دروس في فقه التثبت

ادعاء الغيب وصناعة الأسطورة.. المختار بن أبي عبيد الثقفي

صورة تعبيرية عن الكذاب المختار الثقفي وادعاءه الغيب

روى الإمام الذهبي في ترجمة الكذاب المختار بن أبي عبيد الثقفي(1): عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: خَرَجْتُ أَنَا وَأَبِي مَعَ الْمُخْتَارِ، فَقَالَ لَنَا: أَبْشِرُوا، فَإِنَّ شُرْطَةَ اللَّهِ قَدْ حَسُّوهُمْ بِالسُّيُوفِ بِقُرْبِ نَصِيبِينَ، فَدَخَلْنَا الْمَدَائِنَ، فَوَاللَّهِ إِنَّهُ لَيَخْطُبُنَا، إِذْ جَاءَتْهُ الْبُشْرَى بِالنَّصْرِ، فَقَالَ: أَلَمْ أُبَشِّرْكُمْ بِهَذَا؟ قَالُوا: بَلَى، فَقَالَ لِي هَمْدَانِيٌّ: أَتُؤْمِنُ الْآنَ؟ قُلْتُ: بِمَاذَا؟ قَالَ: بِأَنَّ الْمُخْتَارَ يَعْلَمُ الْغَيْبَ، أَلَمْ يَقُلْ لَنَا: إِنَّهُمْ هُزِمُوا؟ قُلْتُ: إِنَّمَا زَعَمَ أَنَّ ذَلِكَ بِنَصِيبِينَ، وَإِنَّمَا وَقَعَ ذَلِكَ بِالْخَازِرِ مِنَ الْمَوْصِلِ، قَالَ: وَاللَّهِ لَا تُؤْمِنُ يَا شَعْبِيُّ حَتَّى تَرَى الْعَذَابَ الْأَلِيمَ(2).

يمثل هذا الخبر مشهدًا دقيقًا من مشاهد الفتنة الثانية في التاريخ الإسلامي، حيث تداخلت السياسة بالسلاح، والشعارات الدينية بالصراعات على السلطة، وبرزت شخصيات حاولت أن تمنح مشاريعها السياسية غطاءً يتجاوز المجال البشري إلى ادعاء التأييد الغيبي.

ولا تكمن أهمية هذا الموقف في تفاصيل المعركة وحدها، بل في كشفه لطبيعة الإنسان عندما يلتقي القائد الكاريزمي بجمهور متعطش لليقين، وفي مقابل ذلك يقف العالم الذي يزن الأخبار بميزان التحقيق لا بميزان الانفعال.

كيف يتحول التوقع السياسي إلى ادعاء غيبي؟

كان المختار بن أبي عبيد الثقفي من الشخصيات المؤثرة في أحداث العراق خلال الفتنة الثانية، وقد استطاع أن يبني حول حركته السياسية خطابًا يعتمد على استثارة مشاعر الثأر والانتصار للمظلوم، مستفيدًا من الظروف المضطربة التي أعقبت مقتل الحسين بن علي رضي الله عنهما.

وقد امتلك المختار أدوات قيادة مؤثرة؛ من قوة البيان، والقدرة على التعبئة، وحسن قراءة مزاج الجماهير، إلا أن الخطر يظهر حين تنتقل القيادة من صناعة التأثير المشروع إلى صناعة صورة للقائد بوصفه صاحب معرفة خاصة لا يشاركه فيها الناس، فالقائد قد ينجح في قراءة الواقع، وقد يملك معلومات لا يملكها غيره، لكنه حين يحول التوقع السياسي إلى ادعاء علم بالغيب فإنه ينقل القضية من مجال الخبرة البشرية إلى مجال اختصاص الربوبية الذي لا يملكه إلا الله تعالى.

فالله سبحانه قد حسم هذا الباب، وحمى وحيه من الجن ومردة الشياطين بمنعهم من استراق السمع، لئلا يختطف أحدهم من الوحي حرفًا فيلقيه على لسان وليه، فيلتبس الأمر ويختلط الحق بالباطل؛ كما حكى القرآن عنهم: (وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاء فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً {8} وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَّصَداً) (الجن).

وقد قرر القرآن أصلًا عظيمًا في هذا الباب يعبر عنه ما قاله ابن كثير في تفسير قوله تعالى: (قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ) (النمل: 65)، قوله تعالى آمراً رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول معلماً لجميع الخلق: إنه لا يعلم أحد من أهل السماوات والأرض الغيب، وقوله: «إلا الله» استثناء منقطع؛ أي: لا يعلم أحد ذلك إلا الله عز وجل، فإنه المنفرد بذلك وحده، لا شريك له، كما قال: (وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ) (الأنعام: 59)، وقال: (إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) ( لقمان: 34).

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عليّ بن الجعد، حدثنا أبو جعفر الرازي، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن مسروق، عن عائشة، رضي الله عنها، قالت: من زعم أنه يعلم -يعني النبي صلى الله عليه وسلم- ما يكون في غد فقد أعظم على الله الفرية؛ لأن الله تعالى يقول: (لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ)(3).

ومن هنا ندرك أن المعيار ليس مجرد مصادفة وقوع الحدث بعد الكلام عنه، بل حقيقة الطريق الذي وصل به الإنسان إلى هذا الكلام؛ فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يعلم ما يكون في غد إلا بما علمه الله، فما بال من يمتطي الجهل والادعاء ليصنع لنفسه قداسة زائفة؟!

كيف يفرق العقل النقدي بين النتيجة والسبب؟

لم ينكر الشعبي وقوع النصر، ولم يجادل في النتيجة العسكرية، وإنما ناقش الدعوى التي بُنيت عليها الهالة، فالمختار أخبر -بحسب الرواية- عن هزيمة قرب نصيبين(4)، بينما وقع القتال في الخازر من جهة الموصل(5)؛ فكان اعتراض الشعبي قائمًا على الفرق الحاسم بين صحة النتيجة وخطأ التفسير.

وهذا من أدق أساليب التفكير النقدي؛ إذ إن العقل الواعي لا يكتفي بسؤال: هل وقع الأمر؟ بل يسأل أيضًا: كيف عُرف الأمر؟ وما صحة المقدمة التي بُني عليها الاستنتاج؟

وهذا المنهج الأصيل في التثبت والتمييز بين ظواهر الأحداث وحقيقة أسبابها تجسد في مواقف عديدة في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم فمن ذلك:

1- الفصل بين المصادفة والعلّة الحقيقية: فحين توافق كسوف الشمس مع وفاة إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم، وفسر الناس ذلك بأنها كسفت لموته، سارع النبي صلى الله عليه وسلم لتصحيح هذا الاستنتاج الخاطئ رغم صحة وقوع الحدثين، مصعدًا بالوعي ومقررًا: «إنَّ الشمسَ والقمرَ آيتانِ من آياتِ اللهِ يُخوِّفُ اللهُ بهما عبادَه وإنَّهُما لا ينكسفانِ لموتِ أحدٍ ولا لحياتِه»(6).

2- التحقق التجريبي والإدراكي: كما تجلّى في فطنة السيدة خديجة رضي الله عنها عند محاولتها التثبت من حقيقة المَلَك والتفريق بينه وبين الشيطان؛ حيث طلبت من النبي صلى الله عليه وسلم أن يجلس في حجرها ثم حسرت عن رأسها وشالت خمارها، فلما انصرف الوحي حياءً ثَبُتَ لها بالدليل الملموس أنه مَلَك كريم وليس شيطاناً(7).

3- إرساء المنهج النقدي لحماية المعرفة: كما ظهر في حرص أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين استأذن أبو موسى الأشعري ثلاثاً ثم رجع، فاستنكر عليه عمر الانصراف! ولما أخبره أبو موسى بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «الِاسْتِئْذَانُ ثَلَاثٌ، فَإِنْ أُذِنَ لَكَ فَادْخُلْ، وَإِلَّا فَارْجِعْ»، لم يكتفِ بظاهر الحدث بل طالبه بالدليل قائلاً: لَئِنْ لَمْ تَأْتِنِي بِمَنْ يَعْلَمُ هَذَا لَأَفْعَلَنَّ بِكَ كَذَا وَكَذَا، ولما أثبت له ذلك، بيّن عمر منهجه لحماية مصادر المعرفة قائلاً: أَمَا إِنِّي لَمْ أَتَّهِمْكَ، وَلَكِنْ خَشِيتُ أَنْ يَتَقَوَّلَ النَّاسُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ(8).

وفي واقع الناس اليوم، يظهر هذا المعنى بوضوح في مجالات متعددة؛ فقد تنجح مؤسسة أو مشروع أو شخصية في مرحلة معينة، فيميل الناس إلى تفسير كل نجاح بأنه دليل على صحة جميع أفكارها وقراراتها.

بينما المنهج الرشيد يفرق دائمًا بين نجاح النتيجة وصحة المنهج، وبين المصادفة والدليل، وبين القدرة البشرية المحدودة والادعاء الذي يتجاوز حدود الإنسان.

لماذا يفضل الجمهور اليقين الزائف على الحقيقة؟

يكشف موقف الرجل الهمداني في الرواية عن ظاهرة إنسانية متكررة؛ فالجماهير قد لا تتعلق بالحقائق المجردة فقط، بل تتعلق بالصورة النفسية التي يمنحها القائد لها، فعندما يعيش الناس حالات الخوف والاضطراب، يصبحون أكثر استعدادًا لقبول الروايات والأساطير التي تمنحهم شعورًا زائفًا بالقوة والانتصار.

ولهذا، فإن بعض الشخصيات التاريخية لم تكن تعتمد فقط على القوة العسكرية، بل على بناء قصة وهالة حول نفسها؛ قصة تجعل الأتباع يشعرون أنهم أمام شخصية استثنائية لا تخضع للمقاييس المعتادة.

وهنا يبرز التحذير النبوي الأصيل من خطورة هذا الانقياد الأعمى؛ كما تجسد في موقف الصحابي الجليل عبادة بن الصامت رضي الله عنه لحماية عقول الناس من الخضوع المطلق وتصديق الأساطير السياسية والتعلق النفسي بالقادة على حساب الحقائق، حيث وقف حارسًا للوعي قائلاً: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «سَيَلِي أُمُورَكُمْ بَعْدِي رِجَالٌ يُعَرِّفُونَكُمْ مَا تُنْكِرُونَ، وَيُنْكِرُونَ عَلَيْكُمْ مَا تَعْرِفُونَ، فَلَا طَاعَةَ لِمَنْ عَصَى، وَلَا تَضِلُّوا بِرَبِّكُمْ»(9).

إن المشكلة الحقيقية تبدأ حين يصبح الولاء للشخص أو الرمز أقوى من الولاء للحقيقة، فيتحول الاعتراض العلمي المنهجي إلى تهمة، ويصبح السؤال النقدي في نظر الجماهير علامة على ضعف الإيمان أو الخيانة، وهذه آفة متجددة في كل زمان؛ ففي البيئات التي يغيب فيها النقد المؤسسي والتفكير الرشيد، قد تتحول "الكاريزما" إلى حصانة مطلقة تمنع المراجعة وتُغيّب العقول.

أيهما أخطر.. مداهنة الحكام أم مداهنة العوام؟

يظهر عامر الشعبي في هذا الخبر بصورة العالِم الذي لا يفتنه بريق الحدث، ولا يخضع لضغط الجمهور؛ فهو لم يدخل في خصومة شخصية، ولم ينطلق من رغبة في إسقاط أحد، وإنما نظر إلى المعطيات بعين الباحث المتثبت.

ومن هنا يظهر أن وظيفة العالم ليست دائمًا موافقة الجمهور أو الانجراف مع عواطف المساقين خلف الأحداث؛ بل إن مداهنة العوام قد تكون أحياناً أشد خطورة من مداهنة السلاطين.

وفي هذا، يذكر الشيخ يوسف القرضاوي رحمه الله أن بعض المجتهدين قد يقعون في فخ إصدار فتاوى تتماشى مع رغبات السلطان وهو أمر قبيح، لكنه يرى أن ذلك لا يعادل خطورة أولئك الذين يصدرون الفتاوى لإرضاء العوام أو الجماهير؛ حيث قد يميلون إلى التشدد الزائد إذا رأوا أن الجماهير تفضل ذلك، وهو أمر يراه أشد خطرًا؛ لأن الجماهير قد لا تكتشف زيفهم بسهولة مقارنة بمن يرضون السلطان(10).

وهذا المعنى يُحيي الوصية البليغة التي وصَّى بها سعيد بن عامر الجمحي عمرَ بن الخطاب قائلاً: «يا أمير المؤمنين، اخش الله في الناس، ولا تخش الناس في الله»(11).

فالعالم الحقيقي قد يجد نفسه ممتنعًا عن مسايرة السواد الأعظم إذا انحرف الميزان، ذلك أن الحق لا يُقاس بالكثرة؛ وكما قَالَ نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ: «إذَا فَسَدَتْ الْجَمَاعَةُ فَعَلَيْك بِمَا كَانَتْ عَلَيْهِ الْجَمَاعَةُ قَبْلَ أَنْ تَفْسُدَ، وَإِنْ كُنْت وَحْدَك، فَإِنَّك أَنْتَ الْجَمَاعَةُ حِينَئِذٍ»(12).

وقد تجسد هذا المبدأ في أرفع صوره القيادية والشرعية في ثبات أبي بكر الصديق رضي الله عنه على الحق في قراره بقتال مانعي الزكاة، ورفضه الخضوع لضغط الجماعة حين خالفه سائر الصحابة في البداية، مجادلاً إياهم بالحجة والبرهان: «والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة»، فلم ينثنِ حتى عادوا جميعًا إلى رأيه واستبان لهم صواب موقفه.

وفي التعليم والدعوة والإعلام اليوم، تبقى هذه الوظيفة ضرورية وحاسمة؛ لحماية ميزان المعرفة من أن يختل تحت تأثير الحماسة أو الخوف أو الولاء، لأن المجتمع الذي يفقد أصوات المراجعة الرشيدة يتحول بسهولة إلى مجتمع تحكمه الانطباعات لا البصائر.

كيف تُستغل الشعارات الدينية لبناء الشرعية الزائفة؟

تكشف عبارة المختار بن أبي عبيد: «شرطة الله» جانبًا مهمًا من قوة الخطاب السياسي؛ فاختيار الكلمات القوية ذات الحمولة الدينية يمنح الرسالة تأثيرًا مضاعفًا، فاللغة ليست مجرد أداة لنقل المعلومات، بل وسيلة لصناعة المشاعر وتوجيه الإدراك البشري.

ولهذا كانت الخطابة عبر التاريخ عنصرًا أساسيًا في بناء النفوذ وتشكيل الرأي العام، لكن هذه القوة اللغوية سلاحٌ ذو حدين؛ إذ تصبح خطرة حين تُستخدم لإخفاء الحقيقة بدل إظهارها، أو حين تستبدل البرهان بالتأثير العاطفي المجرد.

فالكلمة -سواء كانت شعارًا سياسيًا أم انفعالًا عابرًا- تحمل خطورة استثنائية في الميزان الإيماني والأخلاقي، وقد تُسقط صاحبها وتجني عليه إذا تجردت من الأمانة والصدق.

وفي العصر الحديث، يظهر هذا المعنى بوضوح في الخطاب الإعلامي والسياسي؛ فالقائد أو المؤسسة قد يحتاجان إلى بث الأمل ورفع المعنويات في أوقات الشدة، لكن الأمل الصادق لا يتأتى باختلاق الوقائع أو استغلال البلاغة لتزييف الحقائق، فالشرعية الحقيقية والثقة طويلة الأجل لا تُبنى على الشعارات البلاغية والانتصارات الوهمية، بل على الصدق وتحمل مسؤولية الكلمة حتى في أشد لحظات الضغط والأزمات.

لماذا اعتزل الشافعي علم النجوم رغم صحة توقعاته؟

من أخطر التحولات النفسية لدى بعض القادة والشخصيات المؤثرة أن يتحول النجاح المتكرر إلى شعور بالاستثناء المطلق، فالإنسان قد يملك فراسة، أو خبرة، أو قدرة على قراءة الأحداث، وهذه كلها قدرات بشرية معروفة، لكنه حين يفسر كل إصابة أو توقع على أنه كشفٌ خاص، فإنه يتجاوز الحد الفاصل بين الخبرة البشرية والادعاء.

وهنا تتجلى صرامة الإمام الشافعي رحمه الله في التفريق بين الفراسة الفذة، والخوض فيما قد يوقع في تجاوز الحد البشري؛ فرغم أنه كان يتمتع بذكاء مفرط وقدرة عجيبة على استقراء الأحداث، فإنه فرّ هاربًا من أي باب قد يفتنه أو يدفع به نحو الادعاء.

يروي الإمام البيهقي في كتابه «مناقب الشافعي» فيقول: كان الشافعي يديم النظر في كتب النجوم، وكان له صديق وعنده جارية قد حبلت، فقال له: إنها تلد إلى سبعة وعشرين يوماً بولد يكون في فخذه الأيسر خال أسود، ويعيش أربعة وعشرين يوماً، ثم يموت، فجاءت به على النعت الذي وَصَفَ، وانقضت مدته فمات، فأحرق الشافعي بعد ذلك الكتب، وما عَاوَدَ النظر في شيء منها»(13).

لقد أدرك الشافعي بحسه الإيماني الرفيع خطورة الباب، فهجر تلك الحسابات لئلا تلتبس الفراسة بادعاء الغيب.

وعلى النقيض من ذلك، فإن التمادي في الادعاء يورث الطغيان والافتراء؛ وقد جاء في السُّنة الحديث الصحيح: «إنَّ في ثَقِيفٍ كَذَّابًا وَمُبِيرًا»(14)، يقول الإمام النووي تعليقاً على هذا الحديث في شرحه لصحيح مسلم: وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْكَذَّابِ هُنَا الْمُخْتَارُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ(15).

ولا تعني دراسة هذه الشخصيات والمواقف مجرد الحكم على أحداث الماضي، بل الهدف هو فهم السنن المتكررة في المجتمعات؛ فكل عصر قد تظهر فيه صور جديدة من صناعة القداسة حول الأشخاص، سواء في السياسة أو الفكر أو الإعلام، ولهذا يبقى التمسك بميزان الوحي وإعمال العقل النقدي ضرورة حتمية لحماية المجتمعات من الانخداع بالأوهام.

كيف نحمي مؤسساتنا الحديثة من تقديس القيادات؟

إن قصة المختار والشعبي لا تنتمي فقط إلى كتب التاريخ، بل تحمل أسئلة حاضرة: كيف نتعامل مع الشخصيات المؤثرة؟ وكيف نوازن بين تقدير الإنجاز ورفض تقديس الإنسان؟ وكيف نحمي المجتمعات من تحويل النجاح إلى دليل مطلق على صحة كل شيء؟

في الأسرة يحتاج الأبوان إلى بناء علاقة ثقة لا تقوم على العصمة الوهمية، وفي التعليم يحتاج المعلم إلى تربية الطالب على السؤال والتحقق، وفي الدعوة يحتاج الخطاب إلى الصدق والبيان لا إلى الإثارة المجردة، وفي الإعلام يحتاج المجتمع إلى التمييز بين الخبر والدعاية، وبين التأثير والحقيقة.

ومن هنا يظهر أن من أسباب حماية المجتمعات وجود عقول راشدة تستطيع أن تحترم القيادة دون أن تلغي النقد، وأن تستفيد من القوة دون أن تقع في أسر الهالة.

يبقى موقف الشعبي مع المختار مثالًا بليغًا على الصراع الدائم بين الحقيقة والصورة، وبين البرهان والانبهار، وبين العلم الذي يبحث عن الدليل والجمهور الذي قد ينجذب إلى الرواية الأقوى تأثيرًا.

فالقيادة الحقيقية لا تحتاج إلى ادعاء ما وراء الطبيعة، والمجتمعات الواعية لا تبني يقينها على شخصية مهما عظمت قدرتها على التأثير، وإنما تبقى قيمة الإنسان فيما يوافق الحق، وقيمة الجماعة في قدرتها على التمييز، وقيمة العالم في شجاعته على قول ما يراه صوابًا ولو خالف موجة الجماهير.

الهوامش
  • 1 المختار بن أبي عبيد الثقفي شخصية جدلية يتلخص موقف أهل السُّنة منه في التفريق بين فعله وعقيدته، فقد أثلج صدور المسلمين بتتبعه لقتلة الإمام الحسين بن علي رضي الله عنهما والقضاء عليهم، إلا أنهم يعيبون عليه استغلال عاطفة محبة آل البيت للوصول إلى السلطان والنفوذ في الكوفة، كما يَعدونه «كذاب ثقيف» الوارد في الحديث النبوي الشريف لادعائه نزول الوحي عليه والتكهن بالغيب، وبناءً على ذلك يُحمد ما جرى على يديه من الثأر للحسين ولا يُترحم عليه بسبب انحرافاته العقائدية.
  • 2 سير أعلام النبلاء، ج 3، ص 542.
  • 3 تفسير ابن كثير سورة «النمل» آية (65) https://quran.ksu.edu.sa/tafseer/katheer/sura27-aya65.html
  • 4 تقع مدينة نصيبين حالياً في جنوب شرق جمهورية تركيا، وتحديداً في محافظة ماردين.
  • 5 تقع في المنطقة الفاصلة بين مدينتي الموصل وأربيل، وتحديداً على بُعد نحو 37 إلى 40 كم شرق مدينة الموصل (ضمن نطاق محافظة نينوى).
  • 6 رواه البخاري (1040) ومسلم (915).
  • 7 البداية والنهاية، ج 4، ص 37.
  • 8 الاستذكار لابن عبد البر، ج 27، ص 158.
  • 9 سير أعلام النبلاء، ج 2، ص 5.
  • 10 ملخص لمقطع منشور على القناة الرسمية للشيخ رحمه الله على موقع يوتيوب https://youtu.be/CsqoG9podiw?si=L7Bo7_m_Zf17JJeK
  • 11 الطبقات الكبرى، ج 5، ص 91.
  • 12 إعلام الموقعين عن رب العالمين، ج 3، ص 308.
  • 13 كتاب مناقب الشافعي للبيهقي، ج 2، ص 126.
  • 14 رواه مسلم (2545)، والترمذي (2220)، وأحمد (5607).
  • 15 شرح النووي على مسلم، ج 16، ص 77.
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة