برامج الاعترافات العاطفية.. ترويج للرذيلة وتطبيع للمحرمات
لم تعد بعض
المنصات الإعلامية تكتفي بعرض المشكلات الاجتماعية أو مناقشة الأزمات العاطفية
والزوجية بحثًا عن حلول لها، وإنما تجاوزت ذلك إلى تحويل الاعترافات الشخصية، بما
تتضمنه أحيانًا من علاقات محرّمة وخيانات زوجية وتفاصيل خادشة للحياء، إلى مادة
إعلامية تستقطب الجمهور وتستثير فضوله.
وتحت لافتات
برّاقة من قبيل الفضفضة والبوْح والاعتراف، تُفتح الأبواب في برامج الاعترافات
العاطفية أمام حكايات تتجاوز حدود الخصوصية والحياء، وتعرض المعاصي في سياق عاطفي
مثير قد يخفف من قبحها في النفوس، ويجعل تداولها أمرًا مألوفًا لا يستدعي
الاستنكار.
والأشد خطورة أن
الأمر لا يقف عند حدود هذه الحكايات، بل يمتد في بعض أنماط هذا المحتوى إلى صناعة
الإثارة ذاتها، باستدراج المتصلين إلى تفاصيل حميمية، وتضخيم الوقائع، وربما إعداد
بعض القصص وتمثيلها سلفًا لتبدو اعترافات حقيقية، ثم إعادة تدوير أكثر مقاطعها
إثارة لتحقيق مزيد من المشاهدات والانتشار، وهكذا تصبح الخطيئة مادة للفُرجة،
وتتحول الأسرار التي ينبغي أن تُصان إلى بضاعة إعلامية!
إشاعة الفاحشة وانتهاك حُرمة الحياة الزوجية
تحت ستار
الاعتراف، تنقل برامج الاعترافات العاطفية المعصيةَ من نطاق الفعل الشخصي إلى فضاء
الإعلان والتداول الجماهيري، فلا يكتفي أصحاب الحكايات بارتكاب المخالفات الشرعية،
وإنما يسردون تفاصيلها على الهواء، وربما تفاخر بعضهم بتجارب محرّمة، في مشهد يثير
تساؤلات جدّية حول حدود المسؤولية الأخلاقية في الإعلام، وقد جاءت الشريعة
الإسلامية بحفظ الأعراض، وصيانة المجتمع من إشاعة الفاحشة؛ (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ
تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي
الدُّنْيَا وَالآَخِرَةِ) (النور: 19).
وحذر النبي صلى
الله عليه وسلم من المجاهرة بالمعصية بعد أن يستر الله صاحبها؛ ففي الحديث: «كل
أمتي معافى إلا المجاهرون» (رواه البخاري، ومسلم).
وهنا تظهر خطورة
هذه البرامج؛ فهي لا تقدِّم المعصية في سياق التحذير منها، وإنما تمنحها مساحة
واسعة من السرد والتفصيل، وتتعمّد إثارة فضول المستمعين بشأن أدق جوانبها.
ومن القيم التي
حرص الإسلام على صيانتها حفظ الأسرار الزوجية والعائلية، وعدم تحويل الحياة الخاصة
إلى مادة متاحة للآخرين، فالبيت له حُرمة، والعلاقة بين الزوجين لها خصوصياتها،
لكن بعض هذه البرامج تفتح المجال أمام المتصلين لكشف تفاصيل هذه الخصوصيات أمام
جمهور عريض لا يعرفونهم، وهو ما حذّر منه النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «إنّ من
أشرِّ الناس عند الله منزلة يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه ثم ينشر
سرها» (رواه مسلم)، إن خصوصية البيوت ليست مادة إعلامية مباحة، ومشكلات الأسرة لا
ينبغي أن تكون ثمنًا للمشاهدات بأي حال.
ترويجٌ للرذيلة وتطبيعٌ للمحرمات
في أحد هذه
البرامج اتصلت فتاة تطلب المساعدة في مشكلة عاطفية، وكان يمكن للحوار أن يفتح
أمامها بابًا للتوبة والإصلاح، لكنّ أسئلة المذيع انصرفت إلى تفاصيل علاقتها
المحرّمة، وانتهت المشكلة دون حل، بينما حصل البرنامج على مادة مثيرة جديدة.
هنا تتضح خطورة
برامج الاعترافات العاطفية، التي تمتد إلى صناعة محتوى يقوم أساسًا على استثارة
الفضول الجنسي لدى الجمهور، وتهيئته لانتظار تفاصيل أكثر جرأة، ومفاجآت واعترافات
صادمة، وهكذا يتحوّل الفضول الإنساني، الذي ينبغي ضبطه بالحياء ومراعاة الحُرمات،
إلى أداة تسويقية لترويج الرذيلة والتلصص على الحياة الخاصة للآخرين.
وللأسف، فإن
تكرار عرض هذه الحكايات، مع التركيز على تفاصيلها المثيرة، يسهم في إضعاف الحساسية
الأخلاقية تجاه الخيانة، ويجعل بعض المتلقين أقل استنكارًا لها، خصوصًا حين
تُقدَّم في سياق من التعاطف والتبرير، بعيدًا عن بيان تبعاتها على الأسرة
والمجتمع.
والأشد خطورة أن
تتحوّل العلاقات المحرّمة إلى مادة مألوفة في المحتوى اليومي، فينشأ لدى بعض
الشباب تصورٌ مشوشٌ عن الحب والوفاء والزواج، وتختلط لديهم المشاعر الإنسانية
المشروعة بالعلاقات التي تنتهك الحدود الشرعية.
فبركة الاعترافات وصناعة القصص الوهمية
ارتفع صوت
المتصلة بالبكاء وهي تروي خيانة شريك حياتها، وأخذ المذيع يواسيها ويتعاطف معها
أمام الجمهور، لكن ماذا لو كان الصوت نفسه قد سُمع من قبل مرارًا، وفي البرنامج
ذاته، يحكي قصصًا جنسية مشابهة، وماذا لو كانت تلك الدموع جزءًا من مشهد تمثيلي
معدّ سلفًا للإثارة وجذب المتابعين؟
وهنا يُطرح
تساؤل: إلى أي مدى يمكن الوثوق في القصص التي تُعرض على الجمهور باعتبارها
اعترافات حقيقية؟ وهل جميع المتصلين أشخاص عاديون يتحدثون بعفوية عن تجاربهم، أم
أن هذا يأتي ضمن التجارة بالإثارة وحصد المشاهدات وزيادة الربحية على حساب القيم
والفضيلة؟
ولا يجوز بالطبع
اتهام برنامج أو مقدم بعينه بالفبركة دون أدلة، لكن من حق الجمهور أن يطالب
بالشفافية، وأن يعرف ما إذا كانت تلك القصص حقيقية أم تمثيلية، وما الضوابط التي
تضمن عدم تضليله، ففي عالم المحتوى الرقمي، لم تعد صناعة المشاهدات تعتمد دائمًا
على الوقائع العفوية؛ إذ يمكن الاستعانة بأشخاص يؤدون أدوارًا تمثيلية، ويقدّمون
حكايات متفقًا عليها باعتبارها تجارب حقيقية، تضاف إليها تفاصيل مثيرة، ويُترك
للمذيع أو المذيعة أداء دور المتلقي المندهش أو المتعاطف أو المستنكر، بما يضفي
على المشهد قدرًا من الواقعية.
أين المسؤولية الإعلامية؟
لا يمكن فصل
الحديث عن برامج الاعترافات العاطفية عن الرسالة التي ينبغي أن يؤديها الإعلام
تجاه المجتمع، وهل تقتصر مسؤوليته على جذب الجمهور وتلبية فضوله، أم عليه التزامات
أخلاقية ومهنية تتعلق بما ينشره، والطريقة التي يعرض بها القضايا الإنسانية
والاجتماعية؟
إن حرية التعبير
لا تعني إباحة كل محتوى، كما أن رغبة الجمهور في الاستماع لا تبرر انتهاك
الخصوصيات أو تحويل المحرّمات إلى مادة للتسلية، فالإعلام ليس مجرد وسيلة لنقل
الكلام، وإنما قوة مؤثرة في تشكيل الوعي، ومن ثم فإن القائمين عليه وعلى هذه
النوعية من برامج الاعترافات العاطفية يتحمّلون المسؤولية كاملةً تجاه القيم التي
يروّجون لها بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
إن مجتمعاتنا
العربية لا تحتاج إلى مزيد من منصّات استعراض الفضائح، وإنما تحتاج إلى إعلام يحمي
الذوق العام، ويرفع مستوى الوعي، ويصون الحياء، ويحترم خصوصيات الأسرة والحياة
الزوجية، ويجعل الإصلاح غايته لا مشاهداته وربحيته، لا أن يفتح أبواب البيوت
المغلقة، وينبش في الأسرار المستورة، ويستدرج الناس إلى المجاهرة بالمعاصي.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً