قيادة النفس قبل قيادة الناس
الأحنف بن قيس.. بين هيبة القائد وانكسار العابد
روى الذهبي
بسنده إلى الأحنف بن قيس أنه قال: «اللهم إن تغفر لي، فأنت أهل ذاك، وإن تعذبني،
فأنا أهل ذاك»(1).
يمثل هذا الدعاء
مشهدًا بالغ الدلالة من سيرة الأحنف بن قيس، أحد أشهر حكماء العرب في صدر الإسلام،
ممن اجتمعت لهم مكانة القيادة السياسية والاجتماعية مع شهرة الحلم وضبط النفس، فالرجل
الذي كان صاحب كلمة مسموعة بين قومه، والذي ارتبط اسمه بالحكمة والسياسة والقدرة
على تهدئة النزاعات، يظهر هنا في مقام مختلف تمامًا: مقام العبد الذي لا يرى لنفسه
حولًا ولا قوة أمام عدل الله وفضله.
ولا تكمن أهمية
هذا الأثر في قصر عباراته فحسب، بل في المفارقة العميقة التي يحملها؛ إذ يجتمع فيه
سلطان الدنيا مع انكسار القلب، وهي صورة تكشف أن أعظم درجات القيادة ليست السيطرة
على الآخرين فقط، بل القدرة على إخضاع النفس للحق.
حين يتحول النفوذ القيادي إلى اختبار إيماني
نشأ الأحنف بن
قيس في بيئة قبلية كانت تعظم الحسب والقوة والقدرة على التأثير، ثم صار من
الشخصيات البارزة في عصره، واشتهر بالحلم حتى صار مضرب المثل فيه، ومع ذلك فإن هذا
الدعاء يكشف جانبًا آخر من شخصيته؛ جانب الإنسان الذي لا تسمح له المكانة
الاجتماعية أن ينسى حقيقة العبودية.
فالقائد حين
تتسع دائرة نفوذه يصبح معرضًا لخطر خاص؛ إذ قد تتحول ثقة الناس به إلى شعور داخلي
بالاستحقاق، وقد يتحول النجاح إلى حجاب يمنع رؤية التقصير، أما الأحنف فإنه يقدم
نموذجًا معاكسًا؛ فكلما ارتفعت مكانته بين الناس ازداد شعوره بحاجته إلى رحمة الله،
ويظهر هذا المعنى عمليًا في موقف طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه، وهو من كبار
الصحابة وأهل الشورى، حين خلا بنفسه بعد أحداث الفتنة ومقتل عثمان رضي الله عنه،
وجعل يحاسب نفسه ويقول: «إنا داهنا في أمر عثمان، فلا نجد اليوم شيئاً أمثل من أن
نبذل دماءنا فيه، اللهم خذ لعثمان مني اليوم حتى ترضى»(2)، فلم
تمنعه مكانته من الاعتراف بالتقصير، بل دفعته مكانته ومسؤوليته إلى محاسبة ذاته
أمام الله.
وهذا المعنى هو
الذي دل عليه القرآن الكريم في قول الله تعالى: (فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ
اتَّقَى) (النجم: 32)، فالإنسان مهما بلغ من الصلاح لا يملك أن يجعل عمله
حقًا يستوجب به على الله شيئًا، وإنما يرجو فضله ورحمته، وتتجلى هذه القاعدة في
سلوك القائد حين يستشعر أن مكانته لا تعفيه من تبعة ما وُكِّل إليه، وهو ما ظهر في
موقف عمر بن الخطاب رضي الله عنه في شدة محاسبته لنفسه على مسؤوليته القيادية، إذ
كان يقول: «لو ماتت شاة على شط الفرات ضائعة لظننت أن الله تعالى سائلي عنها يوم
القيامة»(3)، فالمكانة لا تعفي صاحبها من محاسبة نفسه، بل تزيد شعوره
بمسؤوليته.
كيف يوازن المؤمن بين فضل الله وتقصيره؟
تكمن قوة عبارة
الأحنف بن قيس في التوازن الدقيق بين شقين: «إن تغفر لي فأنت أهل ذاك»، و«إن
تعذبني فأنا أهل ذاك»، فهو لا يتعامل مع الرحمة الإلهية وكأنها حق مكتسب، بل يرى
نفسه مفتقرًا إلى فضل الله، مستحضرًا تقصيره وحاجته إلى رحمته.
فقوله: «فأنت
أهل ذاك» يعيد المغفرة إلى صفات الله من الكرم والرحمة والعفو، وقوله: «فأنا أهل
ذاك» يعترف بحقيقة الإنسان من الضعف والتقصير والحاجة إلى الإصلاح، ويؤكد هذا
المعنى ما جاء في دعاء سيد الاستغفار، حيث يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أَبُوءُ
لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وَأَبُوءُ لَكَ بِذَنْبِي»(4)؛ إذ يجمع
المؤمن بين الاعتراف بفضل الله والاعتراف بتقصيره.
ويتجسد هذا
المعنى عمليًا في موقف أبي بكر الصديق رضي الله عنه؛ إذ كان إذا أثنى عليه الناس
ودعوا له أظهر الافتقار إلى رحمة الله والاعتراف بنقصه، فقال: «اللهم أنت أعلم مني
بنفسي وأنا أعلم بنفسي منهم، اللهم اجعلني خيراً مما يظنون، واغفر لي ما لا
يعلمون، ولا تؤاخذني بما يقولون»(5)، فلم يغتر بثناء الناس، بل رد
الأمر إلى علم الله بحقيقته، واستحضر ما في نفسه من نقص لا يعلمه الناس.
ويؤصل القرآن
لهذا المعنى بقوله تعالى: (وَلَوْلَا
فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَىٰ مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا)
(النور: 21)، ومن هنا يظهر أن التربية الإيمانية لا تقوم على تضخيم الذات
باسم الصلاح، ولا على تحطيم النفس باسم الخوف، وإنما على معرفة دقيقة بموقع
الإنسان بين فضل الله وعدله.
التوازن بين الخوف والرجاء يمنع القنوط والغرور
تكشف كلمات
الأحنف بن قيس عن وعي عميق بطبيعة النفس البشرية؛ فالإنسان يحتاج إلى الرجاء حتى
لا يقع في القنوط، ويحتاج إلى الخوف حتى لا يقع في الغرور.
فلو نظر الإنسان
إلى أعماله فقط ربما أصابه العجب، ولو نظر إلى تقصيره فقط ربما قاده ذلك إلى اليأس،
أما التوازن الذي يظهر في دعاء الأحنف بن قيس فيصنع نفسًا مستقرة؛ ترى نعم الله
فتشكره، وترى تقصيرها فتراجع نفسها.
وهذا المعنى من
أصول التربية الإسلامية؛ قال الله تعالى: (نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ
{49} وَ أَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمَ) (الحجر)، فذكر الرحمة والعذاب معًا يصنع إنسانًا متزنًا: لا
يأمن مكر الله، ولا يقنط من رحمته، ويتحول هذا الأصل القرآني إلى صورة عملية في
السنة النبوية، حيث يظهر الخوف والرجاء مجتمعين في قلب واحد.
ويتجسد هذا
التوازن في موقف النبي صلى الله عليه وسلم حين دخل على شاب وهو في الموت، فقال له:
«كَيْفَ تَجِدُكَ؟»، قَالَ: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَرْجُو
اللَّهَ، وَإِنِّي أَخَافُ ذُنُوبِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَجْتَمِعَانِ فِي قَلْبِ عَبْدٍ فِي مِثْلِ هَذَا
المَوْطِنِ إِلَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ مَا يَرْجُو وَآمَنَهُ مِمَّا يَخَافُ»(6)؛
فجمع الشاب بين الرجاء في رحمة الله والخوف من تقصيره، فكان ذلك هو التوازن الذي
يحمي النفس من القنوط والاتكال.
ولا يقتصر هذا
التوازن على الموقف الفردي، بل يظهر كذلك عند من عظمت أعمالهم ومكانتهم، كما يتجلى
في موقف عمر بن الخطاب رضي الله عنه عند احتضاره؛ فقد جمع بين أعظم الأعمال
الصالحة والقيادة العادلة، ومع ذلك كان قلبه بين الخوف والرجاء لا يغتر بعمله ولا
ييأس من رحمة ربه، حيث قال لابن عباس: «وَاللهِ لَوْ أَنَّ لِي طِلَاعَ الْأَرْضِ
ذَهَبًا، لَافْتَدَيْتُ بِهِ مِنْ عَذَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ قَبْلَ أَنْ
أَرَاهُ»(7).
ومن هذا النموذج
الذي يجمع عظمة العمل مع شدة محاسبة النفس، تتضح الحاجة إلى هذا التوازن في واقع
الناس اليوم؛ فبعض النفوس تنهار أمام الخطأ لأنها لا ترى إلا جانب التقصير، وبعضها
تنتفخ بسبب نجاح أو مكانة لأنها لا ترى إلا جانب الإنجاز، أما المنهج الذي يعرضه
دعاء الأحنف بن قيس فيعيد الإنسان إلى حجمه الحقيقي.
وإذا كان هذا
التوازن يحفظ الإنسان من الانحراف في علاقته بنفسه، فإنه يصبح أكثر ضرورة حين
يمتلك سلطةً أو مكانةً تؤثر في الآخرين.
ضبط النفس وإخضاعها للحق أساس القيادة الناجحة
يقدم الأحنف بن
قيس نموذجًا مهمًا في فلسفة القيادة؛ فالقائد الذي لا يستطيع إدارة نفسه قد يصبح
خطرًا على من يقودهم، مهما امتلك من قدرة أو نفوذ، ويؤكد هذا المعنى قول رسول الله
صلى الله عليه وسلم: «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ»(8)،
فالقيادة في جوهرها مسؤولية قبل أن تكون سلطة.
إن الاعتراف
بالخطأ، والشعور بالحاجة إلى الله، ومراجعة النفس باستمرار، ليست مظاهر ضعف في
شخصية القائد، بل علامات نضج داخلي، فالقوة التي لا يصاحبها تواضع قد تتحول إلى
استبداد، أما القوة التي يسكنها الخوف من الله فإنها تصبح وسيلة للعدل والإصلاح، وتظهر
قيمة هذا الضبط الداخلي بوضوح حين يواجه القائد انفعاله، فيراجع نفسه ولا يسمح
لغضبه أن يتحول إلى ظلم؛ وهو ما يتجلى في موقف هرم بن حيان العبدي رحمه الله حين
بعثه عمر بن الخطاب رضي الله عنه قياديًا على الخيل، فغضب يومًا على رجل وأمر به
فوجئت عنقه، ثم كف نفسه وأقبل على أصحابه محذرًا من الشطط ومجاوزة الحق، فقال: «لا
جزاكم اللَّه خيراً ما نصحتموني حين قلت، ولا كففتموني عن غضبي، واللَّه لا
أَلِي لكم عملا»(9).
وكتب إلى عمر
يستعفيه، ولهذا كان من صفات القادة العظام قدرتهم على كسر تضخم الذات، فالمشكلة
الكبرى في السلطة ليست امتلاكها، بل أن ينسى صاحبها أنه مسؤول عنها، ولا يكتمل هذا
المعنى بمجرد ضبط الانفعال، بل يبلغ غايته حين يخضع صاحب السلطة نفسه للحق، فلا
يستعمل مكانته لفرض ما ليس له؛ ويظهر ذلك في موقف أمير المؤمنين علي بن أبي طالب
رضي الله عنه في خصومته مع الذمي في شأن الدرع أمام القاضي شريح؛ حيث خضع للحق
ولحكم القاضي حين لم تُقبل شهادة ابنه الحسن له، ولم يستغل سلطانه وقيادته لإخضاع
الخصم أو القاضي، مما جعل الذمي يعلن إسلامه لما رأى من إخضاع القائد لنفسه أمام
الحق(10).
وفي بيئات العمل
والتعليم والدعوة اليوم، يحتاج القائد إلى هذا النوع من الوعي؛ فالمكانة لا تمنح
الإنسان حصانة من الخطأ، بل تزيد مسؤوليته في محاسبة نفسه.
القدوة الصامتة.. حين يصبح سلوك القائد رسالة للمجتمع
لم يكن الأحنف
بن قيس في هذا الموقف يقدم درسًا نظريًا، بل كان يعيش معنى عمليًا؛ فالقائد الذي
يعلن افتقاره إلى الله أمام نفسه يغير مفهوم القوة في المجتمع.
فالمجتمعات التي
تمجد أصحاب النفوذ قد تحتاج إلى رؤية نماذج تذكرها بأن قيمة الإنسان ليست في
سلطانه، وإنما في أخلاقه وتقواه، ومن أبلغ النماذج العملية التي تجسد ذلك موقف
سلمان الفارسي رضي الله عنه حين تولى إمرة المدائن، فكان يخرج إلى الناس ويلبس
الشملة البسيطة، ويعمل بيده في سفافة الخوص ليأكل من كسب يده ويتصدق بعطائه(11)،
فكانت بساطته وسلوكه الزاهد بين الناس أبلغ درس عملي في عدل الإسلام وتواضع
الحكام.
ولهذا، فإن
مواقف العظماء في لحظات الخلوة قد تكون أبلغ من خطبهم في المجالس؛ لأنها تكشف
حقيقة الإنسان حين لا يكون هناك جمهور يراقبه، ولا تقتصر القدوة الصامتة على ما
يظهر في حياة القائد من بساطة وزهد، بل تتجلى كذلك في مشاركته العملية لمن يقودهم،
وقد تجسد ذلك في موقف النبي صلى الله عليه وسلم يوم حفر الخندق؛ إذ لم يكتفِ
بإعطاء الأوامر والوجاهة القيادية، بل نزل بنفسه إلى الميدان ينقل التراب مع
المسلمين حتى وارى التراب جلدة بطنه الشريفة(12)، ويعمل بيده ليكون
قدوة عملية صامتة ومؤثرة شجعت أصحابه ورفعت هممهم.
وهذا هو معنى
التربية بالحال؛ إذ إن الناس يتأثرون بما يرونه من صدق أكثر مما يتأثرون بما
يسمعونه من كلام، وتتأكد قيمة هذا الأثر حين يستمر السلوك الصادق في الخفاء، فلا
يكون مرتبطًا بحضور الناس أو انتظار ثنائهم، وقد تجسد ذلك في موقف عامر بن عبد
الله بن الزبير حين كان يضع الصرر فيها الدنانير والدراهم عند نعال العابدين دون
أن يشعروا به، كراهية أن يتمعر وجه أحدهم إذا عرف صاحبه(13)، فكان
إحسانه الخفي امتدادًا للقدوة العملية التي لا تنتظر جمهورًا ولا ثناءً.
كيف تُصلح مدرسة الأحنف بن قيس مفاهيم النجاح المعاصر؟
يعيش الإنسان
المعاصر في بيئة تضخم صورة النجاح والمكانة والإنجاز، حتى أصبح كثيرون يقيسون قيمة
الإنسان بما يملك لا بما يكون عليه، فإذا كان الأحنف يرد الإنسان إلى حقيقة
عبوديته، فإن هذا المعنى يقتضي إعادة النظر في المعايير التي تُبنى عليها قيمة
الإنسان ونجاحه، ويعيد الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه ترتيب هذا الميزان في
وصيته لكميل بن زياد: «العلم خير من المال؛ العلم يحرسك وأنت تحرس المال»(14)،
فينقل معيار القيمة من التملك الظاهر إلى ما يحفظ الإنسان ويهديه.
ومن هنا تأتي
أهمية هذا النموذج؛ فهو يعيد ترتيب الأولويات؛ النجاح لا يلغي الحاجة إلى الله،
والمنصب لا يلغي مسؤولية النفس، وثناء الناس لا يغني عن صدق الإنسان مع ربه، وإذا
كان معيار القيمة لا ينبغي أن يقوم على ما يملكه الإنسان، فإن معيار النجاح كذلك
لا ينبغي أن يقف عند ما يحققه في دنياه؛ ويؤكد هذا المعنى قول أبي حازم سلمة بن
دينار: «ما أحببت أن يكون معك في الآخرة فقدمه اليوم، وما كرهت أن يكون معك في
الآخرة فاتركه اليوم»(15)، فيتحدد معيار النجاح بما ينفع الإنسان في
مآله لا بما يحقق له صورة مؤقتة أمام الناس.
ومن هنا لا يبقى
هذا التصور مجرد فكرة، بل ينعكس على طريقة بناء الإنسان في مختلف مجالات حياته.
- ففي الأسرة،
يظهر هذا المعنى في تربية الأبناء على الاعتراف بالخطأ بدل المكابرة.
- وفي التعليم
يظهر في بناء شخصية الطالب المتواضعة الواثقة.
- وفي الإدارة
يظهر في صناعة قادة يقبلون المراجعة ولا تحجبهم المناصب عن النقد.
إن أعظم ما
يتركه الأحنف للأجيال ليس مجرد قصة رجل حكيم، بل قاعدة في بناء الإنسان؛ فالقيمة
لا تُقاس بما يملكه، والنجاح لا يُقاس بصورته أمام الناس، وإنما بما يقدمه من عمل
وما يحمله من مبادئ.
يبقى دعاء
الأحنف بن قيس شاهدًا على أن العظمة الحقيقية لا تُقاس بقدرة الإنسان على إخضاع
الآخرين، بل بقدرته على إخضاع نفسه للحق، فقد جمع الرجل بين هيبة القائد وانكسار
العابد، وبين قوة الشخصية وصدق الافتقار، ويجسد هذا المعنى موقف الخليفة عمر بن
عبد العزيز رحمه الله؛ إذ لما تولى الخلافة خلع عنقه وركب بغلته ورخص ثيابه ورد
المظالم خائفًا باكيًا(16)، فظهرت السيادة الحقيقية في الخضوع للحق
والتواضع لله والعدل.
وهكذا لا تكون العظمة الحقيقية في المكانة التي يبلغها الإنسان، وإنما في قدرته على أن يبقى خاضعًا للحق مهما علت منزلته، وأن يحفظ نفسه من الغرور والاستعلاء، ومن هنا تبدأ المسؤولية الحقيقية مع النفس؛ إذ يحتاج الإنسان إلى مراجعة عمله وتقويمه باستمرار، ويختصر عمر بن الخطاب رضي الله عنه هذا الجانب العملي بقوله: «حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا»(17)، إذ تبدأ العظمة الحقيقية من لحظة يقف فيها الإنسان مع نفسه، فيعرف قدرها، ويحاسبها، ويردها إلى الحق.
الهوامش
- 1 سير أعلام النبلاء: الذهبي (4/ 92).
- 2 مرآة الزمان في تواريخ الأعيان: سبط ابن الجوزي (6/ 248).
- 3 حلية الأولياء وطبقات الأصفياء: أبو نعيم (1/ 53).
- 4 أخرجه البخاري (6306).
- 5 كنز العمال: المتقي الهندي (12/ 530).
- 6 أخرجه الترمذي (983)، وابن ماجه (4261) باختلاف يسير، وقد حسنه الألباني.
- 7 أخرجه البخاري (3692).
- 8 أخرجه البخاري (2554)، ومسلم (1829).
- 9 مصنف ابن أبي شيبة (20/ 30).
- 10 تاريخ الخلفاء: السيوطي (142).
- 11 الطبقات الكبرى: ابن سعد (4/ 89).
- 12 أخرجه البخاري (3034)، ومسلم (1803).
- 13 المنتظم في تاريخ الأمم والملوك: ابن الجوزي (7/ 230).
- 14 العقد الفريد: ابن عبد ربه الأندلسي (2/ 81).
- 15 الزهد الكبير: البيهقي (136).
- 16 صفة الصفوة: ابن الجوزي (1/ 365-370).
- 17 الخطب والمواعظ: أبو عبيد الهروي البغدادي (210).
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً