العنوان وقفة تربوية
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر الثلاثاء 28-يوليو-1992
مشاهدات 67
نشر في العدد 1009
نشر في الصفحة 46
الثلاثاء 28-يوليو-1992
من عجائب سنن الله تعالى
من عجائب سنة الله تعالى في خلقه
أنه يختبر من ينصح الناس بأمر من الأمور بنفس هذا الأمر، فمن ينصح الناس
بالإنفاق يختبره بموقف فيه إنفاق ليرى تطبيقه لهذا الأمر.
وكذلك من ينصح بترك الغضب يبتلى بموقف فيه
غضب لغير الله ليراه يغضب أم يصبر ويحتسب مادام لغير الله.
وكذلك من ينصح بالصبر يبتلى بموقف يحتاج
إلى صبر... وهكذا.
وأذكر أن الله تعالى ابتلاني ببلاء صعب
ولكن الله وحده أعانني على الخروج منه، وذلك أثناء دراستي في أمريكا، وبعد أن
ألقيت محاضرة في «الفتن في حياة يوسف عليه السلام» وقد ركزت كثيرًا على فتنة
النساء ويومها لم تكن زوجتي معي، وبعد المحاضرة بأيام قليلة، اتصلت بي إحدى
الأمريكيات، وقالت لي بأنها تعرفني، وعندما بادرتها عما تريد قالت أريد أن أفعل
الفاحشة معك! صعقت لهذه العبارة التي أسمعها لأول مرة في حياتي، واستغربت هذه
الجرأة وثارت عاصفة الشيطان تطرق عليّ كل باب موصد، واستعنت بالله تعالى، وتذكرت
يوسف عليه السلام، وأجبتها بأن هذا الأمر لا يجوز في ديننا، كما أن ديننا لا يبيح
لنا أن نخون زوجاتنا، ثم أغلقت الهاتف في وجهها وتعوذت بالله من شياطين الإنس
والجن.
محاسبة النفس
اتهام النفس
محاسبة النفس أنواع، منها المحاسبة
المتقطعة والتي تأتي بين فترات متباعدة، ومنها ما يعقب الخطأ الجسيم، ومنها
المحاسبة الآنية، وهي أفضلها، حيث يحاسب المرء نفسه على كل خطأ تقوم فيه وهي النفس
اللوامة التي أقسم الله تعالى بها، هذه المحاسبة لا يمكن أن تبدأ دون الانتباه
واليقظة لتحركات هذه النفس واتهامها قبل اتهام الآخرين والبحث عن عيوبهم، وهذا هو
المدخل لمحاسبة النفس والذي انتبه له الزاهد العابد أبو سليمان الداراني، عندما
سأله أحمد بن أبي الحواري: إن فلانًا وفلانًا لا يقعان على قلبي. قال: ولا على
قلبي، ولكن لعلنا أُتينا من قلبي وقلبك فليس فينا خير، وليس نحب الصالحين(1).
إي وربي إنها لشجاعة نادرة يسوقها
الداراني لدعاة هذا الزمان عندما يخوضون بالحديث عن فلان وفلان من الدعاة
الصالحين، يذكرونهم بسوء ويغتابونهم، دون ورع، بحجة مخالفتهم في الرأي، أو في
الجماعة، دون الالتفات إلى عيوب أنفسهم، وما أتى على قلوبهم من مرض أكلَ الخير
الذي فيها فجعلهم لا يحبون الصالحين من غير جماعتهم..
إن هذه الوقفة الشجاعة من الإمام الداراني
باتهام نفسه، لابد أن يتعلمها دعاة اليوم، حتى يستطيعوا محاسبة أنفسهم، وإلا فإنهم
سيقعون في وهم الكمال الذي لا يُلجئهم للالتفات إلى نواقصهم فتتراكم العيوب
ويحيدون عن الطريق دون أن يشعروا.
الخصم الجاهل
وإذا كان الإمام الداراني ينبه ابن أبي
الحواري وحده فإن القدوة يحيي بن معاذ يخبر بها جمعًا من أتباعه فيقول لهم: «من
سعادة المرء أن يكون خصمه فهمًا، وخصمي لا فهم له، قيل له: ومن خصمك قال: نفسي!
تبيع الجنة بما فيها من النعيم المقيم بشهوة ساعة»(2).
إنها خواطر النفس عندما تزين للإنسان
بهارج الدنيا، وتزين له فعل الشهوات، وتسهل له اقترافها، وتصغر في عينه الجريمة،
إنه صراع المؤمن مع نفسه الأمارة والتي تنسيه لذائذ الجنة كلها، وتعميه عنها،
وتبرز له لذة الدنيا الفانية، وهي التي تجعل الإمام يحيى بن معاذ يقول ذلك، وإلا
فحاشا لمثله أن يبيع الجنة ونعيمها بشهوة ساعة، ذلك لأنه أدرك أن المحاسبة لا يمكن
أن تتم دون الالتفات لهذه النفس واتهامها.
يقظة دائمة
هكذا كانوا رحمهم الله ينتبهون لأنفسهم،
فلا يتركون لها مجالًا ولا بابًا تدخل عليهم منه لجرهم عن الصراط المستقيم، فمما
جاء في ترجمة التابعي بكر بن عبدالله المزني عن كنانة بن جبلة السلمي قال: قال بكر
بن عبدالله: إذا رأيت من هو أكبر منك فقل هذا سبقني بالإيمان والعمل الصالح فهو
خير مني، وإذا رأيت من هو أصغر منك فقل: سبقته إلى الذنوب والمعاصي فهو خير مني، وإذا
رأيت إخوانك يكرمونك ويعظمونك فقل: هذا فضل أخذوا به، وإذا رأيت منهم تقصيرًا فقل
هذا ذنب أحدثته(3).
فهو يحاصر نفسه في جميع الأحوال، ولا يترك
لها متنفسًا تتنفس فيه، ولا فرصة تصطاده فيها.
وكلها مجالات واسعة للنفس البشرية، تجول
فيها وتصول ولكن ليس عند أولئك اليقظين من جيل التابعين.
لون آخر من المحاسبة
ولا يظن ظان أن المحاسبة مقتصرة على
المعاصي والتقصير وما هو من جنس ذلك، بل إنها تشمل حتى الطاعات إذا خيف أن تؤثر
على الاستقامة على هذا الطريق، بما تغرسه أحيانا من غرور، واستعلاء على الآخرين، وعُجْب
ينسي الموفق لهذا الصلاح، هذا اللون من المحاسبة ينقله لنا إبراهيم بن الأشعث عن
عابد الحرمين في خلواته مع نفسه، يقول ابن الأشعث: سمعت الفضيل بن عياض يقول: ما
يؤمنك أن تكون بارزت الله بعمل مقتك عليه، فأغلق دونك أبواب المغفرة، وأنت تضحك،
كيف ترى تكون حالك؟!
ومع أن أبواب المغفرة لا تغلق إلا عند
الإشراك بالله، ولكنها الحساسية المفرطة واليقظة الدائمة لهذه النفس مما يدخل في
الشرك الخفي أو ما شابهه من عمل يجره للهاوية.
وقفات في توبة كعب
تصيد الأخطاء
قال كعب: ... فدفع إليّ كتابًا من ملك
غسان.. فإذا فيه: أما بعد فإنه قد بلغنا أن صاحبك قد جفاك ولم يجعلك الله بدار
هوان ولا مضيعة فالحق بنا نواسك..
في هذا النص: تصيد الأعداء أخطاء الأصدقاء
والأحباب فما إن هجر المسلمون كعب بن مالك إلا وجاءه كتاب من العدو يغريه ويمنيه
ويطلب منه ترك الجماعة الصالحة واللحاق بهم وله ما شاء فيعيش عزيزًا كريمًا..
وهكذا يترصد الأعداء لأهل الحركة ودعاتها
فيحاولون أن يمنوهم ويغروهم بالملك تارة، وبالمنصب تارة، وبالنساء تارة أخرى.
كما أن في هذا النص دليلًا على متابعة
الأعداء تحرك الحركة الإسلامية ومشاكلها ومحاولة احتوائها كما حاول الروم احتواء
كعب بن مالك رضي الله عنه، إلا أنه أدرك اللعبة وفهم
الخطة المرسومة فقال: «وهذا أيضًا من البلاء».
جاسم
المطوع
من قصص المرابطين
لطف الله تعالى
كان الخطباء في بداية الغزو العراقي
يخطبون بكامل حريتهم، وبجرأة لا تحدها قيود مركزين في خطبهم على الظلم والظالمين
ومصيرهم في الدنيا والآخرة مستخدمين في ثنايا خطبهم المأثور من الدعاء على الظلمة،
والاستغاثة بالله تعالى لكشف الغمة وغيرها من الأدعية المرعبة والمؤذية للمعتدين.
وكان أحد هؤلاء الخطباء قد احتفظ بشريط
تسجيل لإحدى هذه الخطب في سيارته، ومن المعروف أن التعدي على الرئيس أو الجيش سواء
بالدعاء أو الخطب أو المقالات والمنشورات عقوبة قد تؤدي إلى الإعدام، وفي أقلها
التعذيب والسجن.
ولم يتذكر ذلك الخطيب أن شريطًا من هذه
الأشرطة قد سقط تحت كرسي السيارة، وعندما مر على إحدى نقاط التفتيش، ودخل الجندي
ليفتش عثر على ذلك الشريط ووضعه حالًا في جهاز التسجيل، ولكن جهاز التسجيل لم
يشتغل وحاول عدة محاولات، ولكنه لم يعمل، وسأل الجندي الخطيب ما إذا كان جهاز
التسجيل يعمل أو عاطل فأجاب بأنه يعمل، ثم سمح له بالمرور من النقطة.
يقول الأخ الخطيب: ما إن حركت مقبض تغيير
السرعات للتحرك للأمام إذا بضوء المسجل يضاء، ويتحرك الشريط، فسبحان الله ما أرحمه
بعباده! وكيف يريهم مقدرته ويربيهم عمليًا على أسمائه وصفاته، فلا نافع سواه، ولا
ضار غيره وهو القابض والباسط، وهو على كل شيء قدير.
يقول الأخ الخطيب: عندما كان ذلك الجندي
يعبث بالشريط للاستماع له، كان الشعور يملؤني بأن لطف الله سيظهر وكان هذا الموقف
من أعظم المواقف التي مررت فيها في الأزمة، بل ربما في حياتي كلها.
الشيخ
أحمد السبيعي
______________
(1) صفة الصفوة 232/4
(2) صفة الصفوة 94/4
(3) صفة الصفوة 248/3
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل