرة للحق: «أَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَقَتَلْتَهُ؟! أَفَلَا شَقَقْتَ
عَنْ قَلْبِهِ حَتَّى تَعْلَمَ أَقَالَهَا أَمْ لَا؟»(7).
وقد قرر القرآن
الكريم وجوب التزام العدل والانضباط حتى مع وجود دوافع شديدة للانفعال والمخاصمة: (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ
وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (آل عمران: 134)،
فصحة المقصد النبيل والغيرة الدينية لا تجعلان الوسائل الخاطئة أو المعتدية مباحة؛
فالغضب المنضبط يحرك النفس نحو الإصلاح، بينما الغضب المنفلت يتجاوز الحدود ويولد
مفاسد جديدة.
كيف تكون نصيحة العالم في مجالس الحكم؟
تكتسب حادثة ضرب
العامل في مجلس الأمير عروة بن محمد بعداً إضافياً؛ لكونها وقعت في مجلس الحكم
والولاية وبحضور صاحب السلطة التنفيذية، وترتبط هذه الواقعة بالمسؤولية الأخلاقية
والاجتماعية الملقاة على عاتق أهل العلم في نصيحة الولاة، والتنبيه على رفع
المظالم عن الرعية دون تملق أو مداهنة أو خوف.
وقد كانت هذه
النصيحة الصريحة أصلًا ثابتاً في سلوك أئمة العلماء والتابعين عند دخولهم على حكام
عصرهم؛ فقد دخل أبو مسلم الخولاني على معاوية بن أبي سفيان فقال: السلام عليك أيها
الأجير، فقال الناس: الأمير، فقال: السلام عليك أيها الأجير، فقال معاوية: دعوا
أبا مسلم فهو أعلم بما يقول، وعظه وحثه على العدل(8).
إن النصيحة
الصادقة الموجهة للحكام تقتضي التثبت العلمي وانتقاء السلوك النافع دون محاباة
للسلطة أو مجاراة لأهواء العامة، والمؤسسات الإدارية والقضائية العادلة في واقعنا
اليوم تسير على المنهج نفسه؛ إذ تستمع بشفافية للمتضررين، وتحقق في المظالم،
وتحاسب المعتدي بحزم وعدل دون شفاء لغل أو اعتداء خارج الأطر القانونية.
كيف نميز بين الغضب للحق ولحظ النفس؟
تجمع المواقف
المنقولة في سيرة وهب بن منبه بين مراقبة اللسان، والحلم أمام الخصم، والانفعال
الشديد عند وقوع المظالم على الضعفاء، ومن هذا الاجتماع يستخرج المرء معياراً
نفسياً دقيقاً يقوّم به دوافعه الباطنة ومقاصده الخفية قبل اتخاذ أي قرار في مواقف
الخلاف والمخاصمة.
فكثيراً ما يظن
الإنسان في نفسه أنه ينتصر للحق والدين، بينما يكون الدافع الخفي المحرك له هو
كبرياء نفسه أو الشعور بالإهانة الشخصية، وقد تجلى هذا التجرد الخالص للحق
والتفرقة الدقيقة بين حق النفس وحق الله في التوجيه النبوي الخالد لنساء أمتنا؛ إذ
قالت زينب بنت جحش رضي الله عنها في «حادثة الإفك» حين سُئلت عن عائشة: أحمي سمعي
وبصري، والله ما علمت إلا خيراً، فعصمها الله بالورع(9) والعدل رغم ما
كان بينهما من المنافسة.
إن هذا التجرد
الأخلاقي يعيد الإنسان دائماً إلى محاسبة نفسه قبل جعل الانفعال رخصة للبطش
والتجاوز، فالقائد العادل والمربي الناجح يوجه غضبه وانفعاله نحو نصرة الحق وإقرار
النظام، دون أن يجعل الشدة وسيلة لتجريح الآخرين أو الانتقام الشخصي منهم تحت
شعارات براقة.
تكشف لنا المرويات التاريخية في سيرة وهب بن منبه عن سؤال أخلاقي وعقدي عميق يتعلق بالتمييز الدقيق بين السكوت السلبي وبين الغيرة الواعية على الحقوق والحدود، ويقدم لنا الهدي النبوي الشريف الميزان الأوضح والأكثر أماناً لحياة المسلم؛ فالنفس الذاتية لا تستحق أن ينتقم الإنسان لها عند كل إساءة أو تجاوز لفظي، أما حقوق العباد وحرمات الشريعة فلا يجوز التساهل في ضياعها أو المداراة فيها، وتتلخص الزاوية المركزية التي أردنا التركيز عليها في أن الغضب للحق لا يرفع ضوابط الشريعة وموازين العدل، وأن الحلم ليس مجرد ضعف أو غياب للمشاعر البشري، بل هو القدرة العالية على قيادة النفس بكفاءة ورزانة، وحين يجتمع الحلم الحقيقي مع الحزم والعدل، تتحول المشاعر الانفعالية إلى أدوات بناء وإصلاح مجتمعي، ويكتمل معيار الفضل الإنساني بنصرة الحق دون تجاوز حدوده الشرعية.
الهوامش
- 1 وهب بن منبه بن كامل الصنعاني الأبناوي، أبو عبدالله، وُلد سنة 34هـ، من جلة التابعين وثقات علماء اليمن، اشتهر بسعة علمه في أخبار الأمم السالفة (الإسرائيليات) ورواية الحديث، وعُرف بالحكمة والزهد وتولى القضاء، سكن مدينة صنعاء، وتوفي بها سنة 110هـ، وقيل: 114هـ.
- 2 سير أعلام النبلاء (4/ 545).
- 3 صحيح البخاري (6/ 81/ 6786).
- 4 موطأ مالك (5/ 1438/ 3621).
- 5 صفة الصفوة (2/ 127/ 489).
- 6 الجامع لعلوم الإمام أحمد (13/ 254/ 3048).
- 7 صحيح مسلم (1/ 96/ 96).
- 8 مرآة الزمان في تواريخ الأعيان (8/ 48).
- 9 صحيح البخاري (8/ 251/ 4141).
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً