هوية العالم بين الأصل والمعرفة

وهب بن منبه.. عوامل صنعت علمه الواسع من فارس إلى اليمن

قافلة تسير من بلاد فارس في بداية الفتح الاسلامي لها وفيها نساء وأطفال هم أهل وهب بن منبه الذين خرجوا من فارس الى اليمن

يروي الإمام الذهبي، في «سير أعلام النبلاء»، خبرًا عن وَهْب بن مُنَبِّه(1) أنه ابْنُ كَامِلِ بْنِ سِيجِ بْنِ ذِي كِبَارٍ، وَهُوَ الْأُسْوَارُ الْإِمَامُ، الْعَلَّامَةُ الْأَخْبَارِيُّ الْقَصَصِيُّ، أَبُو عبدالله الْأَبْنَاوِيُّ، الْيَمَانِيُّ الذِّمَارِيُّ الصَّنْعَانِيُّ، أَخُو هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، وَمَعْقِلِ بْنِ مُنَبِّهٍ، وَغَيْلَانَ بْنِ مُنَبِّهٍ.

مَوْلِدُهُ فِي زَمَنِ عُثْمَانَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَلَاثِينَ، وَرَحَلَ وَحَجَّ.

وَأَخَذَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ -إِنْ صَحَّ- وَأَبِي سَعِيدٍ، وَالنُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، وَجَابِرٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَعبدالله بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ - عَلَى خِلَافٍ فِيهِ – وَطَاوُسَ.

حَتَّى إِنَّهُ يَنْزِلُ وَيَرْوِي عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، وَأَخِيهِ هَمَّامٍ، وَعَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، وَفَنَّجَ الْيَمَانِيِّ - وَلَا يُدْرَى مَنْ فَنَّجُ.

حَدَّثَ عَنْهُ وَلَدَاهُ: عبدالله وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، وَسِمَاكُ بْنُ الْفَضْلِ، وَعَوْفٌ الْأَعْرَابِيُّ، وَعَاصِمُ بْنُ رَجَاءِ بْنِ حَيْوَةَ، وَيَزِيدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ، وَعبدالله بْنُ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْمٍ، وَإِسْرَائِيلُ أَبُو مُوسَى.. وَخَلْقٌ سِوَاهُمْ.

وَرِوَايَتُهُ لِلْمُسْنَدِ قَلِيلَةٌ، وَإِنَّمَا غَزَارَةُ عِلْمِهُ فِي الْإِسْرَائِيلِيَّاتِ، وَمِنْ صَحَائِفِ أَهْلِ الْكِتَابِ.

قَالَ أَحْمَدُ: كَانَ مِنْ أَبْنَاءِ فَارِسَ، لَهُ شَرَفٌ، قَالَ: وَكُلُّ مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ لَهُ «ذِي» هُوَ شَرِيفٌ، يُقَالُ: فُلَانٌ لَهُ «ذِي»، وَفُلَانٌ لَا «ذِي» لَهُ.

قَالَ الْعِجْلِيُّ: تَابِعِيٌ ثِقَةٌ، كَانَ عَلَى قَضَاءِ صَنْعَاءَ، وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ وَالنَّسَائِيُّ: ثِقَةٌ.

قَالَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَزْهَرِ: سَمِعْتُ مَسْلَمَةَ بْنَ هَمَّامِ بْنِ مَسْلَمَةَ بْنِ هَمَّامٍ يَذْكُرُ عَنْ آبَائِهِ؛ أَنَّ هَمَّامًا وَوَهْبًا وَعبدالله وَمَعْقِلًا وَمَسْلَمَةَ بَنُو مُنَبِّهٍ، أَصْلُهُمْ مِنْ خُرَاسَانَ، مِنْ هَرَاةَ، فَمُنَبِّهٌ مِنْ أَهْلِ هَرَاةَ، خَرَجَ أَيَّامَ كِسْرَى، وَكِسْرَى أَخْرَجَهُ مِنْ هَرَاةَ، ثُمَّ إِنَّهُ أَسْلَمَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَحَسُنَ إِسْلَامُهُ، وَمَسْكَنُهُمْ بِالْيَمَنِ، وَكَانَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ يَخْتَلِفُ إِلَى هَرَاةَ، وَيَتَفَقَّدُ أَمْرَ هَرَاةَ(2).

تتشكل الشخصيات التاريخية الكبرى في كثير من الأحيان عند نقاط التقاطع المعقدة؛ حيث تتمازج الأصول والجغرافيا، وتتداخل الموارد المعرفية لتصنع مساراً فريداً لا يمكن اختزاله في قالب واحد، ويمثل الإمام وهب بن منبه نموذجاً جلياً لهذه الشخصية الاستثنائية في التراث الإسلامي؛ فهو عالم تتداخل في تكوينه الهوية الفارسية الموروثة، والنشأة اليمانية المستقرة، مع الاتصال الوثيق بجيل الصحابة والتابعين، والاطلاع الموسوعي على صحائف أهل الكتاب وأخبار الأمم السابقة، إن قراءة سيرة وهب لا تتطلب البحث عن وصف مغلق يستوعب أبعاده، بل تقتضي فهم كيف تضافرت هذه الدوائر المتعددة لتصنع رجلاً جامعاً بين الرواية والإخبار، وبين القضاء والعمل الاجتماعي.

كيف صاغت الهجرة الفارسية هوية وهب بن منبه؟

تكشف الجذور الأولى لأسرة وهب بن منبه عن مسار هجرة امتد عبر أقاليم متنائية؛ إذ ينقل المؤرخون أن أصل أسرته يعود إلى مدينة هراة في إقليم خراسان، وقد خرج جده أو أبوه منبه منها في عهد كسرى، لينتهي به المطاف في أرض اليمن حيث أقام واستقر، ليكون نموذجاً مبكراً لتحول الجغرافيا وصناعة الانتماء، وفي هذا السياق، يروي مسلَمة بن همام عن آبائه توثيقاً لهذه الهجرة الممتدة: «أن هماماً ووهباً وعبدالله ومعقلاً ومسلمة بنو منبه أصلهم من خراسان من هراة، فمنبه من أهل هراة خرج أيام كسرى، أخرجه كسرى من هراة، ثم إنه أسلم على عهد النبي صلى الله عليه وسلم فحسن إسلامه، ومسكنهم باليمن».

ولا يقف أثر الهجرة والارتحال عند أصل أسرة وهب؛ بل إن التاريخ الإسلامي المبكر حافل بمواقف مفصلية أعادت تشكيل مجتمعات بأكملها عبر الانتقال والفرار بالدين، ويتجلى ذلك في موقف أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط التي هاجرت بمفردها من مكة إلى المدينة فارّة بدينها كأول قرشية تهاجر مسافرة في هدنة الحديبية، ثم استقرت في موطنها الجديد وصارت جزءاً راسخاً من المجتمع المدني، كما نجد هذا المعنى جلياً في موقف أسماء بنت عميس وأصحاب السفينة الذين هاجروا إلى أرض الحبشة واستقروا بها زمناً ثم انتقوا إلى المدينة المنورة، فلما قال لها عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «سبقناكم بالهجرة فنحن أحق برسول الله منكم»، ذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال لها: «له ولأصحابه هجرة واحدة، ولكم يا أهل السفينة هجرتان»(3).

توضح هذه المواقف التاريخية كيف صنع التحول الجغرافي انتماءات جديدة تتراكم فيها أبعاد الهوية؛ فلم تلغِ الإقامة المستقرة باليمن الوعي بالأصل الخراساني لآل منبه، كما لم تُلغِ هجرة الصحابة إلى الحبشة أو المدينة اعتزازهم بأنسابهم، بل تآلفت تلك الأبعاد في إطار هوية إسلامية واجتماعية جامعة، وتظهر هذه التعددية بوضوح في النعوت التي أطلقت على وهب؛ إذ يوصف بأنه «الأبناوي، اليماني، الذماري، الصنعاني»، وهي ألقاب تتراتب لتصف أبعاد هويته المختلفة من النسب والعرق إلى الإقليم والمدينة.

أبناء فارس باليمن بين الشرف الاجتماعي والتميز العلمي

ارتبط مصطلح «الأبناء» في التاريخ اليمني بأبناء الفرس الذين قدموا إلى اليمن قبل الإسلام وتداخلوا مع أهلها بالمصاهرة والاستقرار، وكان إطلاق هذا الوصف على وهب دليلاً على أن نسب أسرته ظل حاضراً في وعي مجتمعه ولم يندثر بالاندماج، وقد أشار الإمام أحمد بن حنبل إلى المكانة الاجتماعية التي حازها هذا المكون حين قال: «كان من أبناء فارس، له شرف، وكل من كان من أهل اليمن له «ذي» فهو شريف، يقال: فلان له ذي، وفلان لا ذي له».

غير أن الشرف الاجتماعي الموروث لا يستقر وحده مدعاة للرفعة في الحضارة الإسلامية ما لم يعضد بالفضل والتقوى والتفرد المعرفي، ويظهر هذا المبدأ الإسلامي الحاكم في موقف أمة سوداء لبعض العرب، حيث كانت مملوكة فاتهموها بسرقة وشاح وعذبوها، فأنجاها الله تعالى وأسلمت وسكنت في المسجد، وكانت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها تجالسها وتسمع منها، فأبدلت هويتها السابقة بالانتماء للإسلام وحظيت بمكانة وتقدير في بيت النبوة بفضل إيمانها ودينها(4).

يبرز هذا الموقف أن النسب والأصل الفارسي وإن منحا آل منبه تعريفاً اجتماعياً أوليّاً و«شرفاً» بحسب التعبير المأثور، إلا أن منزلة وهب العلمية ورئاسته في القضاء والحديث إنما تشكلت بما أضافه من فضل ودين وعلم، فالشرف الاجتماعي مدخل أول، بينما الاستقرار في قلوب الناس والمسرّة العلمية يصنعان بالعمل النافع والتقوى.

رواية وهب بن منبه عن الصحابة.. بين الثبوت والنظر

ولد وهب بن منبه في مرحلة مبكرة من تاريخ الدولة الإسلامية، تحديداً في خلافة أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه سنة أربع وثلاثين للهجرة، أتاح هذا التوقيت لوهب أن يعايش بقية الصحابة الكرام ويأخذ عن أعيانهم، مما يجعله في عداد طبقة التابعين الذين تلقوا العلم من مصدره المباشر، وتذكر المصادر أنه روى عن عبدالله بن عباس، وأبي سعيد الخدري، وجابر بن عبدالله، وعبدالله بن عمر، وطاووس بن كيسان.

ويشابه مسار نشأة وهب والتلقي المبكر ما نراه في موقف الإمام سعيد بن المسيب، الذي ولد لسنتين خلتا من خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فنشأ في العصر المبكر وصحب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم حتى قال عن نفسه: «ما بقي أحد أعلم بقضاء قضاه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر مني»(5)، وأسند عن جمع غفير من كبار الصحابة كعثمان وعلي وسعد وابن عباس وأبي هريرة وعائشة رضي الله عنهم.

غير أن النقاد والمحدثين مارسوا تدقيقاً منهجياً صارماً في إثبات السماع المباشر لوهب من بعض الصحابة، حيث أشار الحافظ الذهبي إلى هذا التحري بقوله عند ذكر شيوخه: «وأخذ عن ابن عباس، وأبي هريرة -إن صح- وأبي سعيد، والنعمان بن بشير، وجابر، وابن عمر، وعبدالله بن عمرو بن العاص -على خلاف فيه- وطاووس»، يجسد هذا التقييم النقدي الدقة الحصيفة عند المحدثين؛ إذ لم يكتفوا بوجود المعاصرة الإمكانية، بل تمهلوا في إثبات الاتصال المباشر بين التابعي والصحابي، واضعين فاصلة بين ما ثبت سماعه بالدليل، وما كان محل نظر أو رواية مرسلة.

لماذا قَلّت رواية وهب بن منبه للحديث المسند؟

تقتضي قراءة نتاج وهب بن منبه التمييز بين نمطين من المعرفة: الحديث المرفوع المسند إلى النبي صلى الله عليه وسلم، والأخبار الموقوفة أو المنقولة عن الأمم السابقة، يضع الإمام الذهبي اليد على هذه الخصيصة العلمية لوهب بتحديد حاسم حيث يقول: «وروايته للمسند قليلة، وإنما غزارة علمه في الإسرائيليات، ومن صحائف أهل الكتاب».

ويرجع هذا التمايز المعرفي إلى تباين التخصصات والاهتمامات بين أعلام التابعين والصحابة دون أن يعني ذلك غميزة في مكانتهم أو ديانتهم، ونجد نظير ذلك في تفاوت اهتمامات الرعيل الأول؛ حيث تحرز بعض المحدثين والتابعين من الإكثار في الحديث المرفوع وتفرغوا للتفسير والوعظ والتاريخ، كحال عبيد بن عمير الذي كان يغلب عليه القصص والوعظ والتذكير بأخبار الأمم السابقة، حتى قال له ابن عباس رضي الله عنهما: «أبا عاصم، ذكّر بالله وذكّر الله»(6)، مع قلة روايته للمرفوع المسند مقارنة بفقهاء الأحكام.

إن قلة الأحكام والمسانيد المرفوعة في مرويات وهب تعبر إذن عن اتجاه معرفي واهتمام علمي انصبت فيه جهوده، فقد اتسعت مدركاته لتستوعب قصص الأنبياء والتاريخ القديم، وهو المجال الذي وجد فيه متسعاً للتصنيف والإخبار، يوضح هذا التفريق ضرورة التمييز بين كثرة المادة المنقولة في باب معين وبين القدرة العلمية العامة؛ فالقلة في باب المسند كانت نتيجة طبيعية لغلبة الاشتغال بأخبار التفسير وصحائف المتقدمين.

الفرق بين أمانة الناقل وصحة المادة الإسرائيلية المنقولة

شاع في المدوّنات التاريخية والتفسيرية إطلاق مصطلح «الإسرائيليات» على الأخبار والتفاصيل المنقولة عن بني إسرائيل وأهل الكتاب، لا سيما ما يتعلق ببدء الخلق، وقصص الأنبياء، وسير الأمم الخالية، وقد اتسع نطاق النقل عند وهب في هذا الباب حتى وصفه الذهبي بـ«الأخباري القصصي»، ويؤكد وهب نفسه هذا الاطلاع الواسع بقوله: «قرأت ثلاثة وثمانين كتاباً مما أنزل الله على أنبيائه».

ولم يكن نقل صحائف المتقدمين بدعاً من القول، بل جرى به العمل لدى جمع من التابعين والصحابة ممن ظفروا بكتب أهل الكتاب واستفادوا منها للاعتبار؛ ويتجلى ذلك في موقف عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما حين أصاب صحيفة يوم اليرموك من كتب أهل الكتاب، فكان يحدث منها للعبرة والتاريخ مع تمييزه الدقيق بين المرفوع النبوي وأخبار الأمم السابقة(7)، كما يظهر في موقف كعب الأحبار ووهب بن منبه وعبدالله بن سلام في استشهادهم بمواعظ التوراة والإنجيل، كقول كعب الأحبار لأبي مسلم الخولاني حكيم هذه الأمة واستشهاده بما جاء في الكتب القديمة لحثه على الزهد والعبادة.

يكشف هذا الارتباط عن استغراق وهب في القراءة المباشرة لصحائف أهل الكتاب وتتبع آثارها، بيد أن منهج النقد الإسلامي وضع ضوابط واضحة للتعامل مع هذا النمط من المعارف؛ فنقل العالم لمثل هذه المرويات لا يمنحها صفة القداسة التشريعية ولا يحولها إلى أحكام نبوية، بل يظل المحك في التفرقة بين أمانة الناقل وضبطه لما ينقله من جهة، وبين مدى صحة المادة المكتوبة في تلك الصحائف في ذاتها من جهة أخرى.

هل تقتضي وثاقة وهب بن منبه صحة مروياته الإسرائيلية؟

حظي وهب بن منبه بتوثيق واسع من أئمة الجرح والتعديل الذين نظروا في عدالته وأمانته، فقد نقل المؤرخون أحكام النقاد فيه؛ حيث «قال العجلي: تابعي ثقة، كان على قضاء صنعاء، وقال أبو زرعة والنسائي: ثقة».

وقد اطرد هذا المسلك النقدي عند أئمة الحديث والأثر؛ إذ يفرقون بدقة متناهية بين توثيق الراوي وأمانته الشديدة في نفسه، وبين الميزان النقدي المستقل للمادة التي يحكيها، ونلمس هذا المعنى بوضوح في موقف الإمام محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، الذي أجمع العلماء والنقاد على حفظه وتوثيقه وجلالته، ورغم هذه الوثاقة المطلقة فإن أئمة النقد تميزوا بالتدقيق والتمييز في مروياته؛ قال الليث بن سعد: «ما رأيت عالماً قط أجمع من ابن شهاب.. ولو سمعت ابن شهاب يحدث في الترغيب لقلت لا يحسن إلا هذا، وإن حدث عن الأنبياء وأهل الكتاب لقلت لا يحسن إلا هذا»(8)، مما يدل على تحري أهل العلم وتفريقهم بين جلالة الراوي وحفظه وبين إخضاع مفردات مروياته التاريخية للتمحيص.

توضح هذه الأحكام النقدية دقة أئمة الحديث في الفصل بين رتبة الراوي وصحة المتون التاريخية، إن الحكم على وهب بالوثاقة والعدالة يثبت صدقه في ديانته وأمانته في الحكاية والنقل، ولكنه لا يسبغ صحة مطلقة على كل خبر تاريخي أو إسرائيلي يحكيه عن الكتب القديمة، فالمحدثون يوثقون الرجل لحفظه وأمانته، ثم يخضعون كل مادة تاريخية يتفرد بها للنقد المستقل.

أبعاد الحضور الاجتماعي لوهب بن منبه قاضيًا بصنعاء

لم تكن حياة وهب بن منبه مقصورة على مجالس التحديث وقراءة الصحائف القديمة، بل امتدت لتشمل الانخراط الفاعل في المسؤوليات العامة والاجتماعية، وتبرز هذه الناحية بوضوح فيما ذكره العجلي وغيره من الأئمة في ترجمته من أنه «كان على قضاء صنعاء».

ولم يكن جمع العالم بين علوم الشريعة وروايتها وبين تولي مناصب القضاء والإدارة غريباً في عصر التابعين؛ ونجد مصداق ذلك في موقف أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، الذي جمع بين أمانة الرواية وعلو القيمة العلمية وبين تولي المسئوليات التنفيذية والقضاء؛ إذ كان على قضاء المدينة ثم ولاه عمر بن عبد العزيز إمرة المدينة المنورة مع القضاء، ولم يشغله النظر في الخصومات وإدارة شؤون الناس عن عبادته ومكانته العلمية(9).

تلقي تولية وهب للقضاء ضوءاً جلياً على أبعاد شخصيته المركبة؛ إذ إن منصب القضاء في المجتمع الإسلامي المبكر كان يتطلب حصافة ورجاحة عقل، وفهماً دقيقاً للواقع ومعاملات الناس، ويؤكد هذا التكليف أن وهب لم يكن مجرد راوية منعزل يجمع القصص، بل كان رجلاً يملك حضوراً علمياً وتنفيذياً ومكانة جعلته موضع ثقة في ولايات الدماء والأموال.

لماذا واصل وهب بن منبه زيارة مدينة هراة؟

تسجل التراجم التاريخية تفصيلاً لافتاً يتعلق بصلة وهب بن منبه بموطن أسرته الأول في خراسان؛ إذ يذكر مسلَمة بن همام في روايته عن أصله الأسري قوله: «وكان وهب بن منبه يختلف إلى هراة، ويتفقد أمر هراة».

ويعكس هذا التردد والمحافظة على أواصر الأصول الأولى قيماً اجتماعية وأخلاقية راسخة عرفها أئمة التابعين وأسرهم؛ ونرى شبهاً لذلك في موقف ربيعة بن أبي عبد الرحمن (ربيعة الرأي)، حيث خرج والده (فروخ) غازياً إلى خراسان قبل ولادته وتركه حملاً في بطن أمه وخلف مالاً، فلما قدم الأب المدينة بعد سبع وعشرين سنة لم ينقطع الوفاء ولا الصلة بل وجد ابنه قد صار عالم المدينة وسيدها(10)، فانقادت الأسرة لترسيخ الروابط بين الموطن البعيد والدار الجديدة دون قطيعة.

يشير تردد وهب المستمر إلى بقاء الروابط الأسرية والذاكرة التاريخية حية في وجدانه رغم الاستقرار النهائي في اليمن، ورغم أن النصوص التاريخية لم تفصل الأسباب المباشرة لهذه الرحلات إلا أن المضمون الإنساني المترتب على ذلك يتجلى في قدرة العالم على الجمع بين الانتماء الكامل للمجتمع الذي نشأ فيه، والحفاظ على الصلات التي تربطه بأصوله الأولى، في صورة تتكامل فيها أبعاد الهوية دون تنازع.

هل صنعت الخلفية المتعددة التخصص المعرفي لوهب بن منبه؟

تميل بعض القراءات التاريخية إلى تفسير اهتمام وهب الواسع بصحائف أهل الكتاب وأخبار الأمم السابقة بأصوله الفارسية ونشأته في بيئة يمانية ملتقية للثقافات، وفي هذا السياق، ينقل العجلي والذهبي صورة عن سعة اطلاعه وروافده المعرفية الذاتية؛ إذ يروى عن وهب قوله: «لقد قرأت ثلاثين كتاباً نزلت على ثلاثين نبياً».

وتتضح قيمة هذا الاطلاع الموسوعي حين نتذكر كيف أثرت الخلفيات المتعددة في إثراء الفكر الإسلامي وتطبيقه؛ كما نرى في موقف سلمان الفارسي رضي الله عنه، حيث أدت نشأته الأولى في بلاد فارس واطلاعه على أديان مختلفة قبل إسلامه إلى إثراء معرفته وحكمته، وتجلى ذلك في مشورته الفذة بحفر الخندق يوم الأحزاب وهي من شيم أهل فارس، فكانت خلفيته المعرفية والجغرافية السابقة خيراً وبركة على المجتمع الإسلامي بأكمله.

يرسم هذا النص أفقاً لسعة الاطلاع وعمق الرغبة في المعرفة التاريخية عند وهب، غير أن التحليل التاريخي المنضبط يوجب الحذر من افتراض علاقة سبب حتمية بين النسبة العرقية والتخصص العلمي؛ فالخلفية المتعددة وفرت لآفاقه مناخاً ثرياً، لكن الشغف بالمعرفة والقراءة المباشرة هما اللذان وجّها اهتمامه لنقل أخبار الأمم.

كيف بنى الإمام الذهبي الشخصية النقدية لوهب بن منبه؟

يقدم الحافظ الذهبي في ترجمته لوهب بن منبه نموذجاً راقياً للمنهج النقدي المتزن في كتابة سير الأعلام، فهو يبدأ ترجمته بالتأطير والمباشرة مستهلاً إياها بـ «وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ.. الإِمَامُ، العَلاَّمَةُ، الأَخْبَارِيُّ، القَصَصِيُّ»، ليمزج بين الثناء على مكانته التوثيقية وبين تحديد طبيعة علمه بدقة.

ويستند هذا المنهج الإنصافي إلى قاعدة نقدية وأخلاقية جليلة قررها أئمة التابعين؛ وتتجلى في موقف الإمام سعيد بن المسيب في إنصاف العلماء والأعلام، حيث ينقل عنه الإمام مالك بن أنس أنه قال: «إنه ليس من شريف ولا عالم ولا ذي فضل إلا وفيه عيب، ولكن من الناس من لا ينبغي أن تذكر عيوبه وقال: من كان فضله أكثر من نقصه وهب نقصه لفضله»(11).

يتجلى منهج الذهبي المنصف في ضوء هذه القاعدة؛ فهو لا يتردد في الثناء على فضل وهب ووثاقته وإمامته، وفي الوقت ذاته يوضح بجلاء أن غالب مادته هي في الإسرائيليات وصحائف المتقدمين، ناهيك عن تنبيهه على الخلاف في أسانيده إلى بعض الصحابة، إن هذا المسلك النظري يكرس مبدأ الإنصاف التاريخي، حيث ينظر إلى العالم في كليته المترابطة، فلا تلغى محاسنه ووثاقته لغرابة بعض ما ينقله، ولا تؤخذ كل مروياته التاريخية بالقبول المطلق دون سبر وتمحيص.

تكامل الهويات الثقافية والاجتماعية في تراث وهب بن منبه

تتكامل بورتريت شخصية وهب بن منبه لتكشف عن عالم تتداخل في تكوينه روافد متعددة؛ فهو أبناوي فارسي النسبة، يماني الدار والمنشأة والوفاة، أخذ عن طبقة من الصحابة، وحاز ثقة أئمة الجرح والتعديل، وولى قضاء صنعاء، واشتهر بسعة العلم بأخبار الأمم وصحائف أهل الكتاب، ومع ذلك ظل يتردد على هراة ليتفقد موطن آبائه.

ونجد شبيه هذه التعددية الهوياتية والمعرفية المكتملة في موقف الإمام علي بن الحسين (زين العابدين)، الذي اجتمعت فيه الهوية النبوية والنسب القرشي الشريف مع العلم والعمل والقضاء وإغاثة الناس بالخفاء؛ وكان يتواضع في جلوسه للعلم عند مولى مثل زيد بن أسلم فقيل له: «أنت سيد الناس وأفضلهم تذهب إلى هذا العبد فتجلس معه؟»، فقال: «إنه ينبغي للعلم أن يتبع حيثما كان»(12)، مبرهناً على أن الحضارة الإسلامية تصهر النسب والجغرافيا والتخصص في بوتقة العلم.

(أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ) (غافر: 82)، (وَكُلًّا نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ) (هود: 120)، (وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ) (الشعراء: 196)؛ توضح هذه الآيات الكريمة الأفق القرآني الذي ينظر من خلاله إلى أخبار الأوليين وأنباء الأمم السابقة؛ حيث جعل الله تعالى في تتبع سير المتقدمين مجالاً للاعتبار والتدبر وتثبيت القلوب، ومن هذا المنطلق السامي، يتنزل اشتغال علماء الإسلام وفي مقدمتهم وهب بن منبه باستكشاف صحائف القدماء؛ إذ لم يكن ذلك ترفاً أفقياً أو انشغالاً بحكايات مجردة، بل كان سعياً للاستبصار بالسنن الإلهية في البشر، واستشهاداً بما وافق الحق من زبر الأولين.

«حَدَّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ»(13)، «لا تُصَدِّقُوا أَهْلَ الْكِتَابِ وَلا تُكَذِّبُوهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ»(14)، وجاءت مثل هذه الأحاديث النبوية الشريفة لترسم المنهج الحاكم والميزان الدقيق في التعامل مع المعارف المأخوذة عن أهل الكتاب؛ إذ أذن النبي صلى الله عليه وسلم في التحديث عنهم للاعتبار والاستشهاد، بينما وضع ضابطاً محكماً يمنع الجزم بالقبول أو الرد فيما لم يرد فيه شرع معصوم، وقد مثل وهب بن منبه التطبيق العملي الأول لهذا الهدي النبوي؛ إذ جمع بين سعة المنقول والتزام الجادة، دون أن يختلط عنده المرفوع النبوي بالمأخوذ عن الكتب القديمة.

الهوامش
  • 1 وهب بن منبه بن كامل الصنعاني، أبو عبدالله الأبناوي، وُلد في خلافة عثمان بن عفان سنة 34 هـ، تابعي جليل من ثقات علماء اليمن، اشتهر بغزارة علمه في أخبار الأمم السابقة والكتب السالفة (الإسرائيليات)، وعُرف بالحكمة البالغة والزهد ورواية الحديث، كما تولى القضاء، سكن مدينة صنعاء واستقر بها، وتوفي فيها سنة 110هـ، وقيل: 114هـ.
  • 2 سير أعلام النبلاء (4/ 545).
  • 3 منة المنعم في شرح صحيح مسلم (4/ 146).
  • 4 صحيح البخاري (5/ 105/ 3825).
  • 5 تذهيب تهذيب الكمال في أسماء الرجال (4/ 46/ 2389).
  • 6 حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (3/ 267).
  • 7 تفسير ابن كثير (1/ 10).
  • 8 تهذيب الكمال في أسماء الرجال (26/ 435).
  • 9 صفة الصفوة (1/ 374/ 175).
  • 10 المرجع السابق (1/ 382/ 183).
  • 11 البداية والنهاية (9/ 275).
  • 12 التذكرة الحمدونية (1/ 110/ 213).
  • 13 أخرجه أبو داود (3662)، وأحمد (10134).
  • 14 أخرجه البخاري (7362)، والنسائي في «الكبرى» (11323)، والبيهقي في «الشعب» (4842) واللفظ لهم.
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة