قيادة الثغور بأخلاق الرعاية
أبو بحرية الكندي.. كيف تختار الأمانة والرفق قائداً؟
أورد الإمام
الذهبي، في «سير أعلام النبلاء»، ترجمة عن أبي بَحْرِيَّةَ عَبْداللَّهِ بْن
قَيْسٍ الْكِنْدِي التَّرَاغِمِي الْحِمَّصِي(1)، أنه مِنْ كِبَارِ
التَّابِعِينَ، شَهِدَ خُطْبَةَ عُمَرَ بِالْجَابِيَةِ.
وعَنِ
الْوَاقِدِيِّ، أَنَّ عُثْمَانَ كَتَبَ إِلَى مُعَاوِيَةَ: أَنْ أَغْزِ
الصَّائِفَةَ رَجُلًا مَأْمُونًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ، رَفِيقًا بِسِيَاسَتِهِمْ،
فَعَقَدَ لِأَبِي بَحْرِيَّةَ عَبْدِاللَّهِ بْنِ قَيْسٍ وَكَانَ فَقِيهَا
نَاسِكًا، يُحْمَلُ عَنْهُ الْحَدِيثُ، حَتَّى مَاتَ فِي خِلَافَةِ الْوَلِيدِ.
وَقَدْ كَانَ
مُعَاوِيَةُ وَخُلَفَاءُ بَنِي أُمَيَّةَ يُعَظِّمُونَهُ(2).
معايير عثمان بن عفان لتولية قادة الثغور
تكشف هذه
الرواية التاريخية جانباً كبيراً من المعايير المعتمدة في اختيار قادة الثغور
والجيوش في عهد الخليفة الراشد عثمان بن عفان؛ إذ لم يقتصر توجيهه على طلب القوة
العسكرية المجردة، بل اشترط صفتين أساسيتين لحفظ الرعية؛ الأمانة والرفق.
وتكتسب هذه
الواقعة أهميتها من ارتباطها بقيادة الصوائف، وهي الغزوات الصيفية التي كانت تخوض
الشدائد في ثغور الروم، مما يتطلب قيادة واعية تجمع بين حماية أرواح الجند وحسن
سياستهم في المسير والمعركة.
أما أبو بحرية عبدالله
بن قيس الكندي، فكان من كبار التابعين؛ شهد خطبة عمر بالجابية، وروى عن أعيان
الصحابة، وعُرف بجمعه الفريد بين الفقه والنسك والسابقة في الجهاد وخدمة مصالح
المسلمين.
كيف توازن القيادة بين قوة الإنجاز والرفق؟
ليست هذه
التوجيهات الإدارية المروية عن الخليفة عثمان بن عفان مجرد قرارات تنظيمية عابرة
في تسيير العسكر، وإنما تكشف عند النظر في أبعادها عن منهج القيادة الإيمانية
الراشدة في الإسلام، يبدأ هذا المنهج بتأصيل أمانة الرعاية قبل تحشيد القوة، ويمر
بتقدير حُرِمات أفراد المجتمع وحفظ حقوقهم، وينتهي بتقديم أهل القرآن والنسك ذوي
الخبرة الميدانية لإدارة الأزمات وحراسة ثغور الأمة.
وفي هذا التكليف
التاريخي يبرز سؤال إداري يتجاوز حوادث العصر الأول ليخاطب الواقع المعاصر: كيف
تستطيع الإدارة الرشيدة أن توازن بين متطلبات إنجاز المهام الشاقة وبين الرفق
والعدالة في معاملة العنصر البشري؟
لماذا اشترط عثمان الأمانة والرفق لإمارة الجيش؟
جاء توجيه
الخليفة عثمان بن عفان إلى واليه معاوية بن أبي سفيان محدداً للمواصفات لا
للأشخاص؛ حيث اشترط أن يكون القائد مأموناً على دماء جنده وأموالهم، رفيقاً
بسياستهم في إدارة الشدائد والمواقف الصعبة.
ويمثل هذا
التوجيه إطاراً للتفويض الإداري الصريح؛ حيث يضع المسؤول الأعلى المعايير والأهداف
العامة، بينما يترك للوالي الميداني حرية اختيار الكفاءة المناسبة للقيادة
التنفيذية بناءً على المعايير المحددة.
وقد نبهت
الشريعة الإسلامية إلى أن القيادة الميدانية تفتقر إلى صفتي الكفاءة والأمانة لمنع
التسلط؛ وهو المعنى الأصيل المنصوص عليه في القرآن الكريم في قوله تعالى: (إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ
الْقَوِيُّ الْأَمِينُ) (القصص: 26).
فالأمانة تمنع
القائد من المغامرة بأرواح رعيته، والرفق يضمن مراعاة طاقتهم وعدم إرهاقهم بالشدة
الدائمة؛ وهو ما يطابق دعاء النبي صلى الله عليه وسلم في أداء الولاية في قوله:
«اللَّهُمَّ مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَشَقَّ عَلَيْهِمْ
فَاشْقُقْ عَلَيْهِ، وَمَنْ وَلِيَ مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا فَرَفَقَ بِهِمْ
فَارْفُقْ بِهِ»(3).
كما أن رسول
الله صلى الله عليه وسلم قد جعل الأمانة المعيار الأسمى لتكليف أعيان الصحابة
بأعظم المهام القيادية والمالية؛ كما ثبت في قوله صلى الله عليه وسلم: «لِكُلِّ
أُمَّةٍ أَمِينٌ، وَأَمِينُ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ»(4).
ويتضح من ذلك أن
السياسة الشرعية عند الخلفاء الراشدين كانت تجعل أمانة القائد ورحمته برعيته شرطاً
أساسياً لقبول كفاءته، لتنقل القيادة من مظاهر السلطة إلى أمانة الرعاية والخدمة.
كيف تفند تولية الكندي دعاوى المحاباة العائلية؟
تناول بعض
المؤرخين دعاوى استئثار بني أمية بالولايات في خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه،
وهي شبهات أثيرت قبيل الفتنة؛ لتأتي رواية تولية أبي بحرية الكندي لتقدم نموذجاً
عملياً مناقضاً لتلك الدعاوى.
فالخبر يثبت أن
التوجيه الصادر من الخليفة عثمان كان مشروطاً بصفات الأمانة والرفق دون تحديد نسب،
ومارس معاوية هذا التفويض بعقد اللواء لرجل من قبيلة كِندة لا يمت بصلة قرابة إلى
البيت الأموي.
وهذا يدل دلالة
واضحة على أن التعيينات العسكرية في الثغور كانت تخضع لمعايير موضوعية تقوم على
الكفاءة والأمانة والسابقة في الجهاد، بعيداً عن العصبية القبلية أو المحاباة
العائلية.
وقد ثبت عن
عثمان بن عفان رضي الله عنه حرصه الشديد على صيانة الأمانة ومنع مظالم الرعية؛ حيث
كان يحذر ولاة الأمور من تكليف المرؤوسين فوق طاقتهم أو دفعهم للمكاسب المحرمة،
قائلاً في خطابه المأثور للرعية: «لَا تُكَلِّفُوا الأَمَةَ غَيْرَ ذَاتِ
الصَّنْعَةِ الكَسْبَ، فَإِنَّكُمْ مَتَى كَلَّفْتُمُوهَا ذَلِكَ كَسَبَتْ
بِفَرْجِهَا»(5).
وقد كان منهج
الراشدين ثابتاً في إقامة الحدود وعزل الولاة دون محاباة لنصب أو نسب؛ كموقف عمر
وعثمان حين أقاموا الحد وعزلوا والي البحرين قدامة بن مظعون لمّا ثبت الخلل عليه
دون النظر لمكانته أو قرابته، لتظل ولاية الثغور والصوائف شرفاً منوطاً بحفظ أمانة
المسلمين.
أسباب اختيار معاوية لأبي بحرية الكندي فقيهاً
جمعت شخصية أبي
بحرية عبدالله بن قيس الكندي بين العلم الشرعي والنسك والخبرة الميدانية؛ فقد
أوردت مصادر التراجم كـ تاريخ دمشق والبداية والنهاية وصفه بأنه «كان فقيهاً
ناسكاً، يُحمل عنه الحديث»، مع سابقة مشهودة في الغزو والجهاد.
وقد أورد الحافظ
المزي في تهذيب الكمال أن أبا بحرية شارك في الغزو في الشام تحت قيادة القائد
الزاهد عمير بن سعد الأنصاري زمن عمر بن الخطاب، مما أكسبه دراية واسعة بمسالك
الروم وطبيعة إدارة الصوائف.
وهذا الجمع ينفي
الفهم الخاطئ الذي يظن أن الصلاح الفردي يغني عن الخبرة الميدانية؛ إذ إن معاوية
لم يختر أبا بحرية لمجرد عبادته، بل لجمعه بين البصيرة الشرعية والتجربة العملية
في الحروب.
وهو نموذج يقتفي
هدي النبي صلى الله عليه وسلم في تولية القادة الذين يجمعون بين العلم والحلم
والخبرة الميدانية؛ كصنيعه في اختيار مصعب بن عمير ومعاذ بن جبل رضي الله عنهما
لإدارة شؤون الأمة في النوازل الكبرى.
وهذا التكامل في
معايير الاختيار هو ما وجهت إليه الشريعة في إدارة الشؤون؛ حيث يقترن اللين
بالقدرة على الإدارة الميدانية؛ وهو المبدأ الذي قرره القرآن الكريم في قوله
تعالى: (فَبِمَا رَحْمَةٍ
مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا
مِنْ حَوْلِكَ) (آل عمران: 159).
مكانة أبي بحرية الكندي عند بني أمية
تختم الترجمة
المسندة ببيان المكانة الرفيعة التي حظي بها أبو بحرية لدى ولاة بني أمية؛ حيث ينص
الخبر على أن معاوية وخلفاءه كانوا يعظمون قدره ويجلون فضله وعلمه وجهاده.
ويرجع هذا
التعظيم إلى منزلته العلمية والدينية وسابقته في الفضل؛ فقد كان من علماء التابعين
الراسخين، ومن رواد الثغور الذين أمضوا حياتهم في رباط الصوائف ونشر الحديث الشريف
بين الجند.
ولم تكن العلاقة
بين خيار التابعين ورجال الدولة قائمة على الخصومة الدائمة أو المداهنة المطلقة،
بل كانت علاقة إجلال لأهل الفضل والاستفادة من خبراتهم في إدارة المصالح العامة
للأمة.
فقد حفلت كتب
التراجم كـ حلية الأولياء وصفة الصفوة بصور مشهودة لإكرام خلفاء بني أمية لأهل
العلم والعبادة والجهاد؛ كموقف معاوية بن أبي سفيان في إجلال الصحابي أبي مسلم
الخولاني وتعظيمه لمكانه في الدين، وموقف الخليفة سليمان بن عبد الملك وعمر بن عبد
العزيز في توقير أعيان التابعين كأبي حازم الأرج والحسن البصري ورجاء بن حيوة
والاستماع لنصحهم.
وتعكس هذه
المرويات تقدير المجتمع الإسلامي وخلفائه لأهل العلم النافع والعمل الصالح؛ حيث
كان العالم يستمد مهابته من استقامته ونفعه للناس، بينما تسعى السلطة للاستعانة
ببركته وحكمته.
كيف يحافظ العالم على استقلاله عند السلطة؟
تؤكد سيرة
التابعي أبي بحرية الكندي أن مشاركة العلماء في الشؤون العامة ودخولهم في قيادة
الصوائف لم تكن تعني التنازل عن الاستقلال العلمي أو الصمت عن النصيحة الواجبة
لأئمة المسلمين.
فقد كان
التابعون يرون الجهاد وتولية الثغور وإصلاح القضاء من أبواب البر التي يجب التعاون
فيها مع ولاة الأمر؛ عملاً بالتوجيه القرآني الصريح في قوله تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ
وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) (المائدة: 2).
فقد شهدت الشام
مشاركة كبار الصحابة والتابعين كعبادة بن الصامت وأبي الدرداء في الغزو والتعليم،
مع ممارستهم لأمانة النصح والجهر بالحق دون خوف، امتثالاً لشرط بيعتهم النبوية
الخالدة: «وَأَنْ نَقُولَ بِالْحَقِّ أَيْنَمَا كُنَّا لَا نَخَافُ فِي اللَّهِ
لَوْمَةَ لَائِمٍ»(6).
وهذا التوازن هو
الميزان الفقهي الدقيق في التعامل مع السلطة؛ فليس كل اقتراب من مصالح الدولة
مذموماً، ولا كل اعتزال فضيلة، وإنما العبرة بمدى قيام المرء بحق العلم والأمانة
والعدل.
فعندما يتولى
العالم الصالح موقعاً قيادياً، فإنه يحول علمه إلى حماية لرعيته، ويقيم الحق في
ولايته، ويجمع بين أداء الخدمة للمسلمين وبين حفظ استقلاله وورعه الإيماني.
دروس قيادية معاصرة من اختيار أبي بحرية
تقدم هذه
الواقعة التاريخية دروساً بالغة الأهمية للمؤسسات المعاصرة في كيفية اختيار
القيادات وإدارة الفرق؛ تتلخص في أن النجاح الإداري يتطلب تكاملاً بين الكفاءة
والبعد الأخلاقي.
فالدرس الأول
يؤكد ضرورة تأسيس التعيينات القيادية على معايير موضوعية معلنة ترتكز على الأمانة
وحسن التعامل، بدلاً من الاعتماد على القرب الشخصي أو الولاءات الضيقة التي تضعف
الأداء.
والدرس الثاني
يوضح أن الرفق والرحمة بالمرؤوسين ليسا ضعفاً في القيادة، بل هما شرط لحسن إدارتهم
وتحفيز طاقتهم في المهام الشاقة؛ فالقائد الحازم هو من يجمع بين قوة الإنجاز ورفق
المعاملة.
أما الدرس
الثالث فيبين أهمية وصية عمر بن الخطاب لأبي موسى الأشعري في السياسة الشرعية
المروية في حلية الأولياء: «إِنَّ أَسْعَدَ الرُّعَاةِ مَنْ سَعِدَتْ بِهِ
رَعِيَّتُهُ، وَإِنَّ أَشْقَى الرُّعَاةِ عِنْدَ اللَّهِ مَنْ شَقِيَتْ بِهِ
رَعِيَّتُهُ»(7).
فعندما توضع
الكفاءة الأخلاقية والمهنية موضع الممارسة، ينعكس ذلك على استقرار بيئة العمل
ونجاح المهام؛ حيث يشعر الأفراد بالأمان والعدالة تحت قيادة تجمع بين العلم
والأمانة والرفق.
تحول الرفق من خلق إلى سياسة إدارية
تثبت ترجمة
التابعي الجليل أبي بحرية عبدالله بن قيس الكندي أن القيادة في الرؤية الإسلامية
الراشدة أمانة أخلاقية تقوم على رعاية المصالح وحفظ الحقوق؛ فالخليفة عثمان بن
عفان حدد الأمانة والرفق معياراً حازماً لإمارة الجيش، واختار واليه معاوية رجلاً
فقيهاً ناسكاً ذا تجربة ميدانية لحمل هذه المسؤولية.
وهنا تبرز الزاوية الأساسية التي ركز عليها هذا المقال: إن قوة المؤسسات والجيوش لا تتأسس على تحشيد الإمكانيات المادية وحدها، وإنما ترتكز بالدرجة الأولى على أخلاقيات القائمين عليها؛ فالقيادة الرشيدة هي التي تجعل أمانة الرعاية ورحمة المرؤوسين معياراً في اختيار القادة، ليتحول الرفق من مجرد خُلُق فردي إلى سياسة إدارية تصون حقوق الناس، وتحفظ كرامتهم، وتحقق المقاصد الشريفة لإصلاح المجتمع.
الهوامش
- 1 عبدالله بن قيس الكندي التراغمي الحمصي، أبو بحرية، مخضرم أدرك الجاهلية ويُعد من كبار التابعين، أخذ العلم عن معاذ بن جبل وأبي الدرداء، وروى عنه صفوان بن عمرو وإسماعيل بن عبيد الله، اشتهر بالبطولة ورواية الحديث، وقد اعتمد عليه عثمان بن عفان في الفتوحات، ثم ولاه معاوية بن أبي سفيان وخلفاء بني أمية قيادة الصوائف في الجهاد، سكن حمص وتوفي بها في عهد الوليد بن عبدالملك.
- 2 سير أعلام النبلاء (4/ 594).
- 3 رياض الصالحين (212/ 654).
- 4 صحيح البخاري (5/ 172/ 4382).
- 5 موطأ مالك (2/ 981/ 42).
- 6 المسند للشاشي (3/ 122/ 1189).
- 7 المصنف، ابن أبي شيبة (7/ 94/ 34448).
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً