حين تختبر المناصب صفاء القلوب
وهب بن منبه.. كيف تغيّر صفاء قلبه ولم يخفِ ذلك؟
يروي الإمام
الذهبي، في «سير أعلام النبلاء» خبرًا عن وهب بن منبه(1)؛ فقد رَوَى
إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِالْكَرِيمِ، عَنْ عَبْدِالصَّمَدِ بْنِ مَعْقِلٍ، قِيلَ
لَوَهْبٍ: إِنَّكَ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ كُنْتَ تَرَى الرُّؤْيَا، فَتُحَدِّثُنَا
بِهَا فَتَكُونُ حَقًّا! قَالَ: هَيْهَاتَ، ذَهَبَ ذَلِكَ عَنِّي مُنْذُ وَلِيتُ
الْقَضَاءَ(2).
تضعنا الأخبار
المروية في ترجمة وهب بن منبه أمام جانب إنساني دقيق من سيرته، العالم اليماني
الذي جمع بين الزهد وسعة العلم وتولى قضاء صنعاء، يروي الذهبي في سير أعلام
النبلاء أن بعض معاصري وهب قالوا له: «إنك يا أبا عبدالله كنت ترى الرؤيا فتحدثنا
بها فتكون حقًا».
فأجابهم وهب
بعبارة قصيرة ومباشرة: «هيهات، ذهب ذلك عني منذ وليت القضاء».
تفتح هذه
الرواية التاريخية باباً واسعاً للتحليل التربوي والنفسي، فقد لاحظ المقربون من
وهب انقطاع ما اعتادوه منه من رؤى صادقة، فسألوه عن السبب المباشر، فكان جوابه
كاشفاً عن أثر المسؤوليات العامة في الحياة الداخلية للإنسان، وتدعونا هذه الحادثة
لتأمل التحول الذي يطرأ على العالم والداعية والمربي، حين ينتقل من خلوة العلم
والعبادة إلى أعباء القضاء والولاية، وكيف تؤثر مناصب الحكم على السكينة وسط
ازدحام الخصومات واشتداد التفكير في مظالم الناس.
هل يرتبط انقطاع الرؤيا بتراجع منزلة العبد؟
لاحظ وهب بن
منبه تغيراً في أحواله المنامية بعد توليه القضاء، لكنه لم يصرح بأن هذا الانقطاع
عقوبة من الله تعالى، ولم يجعله دليلاً على نقص إيمانه وتراجع قدره عند ربه، فالرؤيا
الصالحة من المبشرات التي يستأنس بها المؤمن في طريقه، لكنها ليست معياراً حتمياً
لقياس درجة الصلاح والولاية الإيمانية، فالميزان الشرعي الأصيل يرتبط بالاستقامة
والعمل الصالح المباشر في اليقظة.
ويتجلى هذا
المعيار النبوي الدقيق في توجيه النبي صلى الله عليه وسلم لابن عمر: «نِعْمَ
الرَّجُلُ عَبْدُ اللَّهِ لَوْ كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ»(3)، تظهر
وجاهة هذا الشاهد الشريف في نقل معيار الفضل والرفعة، من مجرد التعلق بالأحوال
المنامية إلى لزوم العبادة والقيام.
فانقطاع
المبشرات المنامية عن العبد لا يعني هبوط منزلته الإيمانية، طالما كان ثابتاً على
فرائضه ومؤدياً لواجباته بشرط الإخلاص، ولهذا لا يصح تفسير جواب وهب تفسيراً
غيبياً حتمياً، وإنما هو وصف منه لتغير لاحظه ونقله بصدق عن نفسه، فالمؤمن العاقل
يربط سلامة تدينه بالاستقامة والامتثال للشرع، لا بالظواهر الاستثنائية التي قد
تطرأ أو تغيب لأسباب كثيرة.
لماذا حذر الهدي النبوي من خطورة القضاء؟
ليست وظيفة
الفصل بين الناس مجرد تطبيق لقواعد محفوظة في الكتب، بل هي أمانة ثقيلة تتصل
بالدماء والأموال، الأعراض المترتبة عليها، فالقاضي مطالب بالاستماع للخصوم
والموازنة بين البينات وتحري الحق، لإعادة الحقوق لأهلها ودفع الظلم عن المظلومين.
ولهذا جاء
التحذير النبوي الصارم من خطورة المنصب القضائي: «مَنْ جُعِلَ قَاضِيًا بَيْنَ
النَّاسِ فَقَدْ ذُبِحَ بِغَيْرِ سِكِّينٍ»(4)، وتكمن وجاهة هذا الحديث
الشريف في بيان الثقل الأخلاقي والشرعي للمنصب، والخوف الشديد من التجاوز أو وقوع
الجور بغير قصد.
وقد أدرك أئمة
التابعين هذه المسؤولية المذهلة وتهيبوا من تبعاتها، فقد قال حفص بن غياث موضحاً
شدة خوفه من القضاء: والله ما وليت القضاء حتى حلت لي الميتة(5)، يؤكد
موقف شريح أن القضاء يجمع بين شرف إقامة العدل وعظم الخطر، وتغير حال وهب يعكس ثقل
الانشغال بحقوق العباد والتفكير فيها، فكلما اتسعت المسؤولية الاجتماعية ازدادت
الحاجة إلى شدة التثبت والمراجعة، وتحمل الضغوط اليومية التي تستنزف الفكر والنفس
ومساحات الراحة.
كيف تؤثر المسؤوليات العامة على السكينة الداخلية؟
تفتح عبارة وهب
بن منبه باباً للتأمل في أثر المنصب، فمن اعتاد التفرغ للقراءة والتأمل والعبادة
يواجه واقعاً جديداً، إذ تصبح أمامه مطالب يومية قرارات حاسمة لا تحتمل التأجيل، وتتزاحم
في ذهنه شكاوى المتخاصمين وآثار الأحكام المترتبة على قراراته، حتى يمتد التفكير
في حقوق الناس إلى ساعات نومه وخلوته، غير أن الاشتغال بالخدمة العامة وإقامة
القسط من أعظم القربات، وقد أصل القرآن الكريم هذا المبدأ العظيم في آية جامعة: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ
بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ) (النحل: 90).
وتظهر وجاهة هذه
الآية في جعل العدل الإنساني فريضة شرعية ومقصدًا، فالمسؤولية العامة ليست نقيضًا
للتعبد والذكر متى صلحت النية، وقد ظهر هذا الهمّ الشديد في سيرة الخليفة عمر بن
عبد العزيز؛ إذ دخل عليه أهله فبكى، وقال: وَيْحَكِ يَا فَاطِمَةُ، إِنِّي قَدْ
وُلِّيتُ مِنْ أَمْرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ مَا وُلِّيتُ، فَتَفَكَّرْتُ فِي
الْفَقِيرِ الْجَائِعِ، وَالْمَرِيضِ الضَّائِعِ، وَالْعَارِي الْمَجْهُودِ،
وَالْيَتِيمِ الْمَكْسُورِ، وَالْأَرْمَلَةِ الْوَحِيدَةِ، وَالْمَظْلُومِ
الْمَقْهُورِ، وَالْغَرِيبِ، وَالْأَسِيرِ، وَالشَّيْخِ الْكَبِيرِ، وَذِي
الْعِيَالِ الْكَثِيرِ وَالْمَالِ الْقَلِيلِ، وَأَشْبَاهِهِمْ فِي أَقْطَارِ
الْأَرْضِ وَأَطْرَافِ الْبِلَادِ، فَعَلِمْتُ أَنَّ رَبِّي جلَّ وعلا
سَيَسْأَلُنِي عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ(6).
يوضح موقف عمر بن عبد العزيز كيف تستغرق الواجبات العامة تفكير المسؤول، ولهذا يحتاج القائم على
أمور الناس إلى تنظيم أوقاته بحكمة، كي يؤدي حقوق الرعية دون أن تستنزف طاقته
وتضعف صلته بربه، فالجمع بين أداء الخدمة وحفظ القلب هو ميزان التوفيق الإيماني.
كيف حرر الصدق وهب بن منبه من توقعات الجمهور؟
أكثر ما يثير
الإعجاب في جواب وهب هو وضوحه المباشر، فلم يسعَ لإقناع سائليه بأنه لم يتغير بعد
القضاء، ولم يختلق تفسيرات غامضة ليحافظ على الصورة المثالية المنطبعة عندهم، بل
أعلن ببساطة صريحة انقطاع ما كان يراه من رؤى، وتكشف هذه الصراحة عن خلق العالِم
الصادق مع نفسه وربه، فالإنسان قد يقع في فخ التظاهر ليحمي مكانته في عيون الناس، غير
أن القرآن الكريم حذر من هذا المسلك ونهى عن التزكية: (فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ
اتَّقَىٰ) (النجم: 32)، وتتجلى وجاهة هذا النص القرآني في التنفير من ادعاء
الكمال، والتربية على الصدق والتواضع والاعتراف بالضعف البشري والتقلبات الطارئة.
وقد تجسدت هذه
الشجاعة في موقف الخليفة الراشد عمر بن الخطاب: كُلُّ النَّاسِ أَفْقَهُ مِنْكَ
يَا عُمَرُ! وَفِي أُخْرَى: امْرَأَةٌ أَصَابَتْ وَرَجُلٌ أَخْطَأَ(7)،
فالاعتراف بتغير الأحوال والقدرات لا ينقص من قدر المربي الصادق، بل يزيد ثقة
الناس بصدق كلامه وأمانته وبعده عن الادعاء، فالتحرر من ضغط التظاهر بالكمال هو
أول درجات السلامة النفسية والشرعية.
لماذا تشكل الشهرة الدينية عبئًا على صاحبها؟
تحمل صيغة سؤال
أصحاب وهب دلالة اجتماعية بالغة الأهمية، فقد كانوا يتذكرون رؤاه الصادقة ويتوقعون
استمرارها بشكل دائم، وهذا يعني تشكل صورة ذهنية مثالية رفعتها توقعات المحيطين به،
وهذه إحدى أكبر مشكلات الشهرة والدعوة والعمل العام، إذ يُطلب من العالم ثبات
الحال الروحية بغير تغير أو تراجع، كأن الظروف والسن والأعباء لا تؤثر في الطبيعة
البشرية، وقد حذر الصحابة الكرام من صناعة الهالات المتكلفة حول الشخصيات، فقد قال
عبد الله بن مسعود لمن مشوا خلفه: ارجعوا فإنها ذلة للتابع وفتنة للمتبوع(8).
وتظهر وجاهة أثر
ابن مسعود في حماية العالم والاتباع معاً، فالعلماء والصلحاء بشر تتفاوت طاقاتهم
ويصيبهم التعب والنشاط، والمبالغة في رسم الكمال لهم تضع عليهم أعباء نفسية ثقيلة،
بينما القدوة الحقيقية لا تقوم على توهم العصمة من التغير، وإنما ترتكز على
الاستقامة والعدل والأمانة والصدق مع النفس، دون حاجة لافتعال مظاهر لا تطابق
الواقع البشري للإنسان.
كيف نوازن بين الاعتزال وخدمة مصالح الناس؟
قد توهم قراءة
هذه المروية بأن اعتزال المسؤوليات أصلح للدين مطلقاً، لكن النصوص الشرعية تقدم
رؤية متوازنة لخدمة المجتمع، فالولاية قد تكون موطناً للخطر إذا صاحبها الظلم
والتجاوز، وقد تكون سبيلاً للأجر العظيم إذا أقيم فيها الحق والقسط، وقد نبه
القرآن الكريم إلى تقديم الكفاءة والأمانة عند طلب المسؤولية: (قَالَ اجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَائِنِ
الْأَرْضِ ۖ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ) (يوسف: 55)، وتكمن وجاهة هذا
الاستشهاد القرآني في إبراز مشروعية العمل العام، متى توافرت الحفظ والأمانة
والعلم الكافي لإدارة مصالح الناس، فترك المنصب يكون أولى لمن يخشى العجز والجور
على العباد، بينما يكون القبول به واجباً ممن تتعين به المصلحة ويقدر.
ورواية وهب بن
منبه لا تفيد ندمه على ولاية القضاء، وإنما تصف حقيقة التغير الذي أحدثته أعباء
المسؤولية في يومه، وهذا يدعو إلى التعامل مع المنصب كابتلاء واختبار دائم للنية، لا
كمجرد وسيلة لتحقيق الوجاهة الاجتماعية والمكاسب الزائلة، فإن قامت بالحافظ العليم
دواعي الإصلاح وجب عليه التكليف، لخدمة الأمة ورعاية مصالحها الشاملة ودفع الضرر
عن ضعافها، ولا يسوغ للمصلح الكفء أن يتخلى عن واجبات الخدمة العامة، خوفاً على
راحته الشخصية أو خشية كدر الخلوات المعتادة عنده، بل يصبح بذل الجهد في إقامة
القسط من أعلى المقامات، ومتى رافقه الصدق والإخلاص أثمر النفع العظيم وصلاح
الأحوال.
تختصر عبارة وهب
بن منبه تجربة إنسانية وتربوية عميقة في النفع، فهي تنبهنا إلى أثر أعباء
المسؤولية على الحياة الداخلية للإنسان، فقد تقل أوقات الخلوة والتأمل وتغيب بعض
الأحوال التي اعتادها العابد، دون أن يعني هذا التغير التراجع والافتراق عن
المنزلة الإيمانية عند الله.
وقد تركزت الزاوية المعرفية في هذا المقال على إبراز شجاعة الصدق مع الذات، وبيان أن معيار النجاة في العمل العام لا يرتبط بالكرامات والرؤى، وإنما يتأسس على أداء الأمانات وإقامة العدل ورعاية حقوق العباد مع حفظ الصلة بالله، وحين يتجرد القائد والعالم من التظاهر بالكمال ويؤدي واجبه بصدق وإخلاص، يصبح عمله العام مجاهدة صالحة وعبادة راقية تثمر الأجر وتصلح بها الأحوال.
الهوامش
- 1 وهب بن منبه بن كامل الصنعاني الأبناوي، أبو عبدالله، وُلد سنة 34 هـ، من جلة التابعين وثقات علماء اليمن، اشتهر بسعة علمه في أخبار الأمم السالفة (الإسرائيليات) ورواية الحديث، وعُرف بالحكمة والزهد وتولى القضاء، سكن مدينة صنعاء، وتوفي بها سنة 110هـ، وقيل: 114هـ.
- 2 سير أعلام النبلاء (4/ 545).
- 3 مسند أحمد (10/ 407/ 6330).
- 4 سنن ابن ماجه (2/ 774/ 2308).
- 5 تهذيب الكمال في أسماء الرجال (7/ 64).
- 6 البداية والنهاية (12/ 697).
- 7 تفسير القرطبي (5/ 99).
- 8 المصنف، ابن أبي شيبة (5/ 302/ 26314).
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً