جبير بن نفير.. أمانة العلم بين الشجاعة والتثبت
روى الإمام الذهبي في ترجمته، روى سليم بن عامر قال: استقبلت الإسلام من أوله، فلم أزل أرى في
الناس صالحاً وطالحاً، وكان جبير(1) من علماء أهل الشام.
قال الذهبي: روى
سعيد بن منصور بإسناده عن جُبَيْر بن نُفَيْر، قال: دخلت على أبي الدرداء وبين
يديه جفنة من لحم فقال: اجلس، فكل، فإن كنيسة في ناحيتنا أهدى لنا أهلها مما ذبحوا
لها، فأكلت معه.
فيه: أن ما ذبح
لمعبد مباح، وإنما يحرم علينا ما ذبح على نصب.
وذكر الذهبي أن
جبير بن نفير كان قد نشر في مصر حديثاً، وأن يزيد بن معاوية كتب بذلك إلى أبيه، فقد
تركوا القرآن(2)، قال: فبعث إلى جبير، فجاء، فقرأ عليه كتاب يزيد، فعرف
بعضه وأنكر بعضه، قال معاوية: لأضربنك ضرباً أدعك لمن بعدك نكالاً، قال: يا معاوية
لا تطغ في، إن الدنيا قد انكسرت عمادها، وانخسفت أوتادها، وأحبها أصحابها، قال: فجاء
أبو الدرداء، فأخذ بيد جبير وقال: لئن كان تكلم به جبير لقد تكلم به أبو الدرداء، ولو
شاء جبير أن يخبر أنما سمعه مني، لفعل، ولو ضربتموه، لضربكم الله بقارعة تترك
دياركم بلاقع.
هذا خبر منكر لم
يكن لجبير ذكر بعد في زمن أبي الدرداء، بل كان شاباً يتطلب العلم، وأيضاً فكان
يزيد في آخر مدة أبي الدرداء طفلًا عمره خمس سنين، ولعل قد جرى شيء من ذلك.
يمثل هذا النص
نموذجًا من نصوص التراجم التي تجمع بين عرض الخبر ونقده؛ فهو لا يقدم شخصية جبير
بن نفير بوصفها مجرد راوٍ للحديث، بل يكشف عن ملامح عالِم شامي نشأ في بيئة علمية
تشكلت بعد عصر الصحابة، مع ضرورة التفريق بين الأخبار الثابتة والروايات التي خضعت
للنقد التاريخي، ومن هنا تأتي أهمية قراءة شخصية جبير بن نفير في إطارها الأوسع؛
كيف يفكر العالِم؟ وكيف يتعامل مع المجتمع؟ وكيف يوازن المحدثون بين قوة المعنى
وجلال التثبت؟
جبير بن نفير.. وبناء الشخصية العلمية في جيل التابعين
تكشف العبارة
المنقولة عن جبير: «استقبلت الإسلام من أوله، فلم أزل أرى في الناس صالحًا
وطالحًا» عن وعي مبكر بطبيعة الاجتماع البشري، فهو لم ينظر إلى الناس من خلال صورة
مثالية جامدة، بل أدرك أن وجود الخير والضعف جزء من طبيعة المجتمعات.
وهذا المعنى من
أصول التربية الإسلامية؛ فالإنسان الذي يطلب الإصلاح يحتاج إلى بصيرة تميّز بين
نقد الخطأ واليأس من الناس، وقد قرر القرآن أن وجود الاختلاف والابتلاء من سنن
الحياة، قال تعالى: (وَلَوْ
شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ
مُخْتَلِفِينَ) (هود: 118).
ومن هنا يظهر أن
العالم لا يبني علاقته بالمجتمع على توقع الكمال، بل على معرفة النفوس وإدارتها
بالحكمة.
ويأتي عن الربيع
بن خثيم ما يوضح هذا الفهم لطبيعة الناس؛ إذ قال: «الناس رجلان: مؤمن وجاهل، فأما
المؤمن فلا تؤذه، وأما الجاهل فلا تجاهله»(3)، ففي هذه الكلمات القصيرة
توازن دقيق بين حفظ حق الصالح، وعدم إهمال من يحتاج إلى التعليم والإصلاح، وهي
نظرة تتعامل مع تفاوت الناس بوصفه واقعًا يحتاج إلى حكمة في التعامل، لا سببًا
للنفور أو اليأس.
كيف فصل أبو الدرداء بين الشرع والحرج الاجتماعي؟
يحمل خبر الجفنة
التي أُهديت لأبي الدرداء جانبًا فقهيًا واجتماعيًا مهمًا؛ إذ يوضح الفرق بين
الحكم الشرعي وبين المخاوف التي قد تنشأ من العادات أو الانطباعات.
فالقرآن أصّل
قاعدة التعامل مع طعام أهل الكتاب بقوله تعالى: (وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ)
(المائدة: 5)، والموقف العملي لأبي الدرداء، كما نقل الخبر، يعكس فهمًا
يربط الأحكام بأدلتها لا بمجرد الحساسية الاجتماعية.
وليس هذا الفهم
خاصًا بأبي الدرداء رضي الله عنه، بل نجده واضحًا في هدي النبي صلى الله عليهوسلم؛ فقد قبل هدية المقوقس، وكان نصرانيًا، ومن جملة ما أهداه مارية القبطية
وأختها سيرين، وبغلة شهباء تُدعى الدلدل، وثيابًا، فقبل النبي صلى الله عليه وسلم
هديته وتعامل معها وفق الأحكام الشرعية(4)، بعيدًا عن الحرج الاجتماعي
أو التصورات التي تتجاوز ما قرره الشرع، وهذا يبين أن التعامل مع المخالف لا يعني
التنازل عن الهوية، كما أن المحافظة على الهوية لا تستلزم رفض كل ما يأتي من غير
المسلمين.
وفي واقع
المجتمعات المعاصرة، تظهر أهمية هذا الفقه؛ فالمؤمن يحتاج إلى المحافظة على هويته
الدينية مع امتلاك القدرة على التعامل المنضبط مع المختلفين، بعيدًا عن الانغلاق
الذي يجعل العادات الشخصية في منزلة الأحكام الشرعية.
حين يصبح القرب من الحاكم اختبارًا لأمانة النصيحة
أما الرواية
التي تصف مواجهة جبير بن نفير مع معاوية فتتضمن معنى كبيرًا في صورة العالم الذي
لا يجعل قربه من السلطة سببًا لفقد استقلاله، غير أن الإمام الذهبي نبّه إلى نكارة
الخبر من جهة التاريخ، مستدلًا بتفاوت الأعمار والأزمنة، وهو مثال مهم على منهج
المحدثين في نقد الأخبار.
فليس كل موقف
بليغ يصح من جهة الرواية، ولا يكفي جمال المعنى لقبوله؛ بل لا بد من اجتماع المعنى
الصحيح مع ثبوت النقل، وهذه قاعدة حضارية في بناء المعرفة؛ أن قوة الفكرة لا تغني
عن صحة الدليل.
وإذا كان الخبر
المنقول عن جبير بن نفير يلفت النظر إلى صورة العالم المستقل عن السلطة، فإن
الثابت من سير العلماء يقدم لنا نماذج أوضح لهذا المعنى.
ومن ذلك موقف
الحسن البصري حين استشاره الأمير عمر بن هبيرة في تنفيذ أوامر السلطان التي كان
يخشى أن تكون فيها مخالفة لما يرضي الله، فلم يتردد الحسن في بيان الحق، وقال له
بصلابة العالم المستقل: «يا عمر بن هبيرة، يوشك أن ينزل بك ملك من ملائكة الله
غليظ شديد لا يعصي الله ما أمره، فيخرجك من سعة قصرك إلى ضيق قبرك، يا عمر، إن تتق
الله يعصمك من يزيد بن عبد الملك، ولا يعصمك يزيد من الله»(5)، فكان
قرب العالم من صاحب السلطة سببًا لمزيد من النصيحة والبيان، لا بابًا للمجاملة أو
التنازل عن مقتضى العلم.
لماذا يحتاج القائد إلى العلماء المستقلين؟
يقدم الخبر -بغض
النظر عن ثبوته التاريخي- صورة رمزية عن العلاقة الصحية بين العالِم والسلطة؛
فالسلطة تحتاج إلى صوت علمي يذكّرها بالحدود، والعالِم يحتاج إلى شجاعة تحمي أمانة
البيان.
وهذا التوازن لا
يقتضي أن يكون دور العالِم مجرد الاعتراض على السلطة، بل يقتضي كذلك أن تكون
السلطة مستعدة لسماع أهل العلم وأصحاب الرأي قبل اتخاذ قراراتها، ومن ذلك ما عُرف
عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه من حرصه على جمع كبار الصحابة واستشارتهم عند عزمه
على فتح الشام، فاستمع إلى آراء علي بن أبي طالب، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان،
رضي الله عنهم وغيرهم، مستفيدًا من علمهم وبصيرتهم قبل المضي في القرار(6)،
فالحكم الرشيد لا يستغني عن صوت العالِم المستقل، كما أن العالِم لا يؤدي أمانة
العلم كاملة إلا إذا وجد من يصغي إلى نصحه ويتيح له أن يقول ما يراه حقًا.
قال الله تعالى:
(إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ
أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا) (النساء: 58)، والعلم من
أعظم الأمانات؛ لأنه يتعلق بعقول الناس ودينهم.
وفي المؤسسات
الحديثة، سواء في التعليم أو الإدارة أو الدعوة، تظهر الحاجة إلى بيئة تسمح
بالنصيحة الصادقة، لا بيئة تجعل القرب من المسؤول سببًا للصمت عن الخطأ.
لماذا رفض الذهبي القصة رغم بلاغة معناها؟
من أجمل ما في
تعقيب الذهبي أنه لم يمنعه إعجابه المحتمل بمعنى القصة من اختبارها تاريخيًا، فقد
نظر إلى التسلسل الزمني، وسأل: هل كان جبير في ذلك العمر والمقام؟ وهل كان يزيد في
سن تسمح بمثل هذا الدور؟
هذه الطريقة
تكشف أن التراث الإسلامي لم يكن قائمًا على جمع الأخبار فقط، بل على بناء أدوات
دقيقة لفحصها، فالعقل النقدي جزء من صيانة العلم، وليس خصمًا للإيمان.
وهذا المنهج
النقدي لم يكن مجرد مبدأ نظري، بل مارسه أئمة الحديث في تعاملهم مع الروايات
والأخبار؛ ومن ذلك ما نُقل عن الإمام أحمد بن حنبل في نقده لبعض الأحاديث وتمييزه
بين الثابت وغيره، حيث قال: «سمعتُ أبي يقول: هذا حديث منكر، ما أظن من هذا شيئًا،
أنكره أبي على يونس من حديث الزهري»(7).
فمثل هذه
المواقف تكشف أن المحدثين لم يتعاملوا مع الرواية لمجرد شهرة ناقلها أو جمال
معناها، وإنما أخضعوها للفحص والموازنة والنظر في طرقها ورجالها، حفاظًا على نقاء
المعرفة وصحة ما يُنسب إلى السلف.
ولهذا، فإن
التعامل مع التاريخ اليوم يحتاج إلى المنهج نفسه؛ احترام الشخصيات، مع عدم قبول كل
ما ينسب إليها دون تحقيق.
كيف يمنح التحرر من الدنيا شجاعة الموقف؟
العبارة
المنسوبة إلى جبير: «إن الدنيا قد انكسرت عمادها، وانخسفت أوتادها» تحمل صورة
بلاغية قوية؛ فهي تصف الدنيا كالبناء الذي تتهاوى أركانه، والمعنى ليس رفض عمارة
الحياة، بل تحرير القلب من عبودية السلطة والجاه.
وقد قال تعالى: (مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ
اللَّهِ بَاقٍ) (النحل: 96)، فحين يستقر هذا المعنى في النفس يصبح الإنسان
أكثر قدرة على قول الحق؛ لأنه لا يرى بقاءه متعلقًا برضا البشر.
وتظهر هذه
الحقيقة في موقف عبدالله بن رواحة رضي الله عنه عند خروجه إلى غزوة «مؤتة»؛ فقد
بكى، فلما سُئل عن سبب بكائه لم يكن بكاؤه تعلقًا بالدنيا ولا خوفًا من مفارقتها،
بل قال في تجرد واضح: «أما والله ما بي حب الدنيا ولا صبابة إليها»(8)،
فكان قلبه قد تحرر من التعلق بالدنيا، ولذلك استطاع أن يمضي إلى ما يراه حقًا دون
أن تجعل الدنيا أو متاعها ميزانًا لقراراته ومواقفه.
حضور جبير بن نفير في الوعي التربوي المعاصر
تكمن قيمة هذه
الشخصية في اجتماع خصال متعددة؛ طلب العلم، وفهم المجتمع، واحترام الدليل، والقدرة
على التمييز بين الثابت والمنقول.
وفي زمن تتسارع
فيه الأخبار وتكثر فيه الروايات غير المحققة، يحتاج طالب العلم والداعية والمربي
إلى الجمع بين حرارة الإيمان وبرودة التثبت؛ فلا يندفع خلف كل قصة مؤثرة، ولا يفقد
روح الشجاعة العلمية.
إن شخصية جبير
بن نفير تذكّر بأن بناء الإنسان لا يكون بكثرة المعلومات فقط، بل بصناعة ميزان
داخلي يجمع بين العلم والبصيرة والأمانة.
وهذا الميزان هو ما أكده الإمام أبو عمرو الأوزاعي في وصيته لطلاب العلم وأهل التربية، حين قال: «اصبر نفسك على السُّنة، وقف حيث وقف القوم، وقل بما قالوا، وكف عما كفوا عنه، واسلك سبيل سلفك الصالح؛ فإن وسعك ما وسعهم»(9)، فهي وصية تجمع بين الثبات على الأصول، والتزام الدليل، وضبط الاندفاع، وتضع طالب العلم أمام مسؤولية أن يعرف حدود ما يقول، ومتى يتوقف، وما الذي لا يتجاوز فيه ما ثبت عن السلف.
الهوامش
- 1 جبير بن نفير ابن مالك بن عامر الإمام الكبير أبو عبدالرحمن الحضرمي الحمصي، أدرك حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وحدث عن أبي بكر -فيحتمل أنه لقيه- وعن عمر والمقداد، وأبي ذر، وأبي الدرداء، وعبادة بن الصامت، وعائشة، وأبي هريرة، وعدة. روى عنه ولده عبدالرحمن، ومكحول، وخالد بن معدان، وأبو الزاهرية حدير بن كريب، وربيعة بن يزيد، وشرحبيل بن مسلم، وسليم بن عامر، وآخرون، سير أعلام النبلاء، ج4، ص77.
- 2 سير أعلام النبلاء، ج4، ص77.
- 3 حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، ج2، ص10.
- 4 البداية والنهاية، ج4، ص32.
- 5 حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، ج2، ص44-45.
- 6 تاريخ مدينة دمشق، ج2، ص63.
- 7 المرجع السابق، ج2، ص77.
- 8 المرجع السابق، ج5، ص13-14.
- 9 حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، ج5، ص60-61.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً