تزكية النفس بالمداومة الخفية
وهب بن منبه.. كيف تصير العبادة أسلوب حياة؟
يروي الإمام
الذهبي، في «سير أعلام النبلاء»، خبرًا عن وهب بن منبه(1)، فعَنْ
كَثِيرٍ، أَنَّهُ سَارَ مَعَ وَهْبٍ، فَبَاتُوا بِصَعْدَةَ عِنْدَ رَجُلٍ، فَخَرَجَتْ
بِنْتُ الرَّجُلِ فَرَأَتْ مِصْبَاحًا، فَاطَّلَعَ صَاحِبُ الْمَنْزِلِ فَنَظَرَ
إِلَيْهِ صَافًّا قَدَمَيْهِ فِي ضِيَاءٍ كَأَنَّهُ بَيَاضُ الشَّمْسِ، فَقَالَ
الرَّجُلُ: رَأَيْتُكَ اللَّيْلَةَ فِي هَيْئَةٍ، وَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ: اكْتُمْ
مَا رَأَيْتَ.
وقال مُسْلِم
الزَّنْجِي: حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى بْنُ الصَّبَّاحِ، قَالَ: لَبِثَ وَهْبُ بْنُ
مُنَبِّهٍ أَرْبَعِينَ سَنَةً لَمْ يَسُبَّ شَيْئًا فِيهِ الرُّوحُ، وَلَبِثَ
عِشْرِينَ سَنَةً لَمْ يَجْعَلْ بَيْنَ الْعَشَاءِ وَالصُّبْحِ وُضُوءًا، قَالَ: وَقَالَ
وَهْبٌ: لَقَدْ قَرَأْتُ ثَلَاثِينَ كِتَابًا نَزَلَتْ عَلَى ثَلَاثِينَ نَبِيًّا.
وعن جَعْفَر بْن
سُلَيْمَان، عَنْ عَبْدِالصَّمَدِ بْنِ مَعْقِلٍ، قَالَ: صَحِبْتُ عَمِّي وَهْبًا
أَشْهُرًا يُصَلِّي الْغَدَاةَ بِوُضُوءِ الْعَشَاءِ.
وَقَالَ سَلْمُ
بْنُ مَيْمُونٍ الْخَوَّاصُ، عَنْ مُسْلِمٍ الزَّنْجِيِّ، قَالَ: لَبِثَ وَهْبُ
بْنُ مُنَبِّهٍ أَرْبَعِينَ سَنَةً لَا يَرْقُدُ عَلَى فِرَاشٍ، وَعِشْرِينَ
سَنَةً لَمْ يَجْعَلْ بَيْنَ الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ وَضَوْءًا.
وَرَوَى عَبْدُالرَّزَّاقِ
بْنُ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: رَأَيْتُ وَهْبًا إِذَا قَامَ فِي الْوِتْرِ
قَالَ: لَكَ الْحَمْدُ السَّرْمَدُ، حَمْدًا لَا يُحْصِيهِ الْعَدَدُ، وَلَا
يَقْطَعُهُ الْأَبَدُ، كَمَا يَنْبَغِي لَكَ أَنْ تُحْمَدَ، وَكَمَا أَنْتَ لَهُ
أَهْلٌ، وَكَمَا هُوَ لَكَ عَلَيْنَا حَقٌّ(2).
تأخذنا الأخبار
المتتابعة عن التابعي الجليل وهب بن منبه، والتي أوردها الإمام الذهبي في ترجمته
بكتاب سير أعلام النبلاء، إلى عالم جمع بين اتساع المعرفة وشدة العناية بتزكية
النفس، يظهر الرجل الذي اشتهر بنقل أخبار الأمم السابقة وعلوم أهل الكتاب في صورة
العابد الذي يطيل القيام، ويضبط لسانه، ويستحضر معاني الحمد والمناجاة، ويتحفظ على
انتشار ما يُحكى عن عبادته.
عاش وهب بن منبه
في اليمن خلال القرن الأول الهجري وأوائل القرن الثاني، وكان من أعلام التابعين
الثقات الذين أثنى عليهم أئمة الجرح والتعديل، وتتطلب قراءة هذه الروايات التمييز
الدقيق بين أمرين: شهرة الرجل الثابتة في كتب التراجم وبين صحة التفاصيل المنقولة
عن عبادات، مع النظر في أسانيدها بعين النقاد، ولا تُقرأ هذه الأخبار باعتبار جميع
تفاصيلها حقائق تاريخية مقطوعًا بها، وإنما بوصفها مادة تراثية تكشف عن معاني
الزهد والتربية التي اعتنى بها المسلمون.
كيف يصبح كف اللسان عادة أخلاقية راسخة؟
من أبلغ ما نُقل
في هذه المجموعة قول المثنى بن الصباح إن وهب بن منبه لبث أربعين سنة لم يسب شيئًا
فيه الروح، تنبع قوة هذا الخبر من أنه يتحدث عن خلق يصاحب الإنسان في جميع أحواله
وأوقاته، فاللسان حاضر في البيت والعمل والمجالس، وعند الرضا والغضب، وفي لحظات
الهدوء والانفعال الشديد.
والامتناع عن
السب ليس مجرد تقليل للكلام، بل هو ضبط لطريقة استجابة النفس لما يثير ضيقها، وقد
تجسد هذا المعنى العملي في أخلاق السلف الصالح عند التعامل مع اللسان ومخاطره؛ فقد
دخل عمر بن الخطاب على أبي بكر الصديق وهو يجبُذُ لسانه، فقال له عمر: مه غفر الله
لك، فقال أبو بكر: إن هذا أوردني الموارد(3).
وليس المقصود من
هذا الانضباط أن الإنسان لا يغضب، وإنما أن الغضب لا يبيح له إطلاق لسانه في الأذى
والإهانة، واللافت في الخبر المنسوب إلى وهب أنه شمل كل ما فيه روح، وهو معنى واسع
يشير إلى العناية بأثر الكلام واجتناب الألفاظ المؤذية، وتتجاوز قيمة هذا المعنى
التربوي مسألة التحديد الزمني؛ فالمرء الذي يراجع ألفاظه كل يوم يصل مع مرور الزمن
إلى درجة تجعل الكلام المهذب أسلوب حياة راسخًا.
كيف صاغت المداومة على قيام الليل شخصية وهب بن منبه؟
تذكر الروايات
أن وهبًا كان يصلي الفجر بوضوء العشاء، بل تنقل بعض الطرق أنه استمر على ذلك سنين
طويلة، وفي هذه الأخبار صورة شديدة التأثير للاستمرار في العبادة؛ إذ يلفت امتداد
الممارسة النظر إلى العلاقة بين الزمن وتكوين الشخصية الإيمانية.
وتكتسب شهادة
عبد الصمد بن معقل أهمية خاصة إذ يقول إنه صحب عمه وهبًا أشهرًا يصلي الغداة بوضوء
العشاء، ومعنى الصلاة بوضوء العشاء أن الوضوء الأول بقي صالحًا للصلاة الثانية، ولا
يلزم من ذلك بالضرورة أنه امتنع عن النوم تمامًا، والأصل الشرعي في فضل قيام الليل
ثابت ومقرر في محكم التنزيل: (كَانُوا قَلِيلاً مِّنَ اللَّيْلِ مَا
يَهْجَعُونَ {17} وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) (الذاريات:17-18).
لكن فضيلة
القيام لا تعني أن المسلم مطالب بحرمان نفسه من النوم بغير رفق؛ فالعبادة التي
تستقر في حياة الإنسان، ولو كانت قليلة، أقدر على تشكيل شخصيته من اندفاع عابر لا
يلبث أن ينقطع، وفي واقع يمتلئ بالمشتتات، يكون تخصيص وقت ثابت للقيام مدخلًا
حقيقيًا للتزكية المستمرة دون الحاجة إلى محاكاة المقادير الاستثنائية.
لماذا لا يعني الزهد الشرعي تعذيب الجسد؟
تنقل رواية مسلم
الزنجي أن وهب بن منبه لبث أربعين سنة لا يرقد على فراش، يفتح هذا الخبر بابًا
مهمًا لفهم الزهد في التراث الإسلامي؛ حيث ارتبطت بعض صوره بالتخفف من أسباب
الراحة وتدريب النفس على احتمال المشقة ومقاومة الترف.
غير أن الزهد
الشرعي لا يساوي تعذيب الجسد أو حرمانه من حقوقه الفطرية التي أقرها الهدي النبوي
الشريف، وقد وضع النبي صلى الله عليه وسلم المعيار الأعدل في مجاهدة النفس حين قال
للرهط الذين أرادوا التشدد: «أَنْتُمُ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا؟ أَمَا
وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، لَكِنِّي أَصُومُ
وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ
سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي»(4).
وتقرر هذه
النصوص الشريفة أن كمال العبادة يكون بموافقة السنة المطهّرة، لا بمجرد زيادة
المشقة الإضافية، ولهذا ينبغي قراءة أخبار الزهاد في ضوء الشريعة، فلا تحول
الممارسات الفردية إلى معايير عامة ملزمة، وتصبح مجاهدة النفس فضيلة حين تعين على
الاستقامة وتحفظ الحقوق، لا حين تتحول المشقة إلى غاية مستقلة بذاتها.
كيف تتحول غزارة العلم إلى خشية وتزكية؟
يروي المثنى بن
الصباح عن وهب قوله إنه قرأ ثلاثين كتابًا نزلت على ثلاثين نبيًا، وأصل اشتهار وهب
بسعة المعرفة بأخبار الكتب السابقة ثابت في كتب التراجم؛ إذ وصفه الذهبي بغزارة
العلم في الإسرائيليات وصحائف أهل الكتاب.
إن سعة المعرفة
لا تدل وحدها على تزكية النفس ما لم تقترن بالعمل والخشية؛ فالعلماء هم الأحق
باستشعار عظمة الخالق سبحانه وتعالى، كما بين القرآن الكريم: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ
عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) (فاطر: 28).
وقد عبر الصحابة
الكرام عن هذه الحقيقة العلمية بعبارات جامعة تختصر المقصد التربوي للمعرفة؛ حيث
قال عبدالله بن مسعود: «لَيْسَ الْعِلْمُ بِكَثْرَةِ الرِّوَايَةِ وَلَكِنَّ
الْعِلْمَ الْخَشْيَةُ»(5)، وهذه الصلة بين العلم والخشية تعطي المعرفة
مقصدها السامي؛ فليست القضية معرفة الأخبار وحدها، وإنما أن تؤثر المعرفة في
العمل، وتتجلى القدوة باقتران العلم بحسن الخلق.
حين تتحول بلاغة الحمد إلى استحضار للقلب
من أرق الأخبار
ما رواه والد عبد الرزاق بن همام، إذ قال: إنه رأى وهبًا إذا قام في الوتر يقول: «لك
الحمد السرمد، حمدًا لا يحصيه العدد، ولا يقطعه الأبد، كما ينبغي لك أن تحمد، وكما
أنت له أهل، وكما هو لك علينا حق».
تتميز هذه
الرواية بنقل مشهد معين يدعي راويه أنه شهده بنفسه، ويجمع الدعاء فيه بين قوة
العبارة والتواضع أمام العظمة الإلهية، تنقل ألفاظ الدعاء الحمد من نطاق الإحصاء
البشري إلى ما يعجز الجهد عن حصره، معبرة عن محدودية العبد أمام نعم الله تعالى.
وقد سار
التابعون على هذا النهج في صياغة مناجاتهم الخفية المستمدة من فقر العبد وعظمة
الرب؛ فقد كان علي بن الحسين زين العابدين يقول في سجوده: «عُبَيْدُكَ
بِفِنَائِكَ، مِسْكِيْنُكَ بِفِنَائِكَ، سَائِلُكَ بِفِنَائِكَ، فَقِيْرُكَ
بِفِنَائِكَ»(6)، والتأمل في معاني الحمد والعجز يرد اللغة إلى وظيفتها
الأصلية في العبادة، ليكون الدعاء تعبيرًا عن قلب حاضر يدرك شدة حاجته إلى ربه.
لماذا حرص الزهاد على كتمان أعمالهم الصالحة؟
تنتقل قصة صعدة
من الحديث عن طول العبادة إلى مسألة أكثر خفاءً، وهي علاقة العابد بنظرة الناس
إليه، فبحسب الرواية، رأى صاحب المنزل وهبًا قائمًا في ضياء، فلما أخبره بما شاهد،
أجابه بعبارة موجزة: «اكتم ما رأيت».
تحمل هذه
العبارة المنسوبة إلى وهب معنى تربويًا واضحًا يركز على الرغبة في ألا تتحول
العبادة إلى مادة لإعجاب الآخرين، وتجلت هذه الممارسة الإيمانية في أحوال أئمة
التابعين الذين حرصوا على ستر طاعاتهم عن الأعين؛ إذ كَانَ أَيُّوْبُ
السِّخْتِيَانِيُّ يَقُوْمُ اللَّيلَ كُلَّه، فَيُخفِي ذَلِكَ، فَإِذَا كَانَ
عِنْدَ الصُّبْحِ، رَفعَ صَوْتَه كَأَنَّهُ قَامَ تِلْكَ السَّاعَةَ(7).
إن الإخلاص
يتعلق بالقصد الباطن الذي لا يطلع عليه الناس على وجه اليقين، والإخفاء في
العبادات المستحبة أعون على صيانة النية، وتزداد أهمية هذا المعنى في عصر أصبحت
فيه مشاركة التفاصيل أمرًا معتادًا؛ إذ يربي تخصيص نصيب من العبادة الخفية الإنسان
على العمل دون انتظار الثناء، ويمنحه معيارًا داخليًا صادقًا للنجاح.
هل تعد الخوارق معيارًا حقيقيًا لولاية الله؟
تثير قصة الضياء
المنسوبة إلى وهب مسألة دقيقة في التعامل مع كتب الزهد والمناقب، فالكرامات جائزة
في معتقد أهل السنة، ولكن وقوع الكرامة في الجملة لا يعني التسليم بصحة كل قصة
تروى دون تمحيص أسنادي دقيق.
ولم يجعل القرآن
الكريم الخوارق معيارًا لولاية الله، وإنما جعل الإيمان والتقوى أساسها المتين: (أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ
عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ {62} الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ) (يونس:62-63).
وقد وضع أئمة
الفقه والنقد المعيار الدقيق لتقويم هذه الأحوال دون اغترار بالظواهر الخارقة؛ حيث
قال الإمام الشافعي: «إذا رأيتم الرجل يمشي على الماء أو يطير في الهواء فلا
تغتروا به حتى تعرضوا أمره على الكتاب والسنة»(8)، فالاستقامة على
الشرع هي الكرامة الحقيقية، والاعتماد على الأعمال المعتادة الصالحة هو المادة
الأساسية التي تبنى منها حياة الصلاح.
لماذا يفوق العمل الدائم أثر الحماسة المؤقتة؟
تلتقي الأخبار
المتعددة عن وهب بن منبه عند عنصر واضح، هو امتداد السلوك عبر الزمن متجاوزًا
المواقف الطارئة، فالروايات تقدم صورة لعادات طويلة المدى، توضح أن الفضيلة تحتاج
إلى ممارسة مستمرة حتى تصبح جزءًا أصيلًا من شخصية المرء.
وقد صاغ الحديث
النبوي الشريف هذا المبدأ التربوي في أوجز لفظ وأجمعه؛ إذ قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: «سَدِّدُوا وَقَارِبُوا، وَاعْلَمُوا أنه لَنْ يُدْخِلَ أَحَدَكُمْ
عَمَلُهُ الْجَنَّةَ، وَأَنَّ أَحَبَّ الْأَعْمَالِ أَدْوَمُهَا إلى الله وَإِنْ
قَلَّ»(9).
وهذا النص
الشريف أصل جامع في فهم قيمة العمل المتصل والمداومة عليه، فبناء الخلق الحسن
والعبادة المستقرة يعتمدان على التكرار الثابت الذي يطوع النفس ويقاوم التسويف، والعمل
القليل المداوم عليه يتراكم عبر الأيام ليصنع الأثر التربوي الأعمق، متحولًا إلى
نظام حياة يحفظ استقامة الإنسان في مختلف ظروفه.
لماذا لا تكفي سعة الرواية لصناعة القدوة؟
إذا جمعنا صورة
وهب العلمية بما يروى عن عبادته، ظهرت أمامنا قضية تتجاوز شخصيته إلى مفهوم القدوة
وأثرها في المجتمع، فالأثر الأعظم للعالم يتحقق حين يرى الناس التطابق والصلة
الوثيقة بين علمه وسلوكه العلمي والتربوي.
وقد تجسدت
القدوة الحقيقية في سير أئمة العلم الذين جمعوا بين سعة المادة العلمية والعمل
الصالح والخشية؛ فقد قيل عن عبدالله بن المبارك: جَمَعَ الْعِلْمَ وَالْفِقْهَ
وَالأَدَبَ وَالنَّحْوَ وَاللُّغَةَ وَالزُّهْدَ وَالشِّعْرَ وَالْفَصَاحَةَ
وَالْوَرَعَ وَالإِنْصَافَ وَقِيَامَ اللَّيْلِ وَالْعِبَادَةَ وَالْحَجَّ
وَالْغَزْوَ وَالسَّخَاءَ وَالشَّجَاعَةَ وَالْفُرُوسِيَّةَ وَالشِّدَّةَ فِي
بَدَنِهِ، وَتَرَكَ الْكَلامَ فِيمَا لا يَعْنِيهِ، وَقِلَّةَ الْخِلافِ عَلَى
أَصْحَابِهِ، وَكَانَ كَثِيرًا مَا يَتَمَثَّلُ:
وَإِذَا
صَاحَبْتَ فَاصْحَبْ مَاجِدًا ذَا حَيَاءٍ وَعَفَافٍ وَكَرَمْ
قَوْلُهُ
لِلشَّيْءِ لا إِنْ قُلْتَ لا وَإِذَا قُلْتَ نَعَمْ قَالَ نَعَمْ(10)
إن الجمع بين
المحبة للعلماء والتمييز النقدي لمروياتهم يحفظ للأعلام منزلتهم، فالقدوة التي
تؤثر في النفوس هي التي تقدم أنموذجًا عمليًا يزاوج بين العلم والعمل المقدر عليه،
مما يجعل الاقتداء أمرًا ممكنًا يثمر استقامة في السلوك.
كيف نقرأ تراجم الزهاد بأسلوب نقدي رشيد؟
تتيح هذه
المجموعة من الأخبار فرصة للتأمل في طبيعة المنهجية التي اعتمدها أئمة النقد في
التعامل مع التراجم، فكتب السير تجمع بين الأخبار التاريخية والمرويات المسندة
والحكايات الوعظية، وهي مواد تختلف في درجات ثبوتها وقوتها الحديثية.
وقد نبه الإمام
الذهبي وغيره من نقاد الحديث إلى ضرورة تمحيص الروايات الغريبة المنقولة عن الزهاد
وتطبيق قواعد النقد الحديثي عليها قبل اعتمادها حقائق، وميز العلماء بين الاستفادة
من المضمون التربوي وبين إثبات الوقائع التاريخية المحض.
إن التمييز بين
العبرة التربوية والحقيقة التاريخية يمنع الخلط، ويحمي الفكر من قبول المبالغات
بغير دليل، والالتزام بهذه الحدود النقدية يجعل القراءة أكثر إنصافًا ودقة،
مستفيدة من المعاني الإيمانية السامية دون إخلال بالمنهج العلمي في قبول الأخبار
ونقل السير.
تأخذنا القراءة المتأملة في سير أعلام التابعين ومرويات وهب بن منبه من صورة العابد بالليل إلى المربي الذي يراقب لسانه ويخفي عمله ويقرن العلم بالخشية والعمل الصالح، وقد تركزت الزاوية المعرفية في هذا المقال على إبراز المعالم التربوية التي تحول العبادة من ممارسات متقطعة إلى أسلوب حياة شامل ومستمر، وتتضوع هذه المعالم في ضبط اللسان، والمداومة على القليل الصالح، وإخلاص السريرة، والتوازن الشرعي بين مجاهدة النفس ومراعاة طاقتها، والاعتماد على الاستقامة معيارًا أساسيًا للصلاح بدلاً من الجري وراء الخوارق أو المبالغات المنقولة، إن القيمة الحقيقية للاقتداء بسير الصالحين تكمن في تمثل هذه القيم الأخلاقية والعملية في واقعنا المعاصر، ليكون الإيمان سلوكًا يتجدد، والعلم بصيرة أصلية، والعبادة صلة صادقة ومستمرة بالله تعالى.
الهوامش
- 1 وهب بن منبه بن كامل الصنعاني الأبناوي، أبو عبدالله، وُلد سنة 34هـ، من جلة التابعين وثقات علماء اليمن، اشتهر بسعة علمه في أخبار الأمم السالفة (الإسرائيليات) ورواية الحديث، وعُرف بالحكمة والزهد وتولى القضاء، سكن مدينة صنعاء، وتوفي بها سنة 110هـ، وقيل: 114هـ.
- 2 سير أعلام النبلاء (4/ 545).
- 3 موطأ مالك (5/ 1438/ 3621).
- 4 صحيح البخاري (5/ 1949/ 4776).
- 5 الزهد لأحمد بن حنبل (131/ 867).
- 6 سير أعلام النبلاء (4/ 393).
- 7 المرجع السابق (6/ 17).
- 8 تفسير ابن كثير (1/ 349).
- 9 صحيح البخاري (5/ 2373/ 6099).
- 10 المجالسة وجواهر العلم.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً