نساء في ذاكرة الرسالة (6)
السيدة جويرية بنت الحارث.. كانت تتنفس عزة وكرامة
السيدة جويرية بنت الحارث.
قبل المبعث
الشريف بعام، وقبل الهجرة الشريفة بأربع عشرة عامًا، وفي عام 609م تقريبًا، أولد
الحارِث بن أبي ضِرار زوجَه بنتًا حلوة دعاها بَرَّة، وكان الحارث بن أبي ضِرار بن
حبيب الخُزاعيّ زعيم بني المُصْطَلقِ وسيّدها المطاع، وفي كنفه نشأت ابنته برة
جميلة مليحة، ترفل في جاهه وزعامته، وتَتَدَرَّجُ في العراقةِ والتَّرفِ، وما أن
أعلنت أنوثتها عن النضج والاكتمال، حتى أعلنت الحقيقة أنها حازت كل المقومات التي
تدعو الرجل إلى زواج المرأة، وطار ذكرها في آفاق خزاعة والقبائل المجاورة، فبدَّر
مُسَافِعُ بن صفوان المصْطَلقيّ -أحد أبناء عمومتها- إلى زواجها، قبل أن يسعى
إليها من يطمح إلى نظائرها من الفتيات
وفي أحد أيام
عامها العشرين كانت تترقب حدثًا مهمًا، كان أبوها الحارث بن أبي ضرار قد استكمل
عُدَّته، وجمع جموعه للسير إلى المدينة لحرب النبي صلى الله عليه وسلم، وكان قد
بلغه الخبر، فبعث بُرَيْدَة بن الحُصَيْب الأسْلَميِّ ليتحقق من الأمر، فأتى بريدة
جموع بني المصطلق وعاد وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم، وما كانت طبيعته لتجعله
يترك أمرًا يتهدد رسالته بالخطر دون أن يسعى لمواجهته سعيًا سريعًا، فهو الذي لم
يكن أبدًا ليقبل فكرة التقاعس عن نشر دين الله في أرض الله، فكيف به لو علم بخطر
يسعى إليه في مدينته؟ فصفَّ صلى الله عليه وسلم جيشه، وعقد الألوية، وطَوَى الجيش
أديم الصحراء إلى مرامه طيًا سريعًا.
وكان الشيطان
يواصل عداءه للإسلام، وينفث في صدور بني المصطلق، واتسعت بأفئدتهم آثار وسوسته،
واجتازت في أنفسهم مأمنها من الغرور، وأصدق دلالة على ذلك جمعهم قرابة من سبعمائة
رجل ولم يكن خبر غزوة «الأحزاب» عنهم ببعيد، حيث فشلت قريش في غزو المدينة وهي في
أكثر من عشرة آلاف رجل.
وكان خروج النبي
صلى الله عليه وسلم في شهر شعبان 6هـ، وباغتهم صلى الله عليه وسلم وأغار عليهم،
فَبُهِتُوا وجَبِنُوا، وتفرَّقَ عن الحارث بن أبي ضرار من كان معه من العرب،
وتَنَاوَشَ الفريقان فقُتِلَ من بني المصطلق عشرة رجال من بينهم مسافع بن صفوان
زوج برة بنت الحارث، واستشهد مسلمٌ واحدٌ، وسبى صلى الله عليه وسلم الذراري
والنساء، وأسر الكثير من الرجال، وغنم الأموال، وكانت برة بنت الحارث من بين
السبايا.
وعاد صلى الله
عليه وسلم إلى المدينة ترفرف بين يديه آيات النصر، وقسَّم الغنائم والسبايا، ووقعت
برة بنت الحارث في سهم ثابت بن قيس أو في سهم ابن عم له، وما كانت طبيعة برة بنت
الحارث لتصبر على قهر السبي، فما كان لمثلها أن تمضي في الحياة دون أن تتنفس حرية
وتستنشق كرامة، فعزمت على مُكَاتبة(1) ثابت بن قيس عن نفسها، وفي خطى
تتعثر في حيائها قصدت النبي صلى الله عليه وسلم تستعينه، فاستأذنت عليه، وفي لهجة
امتزج بها الأدب بالإباء، قالت: يا رسول الله، أنا بَرَّةُ(2) بنت
الحارث بن أبي ضرار سيد قومه.
ما رأيكم لو
نستمع إلى الخبر من شاهدة عيان؟ قالت السيدة عائشة رضي الله عنها: لما قسَّم رسول
الله صلى الله عليه وسلم سبايا بني المصطلق وقعت جويرية بنت الحارث في السهم لثابت
بن قيس بن الشماس أو لابن عم له وكاتبته على نفسها، وكانت امرأة حلوة ملاحة لا
يراها أحد إلا أخذت بنفسه، فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم تستعينه على كتابتها،
فوالله ما هو إلا أن رأيتها على باب حجرتي فكرهتها، وعرفت أنه سيرى منها ما رأيت.
فدخلت عليه
فقالت: يا رسول الله، أنا جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار سيد قومه، وقد أصابني من
البلاء ما لم يخف عليك، فوقعت في السهم لثابت بن قيس أو لابن عم له، فكاتبته على
نفسي، فجئتك أستعينك على كتابتي، فقال صلى الله عليه وسلم: «فهل لك في خير من ذلك؟»،
قالت: وما هو يا رسول الله؟ قال صلى الله عليه وسلم: «أُؤَدِّي عنك كتابتك وأتزوجك»،
قالت: نعم يا رسول الله، فقال صلى الله عليه وسلم: «قد فعلت».
وخرج الخبر إلى
الناس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج جويرية بنت الحارث، فقال الناس: أصهار
رسول الله، فأرسلوا ما بأيديهم، فلقد أُعتق بتزويجه إياها مائة أهل بيت من بني
المصطلق، فما أعلم امرأة كانت أعظم بركة على قومها منها(3).
ودخلت السيدة
بيت النبوة لتَتَضَامّ إلى كوكبة أمهات المؤمنين، تلكم الكوكبة التي تنتظم أجلّ
وأنبل نساء الأرض، ولئن لم تكن إحداهن كذلك ما كان أمرها ليخفى على الله عز وجل،
وما جعلها سبحانه قمينة بالبيت النبوي الشريف واسم صاحبه صلى الله عليه وسلم.
وكذلك كانت
بَرَّةُ بنت الحارث بن أبي ضَرارٍ الْخُزَاعِيَّةُ المُصْطَلقِيَّةُ رضي الله
عنها، كان اسمها أولاً بَرَّةُ فحوَّله رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى
جُوَيْرِيَةَ(4)، كراهة أن يُقال: «خرج من عند برة»(5)،
وقيل أيضًا: لما في اسم برة من المديح والتزكية.
وفي رواية: سبى
صلى الله عليه وسلم جويرية بنت الحارث -ونوى أن يتزوجها- فجاءه أبوها، فقال: يا
محمد، أصبتم ابنتي، وهذا فداؤها، فإن ابنتي لا يُسبى مثلها، فخلِّ سبيلها، فقال
صلى الله عليه وسلم: «أرأيت إن خيّرتها، أليس قد أحسنت؟»، قال الحارث: بلى، فأتاها
أبوها فذكر لها ذلك، فقالت: اخترت الله ورسوله(6).
أَسَامِعُونَ
أنتم؟! ألم أقل إنها من أجَلِّ وأنبلِ نساء الأرض، وأنها قمينة بالبيت النبوي
الشريف وباسم صاحبه صلى الله عليه وسلم، وأعلن أبوها إسلامه، وانْضَوى تحت لواء
صهره الكريم، الذي رقَّ لابنته، ورفع عنها مذلة السبي، وفكّ عن طوقها غلّ الرق،
فنجت ونجا معها من وصمة العار.
تطلعت السيدة
حولها فألفت نفسها زوجة للنبي الكريم صلى الله عليه وسلم، وأُعتق قومها ببركة هذا
الزواج الميمون، وجاء أبوها وبايع النبي صلى الله عليه وسلم مسلمًا محبًا،
وانتظمها وإياه دين الله ودعوة رسوله أحداث سراع، ولكنها أَفْعَمَتْ نفس السيدة
بكل إحساس آمن وجميل، ومن وراء هذا الأمد الزمني الطويل نفرح بها، ونفرح لها،
ونتساءل مغتبطين: هل وجدت السيدة وقتذاك الألفاظ التي تصبُّ فيها مشاعرها السعيدة؟
وتمضي الأيام،
وتسعى السيدة فيها سعيًا تناهى في الصدق واستقامة الضمير، فقد حوَّل الإسلام حقائق
حياتها إلى وقائع إيمان قوي ارتبطت به وارتبط بها، وصار أمامها وخلفها، وعن يمينها
ويسارها، لكأنها تلهث خلف رغبة واحدة، تعيش في ضميرها قوية عريضة، وهي الحفاظ على
شعور روحاني جميل يفرزه الإيمان، وتشعر به ملء حناياها، فحين يتحكم الإيمان فلا
مكان لغيره، ويُغَنّي المؤمن لإيمانه بكل معازفه.
أنا أُقرر هذه
المعاني بقوة، فهي مما فهمته وشعرته من كثرة تسبيحها، استمع معي إلى الحديث
التالي، ولسوف تقرر ما قررت، قالت رضي الله عنها: أتى عليَّ رسول الله صلى الله
عليه وسلم غدوة وأنا أُسبح، ثم انطلق لحاجته، ثم رجع قريبًا من نصف النهار، فقال:
«أما زلتِ قاعدة؟»، قلت: نعم، قال صلى الله عليه وسلم: «ألا أعلمك كلمات لو عدلن
بهن عدلتهن، أو لو وزن بهن وزنتهن(7) سبحان الله عدد خلقه ثلاث مرات،
سبحان الله زنة عرشه ثلاث مرات، سبحان الله رضا نفسه ثلاث مرات، سبحان الله مداد
كلماته ثلاث مرات»(8).
وامتد بالسيدة
شعور سعيد، يفرزه قُرْبُها من النبي صلى الله عليه وسلم قرابة خمس سنوات، وهي
تراقب خطواته الشريفة شغوفة وهو قريب منها، وتتسمع إلى أخباره ملهوفة وهو بعيد
عنها، وترتاح لانتصاراته أشد الراحة وأكملها، وذات يوم أَغْبَر، صعد صلى الله عليه
وسلم إلى الرفيق الأعلى، كان الخبر مفجعًا مفزعًا، ومن شدة وطأته أيقنت أنها سوف
تُسربل بمرارة الحزن ووخز الوجع ما بقيت لها في الحياة أنفاس، وعاشت السيدة بعد
النبي صلى الله عليه وسلم سنين عددًا، لا تعرف في نفسها من شعور إلا أن تهفو إلى
الخير، وتطمح إلى الجنة.
وسكت عنها
التاريخ، ورغم سكوته عنها نستطيع أن نُحدس بأنه لم يرَ منها تهاونًا في الذكر
والعبادة، فقد اتفق الشيخان لها على حديثين، وروى لها أبو داود، والترمذي،
والنسائي، وابن ماجه، وروى عنها ابن عمر، وابن عباس، وعُبيْدُ بن السَّبَّاق،
ومجاهد.. وغيرهم.
وعاشت رضي الله عنها تتفيأ ظلال الخلافة الراشدة، وفي خلافة معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه، وفي شهر ربيع الأول من سنة 56هـ، والسيدة بنت سبعين عامًا(9)، وبينما هي على حالها تتخذ من الأهبة ما يؤهلها للرحيل، وتطلعها إلى ما عند الله في أوضأ صورة، أتاها اليقين فلبَّت راضية مرضية، وصلى عليها مروان بن الحكم، وكان إذ ذاك أمير المدينة، وأَثْووا جثمانها الطيب تحت ثرى البقيع الرطيب.
الهوامش
- 1 كتبا بينهما اتفاقًا على مال تُقسطه برة لثابت، وعندما تدفعه تصير حرة.
- 2 أوردت بعض المصادر أنها قالت: أنا جويرية بنت الحارث، وقد أكدت نفس المصادر أنه صلى الله عليه وسلم هو الذي سماها جويرية، وكان اسمها بَرَّةُ، إذن فهذه المصادر تروي باعتبار ما سيكون.
- 3 حديث صحيح: أخرجه أحمد (26365)، وابن حيان (4054)، وأبو داود (3931).
- 4 حديث صحيح: أخرجه مسلم (2140).
- 5 المرجع السابق (3989).
- 6 يعني خيَّرها أبوها بين أن يُفديها وبين أن يتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم فاختارت الله ورسوله، أخرجه ابن سعد (8/ 118)، وابن حجر في الإصابة (11008)، والطبري في تفسير الآية (50) سورة «الأحزاب».
- 7 تعدل أو تزن جميع ما سبَّحتِ.
- 8 حديث صحيح: أخرجه مسلم (2726).
- 9 وقيل: توفيت سنة خمسين وهي بنت خمس وستين عامًا، والأرجح ما ذكرناه.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً