حين نحتفي بالمولد.. ماذا نتعلم من محمد ﷺ؟
تتجدد في شهر
ربيع الأول ذكرى مولد النبي محمد صلى الله عليه وسلم، فتتجه القلوب إلى سيرته
العطرة، وتتجدد مشاعر المحبة والاعتزاز برسول حمل رسالة غيّرت مسار التاريخ، غير
أن استحضار هذه الذكرى في عالمنا المعاصر يطرح سؤالًا يتجاوز حدود الاحتفاء
بالمناسبة: كيف يمكن أن تتحول السيرة النبوية من ذاكرة تاريخية إلى مصدر لاستلهام
منهج عملي في بناء الإنسان والمجتمع؟
هذه القراءة
تكتسب أهميتها من طبيعة السيرة نفسها؛ فهي لم تكن أحداثًا متتابعة بمعزل عن
واقعها، وإنما تجربة متكاملة في التعامل مع الإنسان والبيئة والمجتمع والتحولات، ومن
هذه الزاوية يمكن قراءة السيرة بوصفها تجربة في بناء الإنسان، وفهم الواقع، وإدارة
التحولات، وترتيب الأولويات، وتحويل القيم إلى مؤسسات وممارسات اجتماعية.
وهي الزاوية
التي تبرز في كتاب وضاح خنفر «الربيع الأول: قراءة سياسية وإستراتيجية في السيرة
النبوية»، حيث يتجاوز المؤلف السرد التاريخي إلى محاولة فهم المنهج الذي حكم
التجربة النبوية في مراحلها المختلفة.
أولًا: الإنسان أولًا:
كان الإنسان
نقطة البداية في المشروع النبوي، فقبل أن تتشكل الدولة، وقبل أن يتسع المجتمع، جرى
بناء الفرد على أساس الإيمان والوعي والمسؤولية والأخلاق.
وهذه نقطة
جوهرية في أي مشروع إصلاحي؛ إذ لا يمكن بناء مؤسسات قوية ومجتمعات مستقرة من دون
إنسان يمتلك منظومة قيمية تضبط سلوكه وقراراته.
ومن هنا تبدو
أهمية إعادة قراءة السيرة في عصرنا؛ فالتحديات المعاصرة ليست كلها تحديات مادية أو
سياسية، وإنما يتعلق جانب كبير منها بأزمة القيم، وضعف المسؤولية، وتراجع الثقة،
واتساع مساحات الاستقطاب والانقسام.
والقرآن الكريم
يجعل تكريم الإنسان أصلًا عامًا، بقوله تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ) (الإسراء: 70)،
في تأكيد واضح على مركزية الإنسان وكرامته.
ثانيًا: من القيم إلى البناء الاجتماعي:
لم تكن الأخلاق
في الرسالة المحمدية فضائل فردية معزولة، بل تحولت إلى قواعد تنظم المجتمع، فالعدل،
والأمانة، والإحسان، والتعاون، والشورى، والتعارف، وحفظ الحقوق، كلها قيم ذات
أبعاد اجتماعية وحضارية.
ولهذا، فإن
قراءة السيرة اليوم ينبغي ألا تتوقف عند السؤال: ماذا فعل النبي صلى الله عليه
وسلم؟ بل تمتد إلى سؤال آخر: ما القيم التي جعلت هذا الفعل ممكنًا؟ وكيف يمكن
تحويل تلك القيم إلى ممارسات في مجتمعاتنا ومؤسساتنا؟
فالقرآن يأمر
بالعدل والإحسان، ويدعو إلى التعاون على البر والتقوى، ويجعل الشورى من صفات
الجماعة المؤمنة، كما يؤكد الوفاء بالأمانات والعهود.
ثالثًا: ثبات المبادئ ومرونة الوسائل:
من أبرز ما يمكن
استلهامه من السيرة النبوية قدرتها على الجمع بين ثبات الغاية ومرونة الوسيلة، فالمبدأ
لا يتغير بتغير الظروف، لكن وسائل تحقيقه يمكن أن تتعدد وفقًا للزمان والمكان
والقدرة وطبيعة التحديات.
وهذا الدرس مهم
في عالم سريع التحول؛ إذ لا يكفي أن نتمسك بالقيم، بل نحتاج كذلك إلى حسن قراءة
الواقع، وفهم المتغيرات، والاستعداد للمستقبل، والقدرة على تحويل الأزمات إلى فرص
للتعلم والبناء.
كما أن القرآن
يربط التغيير بإرادة الإنسان وعمله، فيقول تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ
يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) (الرعد: 11).
رابعًا: الوحدة لا تعني إلغاء الاختلاف:
لم يجعل الإسلام
التنوع البشري سببًا للصراع، بل جعله مدخلًا للتعارف، يقول تعالى: (وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا
وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا) (الحجرات: 13).
ثم يجعل معيار
التفاضل التقوى، لا العرق أو النسب أو المكانة الاجتماعية.
وهذا المبدأ
يحمل أهمية خاصة في زمن تتسع فيه دوائر الاستقطاب، وتتحول الاختلافات في الرأي
أحيانًا إلى خصومات تهدد تماسك المجتمعات.
فالمجتمع القوي
ليس هو الذي يخلو من الاختلاف، وإنما الذي يمتلك من القيم والمؤسسات ما يجعله
قادرًا على إدارة الاختلاف بصورة حضارية.
خامسًا: المولد.. من المناسبة إلى المسؤولية:
إن القيمة
الحقيقية لذكرى المولد النبوي لا تكمن في استعادة حدث تاريخي عظيم فحسب، وإنما في
استعادة المشروع الذي بدأ بذلك الميلاد.
فمحمد صلى الله
عليه وسلم لم يكن مجرد شخصية تاريخية عظيمة، وإنما صاحب رسالة أعادت ترتيب علاقة
الإنسان بربه، وبنفسه، وبالآخرين، وأسست مجتمعًا يقوم على منظومة من القيم التي
تصلح أن تكون أساسًا للبناء في كل زمان.
ولهذا، فإن
الاحتفاء الحقيقي بالمولد يبدأ حين تتحول المحبة إلى اقتداء، والاقتداء إلى سلوك،
والسلوك إلى أثر في الأسرة والمؤسسة والمجتمع.
إننا بحاجة
اليوم إلى استعادة روح السيرة في العمل والإصلاح؛ إيمان يوجه، وعلم يبني، وأخلاق
تضبط، وشورى تجمع، وعدل يحمي، وتعاون ينهض بالمجتمع، وإرادة قادرة على صناعة
المستقبل.
وهكذا لا يصبح
السؤال في ذكرى المولد: كيف نحتفل بميلاد محمد صلى الله عليه وسلم؟ وإنما كيف نجعل
من سيرته قوة حاضرة في حياتنا، ومن رسالته منهجًا لبناء إنسان أكثر وعيًا، ومجتمع
أكثر تماسكًا، ومستقبل أكثر إنسانية؟
وفي ذكرى مولدك
الشريف، لعل أجمل ما نقوله هو ما قاله أمير الشعراء أحمد شوقي:
وُلِدَ الهُدى
فَالكائِناتُ ضِياءُ وَفَمُ الزَمانِ تَبَسُّمٌ وَثَناءُ
أبرز المبادئ التي أكدها القرآن الكريم في بناء الإنسان والمجتمع
ملاحظة: الجدول
التالي يضم مجموعة من أبرز المبادئ القرآنية، على سبيل المثال، وهي ليست حصرًا
لجميع المبادئ التي دعا إليها الإسلام.
|
تسلسل |
المبدأ |
الآية
القرآنية |
الدلالة
المعاصرة |
|
1 |
العدل |
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ
بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ النحل: 90 |
إقامة العلاقات والمؤسسات على الإنصاف وحفظ الحقوق. |
|
2 |
العدل
مع المختلف |
﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ
لِلتَّقْوَىٰ﴾ المائدة: 8 |
عدم تحويل الخلاف أو الخصومة إلى ظلم أو تمييز. |
|
3 |
التعاون |
﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ
وَالتَّقْوَىٰ﴾ المائدة: 2 |
تعزيز العمل الجماعي والشراكات لخدمة المجتمع. |
|
4 |
الشورى |
﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ
بَيْنَهُمْ﴾ الشورى: 38 |
المشاركة في اتخاذ القرار والاستفادة من الخبرات
والآراء. |
|
5 |
كرامة
الإنسان |
﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي
آدَمَ﴾ الإسراء: 70 |
صيانة كرامة الإنسان واحترام مكانته وحقوقه. |
|
6 |
التعارف
والتنوع |
﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا
وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ الحجرات: 13 |
تحويل التنوع إلى فرصة للتواصل والتعاون بدل الصراع. |
|
7 |
العلم
والمعرفة |
﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي
عِلْمًا﴾ طه: 114 |
اعتبار المعرفة أساسًا للتقدم وبناء الإنسان والقرار
الرشيد. |
|
8 |
الأمانة
والوفاء |
﴿وَالَّذِينَ هُمْ
لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ المؤمنون: 8 |
ترسيخ المسؤولية والنزاهة والوفاء في الحياة العامة
والخاصة. |
|
9 |
حسن
القول والحوار |
﴿يَقُولُوا الَّتِي هِيَ
أَحْسَنُ﴾ الإسراء: 53 |
الارتقاء بلغة الحوار والحد من الاستقطاب والخطاب
العدائي. |
|
10 |
السلام
والإصلاح |
﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ
فَاجْنَحْ لَهَا﴾ الأنفال: 61 |
تغليب السلام والإصلاح متى توافرت إمكانية حقيقية
لهما. |
|
11 |
عدم
الإكراه |
﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ البقرة:
256 |
تأكيد مبدأ عدم الإكراه في الاعتقاد. |
|
12 |
التغيير
والإصلاح |
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ
مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ الرعد: 11 |
ربط النهوض بإصلاح الإنسان وتحمل مسؤولية التغيير. |
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً