دروس في إنسانية العلماء
عيسى بن طلحة.. كيف جمع العالِم بين الهيبة والبشاشة؟
ذكر الإمام
الذهبي، في «سير أعلام النبلاء»، في خبر التابعي عِيسَى بن طَلْحَةَ بن عُبَيْدِ
اللَّهِ(1)، أنه أَبُو مُحَمَّدٍ الْقُرَشِيُّ التَّيْمِيُّ
الْمَدَنِيُّ، أَحَدُ الْإِخْوَةِ.
حَدَّثَ عَنْ
أَبِيهِ، وَمُعَاوِيَةَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَعَبْدِاللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، وَطَائِفَةٍ.
حَدَّثَ عَنْهُ
مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَطَلْحَةُ بْنُ يَحْيَى بْنِ طَلْحَةَ، وَالزُّهْرِيُّ،
وَآخَرُونَ.
وَكَانَ مِنَ
الْحُلَمَاءِ الْأَشْرَافِ، وَالْعُلَمَاءِ الثِّقَاتِ، وَفَدَ عَلَى مُعَاوِيَةَ.
وَعَاشَ إِلَى
حُدُودِ سَنَةِ مِائَةٍ.
رَوَى أَيُّوبُ
بْنُ عَبَايَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مِرْبَاعٍ، قَالَ: دَخَلَ رَجُلٌ إِلَى
عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ، فَأَنْشَدَ عِيسَى:
يَقُولُونَ لَوْ
عَذَّبْتَ قَلْبَكَ لَارْعَوَى فَقُلْتُ
وَهَلْ لِلْعَاشِقِينَ قُلُوبُ
عَدِمْتُ
فُؤَادِي كَيْفَ عَذَّبَهُ الْهَوَى وَمَا لِفُؤَادِي مِنْ هَوَاهُ طَبِيبُ
فَقَامَ
الرَّجُلُ، فَأَسْبَلَ إِزَارَهُ، وَمَضَى إِلَى بَابِ الْحُجْرَةِ يَتَبَخْتَرُ، ثُمَّ
يَرْجِعُ، حَتَّى عَادَ إِلَى مَجْلِسِهِ طَرَبًا، وَقَالَ: أَحْسَنْتَ، فَضَحِكَ
عِيسَى وَجُلَسَاؤُهُ لِطَرَبِ الرَّجُلِ(2).
قد ترتبط صورة
العالم في أذهان بعض الناس بالصرامة الدائمة، والصمت المستمر، والهيبة التي لا
تسمح بمساحة للابتسامة أو الأنس، لكن سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، ثم سير
الصحابة والتابعين من بعده، تقدم صورة أكثر توازناً ورشداً؛ فالعظمة الإيمانية لا
تعني الانغلاق، والوقار لا يعني العبوس الجاف، والعلم الشرعي لا يلغي طبيعة
الإنسان وفطرته ومشاعره النبيلة، قال تعالى: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ
كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ) (آل عمران: 159).
لقد كان النبي صلى
الله عليه وسلم أكثر الناس عبادة وخشية وتعظيماً لله عز وجل، ومع ذلك كان قريباً
من أصحابه، يبتسم لهم، ويمازحهم، ويستمع إلى أشعارهم المباحة، ويشاركهم بعض لحظات
الفرح الإنساني، فلم تكن التربية النبوية تهدف إلى صناعة شخصيات متجهمة جامدة، بل
إلى بناء إنسان متوازن؛ قلبه متعلق بالله، وروحه قريبة من الناس، ومن هذا المنبع
المصفى جاءت مجالس كبار التابعين، ومنهم الإمام عيسى بن طلحة بن عبيد الله، الذي
جمع بين شرف النسب، ورفعة العلم، وسعة الصدر، ولين الجانب.
كيف صاغ الحلمُ شخصيةَ عيسى بن طلحة القرشي؟
عيسى بن طلحة بن
عبيد الله القرشي التيمي المدني هو ابن الصحابي الجليل طلحة بن عبيد الله رضي الله
عنه، أحد العشرة المبشرين بالجنة، نشأ في بيت عُرف بالشرف، والمكانة، والبذل،
والسيادة، لكنه لم يكتفِ بميراث النسب، بل ورث معه الرسوخ العلمي، والديانة، وحسن
الخلق، والحلُم الفذ.
كان عيسى من
خيار أهل المدينة الذين جمعوا بين الرواية، والفقه، والأدب، والتثبت، وقد وثقه
أئمة التراجم والنقد بقولهم: «عِيسَى بْنُ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ
الْقُرَشِيُّ التَّيْمِيُّ الْمَدَنِيُّ، كَانَ مِنْ جِلَّةِ الْعُلَمَاءِ
الثِّقَاتِ وَالْحُلَمَاءِ الْأَشْرَافِ».
وهذه العبارة
الجامعة تكشف جانباً جوهرياً من شخصيته؛ فالعلم عنده لم يكن مجرد حفظ متون ونقل
أسانيد، بل كان سلوكاً يظهر في طريقة تعامله مع جلسائه وزواره، فالحلم ليس فقط أن
يتحمل الإنسان الغضب أو الإساءة عند وقوعها، بل أن يمتلك قدرة على فهم طبيعة
النفوس، وأن يضع المواقف في حجمها الإنساني الصحيح، وألا يجعل من كل تصرف عابر
قضية تستحق التشديد والتقريع.
سبب ضحك عيسى بن طلحة من تبختر الأعرابي
من المواقف
الشاخصة التي تكشف هذا الجانب الرفيع من شخصيته ما دُوّن في السير والتراجم؛ حيث
كان عيسى في مجلسه وحوله أصحابه، فدخل عليه رجل، فأنشده عيسى أبياتاً جارية في
الشوق والأدب: «أَنْشَدَ عِيسَى بْنُ طَلْحَةَ فِي مَجْلِسِهِ: يَقُولُونَ لَوْ
عَذَّبْتَ قَلْبَكَ لَارْعَوَى، فَقُلْتُ وَهَلْ لِلْعَاشِقِينَ قُلُوبُ؟ فَقَامَ
رَجُلٌ مِمَّنْ حَضَرَ فَأَسْبَلَ إِزَارَهُ وَجَعَلَ يَمْشِي مُتَبَخْتِرًا
طَرَبًا، فَضَحِكَ عِيسَى وَجُلَسَاؤُهُ مِنْ شِدَّةِ تَفَاعُلِهِ».
وكان الشعر في
ذلك العصر جزءاً من الثقافة العربية، ومجالس الأدب، والتعبير عن المعاني الإنسانية
الشفافة، فلما سمع الرجل هذه الأبيات تأثر بها، وغلبه الطرب، فقام من مجلسه، وأسبل
إزاره، وجعل يمشي متبختراً فرحاً إلى باب الحجرة ثم يعود إلى مجلسه، حتى عاد وهو
في غاية السرور والانبهاج وقال لعيسى: «أحسنت».
فكان موقف عيسى
بن طلحة وجلسائه المحدثين أنهم ضحكوا وبسطوا المجلس من شدة تفاعل الرجل وفرحه
المباح، وهنا تظهر قيمة تربوية وإنسانية رفيعة؛ فلم ينظر عيسى إلى المشهد بعين
المتصيد للأخطاء الشكلية، ولم يحول مجلس الفقه والأدب إلى لحظة زجر وتوبيخ، بل فهم
طبيعة الموقف الإنساني، وأدرك أن الرجل لم يقصد استعلاءً على الناس ولا كبراً
مذموماً، وإنما غلبته حالة من الطرب والانفعال العفوي بالشعر.
كيف يفرق المربي بين التكبر والعفوية؟
هذه القصة تقدم
نموذجاً راقياً لطريقة تعامل العلماء الراسخين مع طبائع البشر؛ فقد يكون التصرف
الواحد قابلاً لأكثر من قراءة وتأويل: فهناك فرق كبير بين من يفعل شيئاً بدافع
الكبر والغلو، وبين من يقع منه تصرف عفوي بسبب فرح أو انفعال لحظي.
والحكمة والحلُم
ليسا في أن يغض الإنسان الطرف عن الأخطاء والمنكرات، ولا أن يجعل كل شيء مقبولاً
بغير ضابط، وإنما في أن يعرف متى يحتاج الموقف إلى نصح وتوجيه، ومتى يحتاج إلى
ابتسامة دافئة واستيعاب، فبعض المواقف إذا عولجت بالقسوة والجفاف تحولت إلى حواجز
بين الناس وبين الدين، بينما لو عولجت بالحكمة والحلم أصبحت سبباً في الألفة
والمحبة، وهذا ما يُميز المربي والفقيه البصير؛ فهو لا يرى السلوك مجرداً، بل يقرأ
الدافع الإنساني الذي يقف خلفه، مستحضراً هدي السلف في الرفق كصنيع صلة بن أشيم
العدوي: «عَنْ صِلَةَ بْنِ أَشْيَمَ؛ حِينَ مَرَّ بِهِ فَتًى يَجُرُّ إِزَارَهُ،
فَلَمْ يُعَنِّفْهُ، بَلْ قَالَ لَهُ بِالرِّفْقِ: يَا ابْنَ أَخِي، إِنَّ لِي
إِلَيْكَ حَاجَةً: أُحِبُّ أَنْ تَرْفَعَ إِزَارَكَ، فَقَالَ: نَعَمْ وَنَعْمَى
عَيْنٍ، فَرَفَعَ إزاره, فقال صلة لأصحابه: هذا كان أمثل مما أردتم، لو شتمتموه
لشتمكم»(3).
كيف جمع النبي بين الهيبة والرحمة؟
هذا المنهج
السمح ليس غريباً عن المدرسة النبوية الأولى؛ فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم
أعظم الناس هيبة ووقاراً في قلوب الخلق، ومع ذلك كان أكثرهم قرباً ورحمة وبشاشة.
وكان النبي صلى
الله عليه وسلم يمازح أصحابه وأهل بيته دون أن يقول إلا حقاً؛ كما جاء في الحديث
أنه أَتَتْ عَجُوزٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ
فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ أَنْ يُدْخِلَنِي الْجَنَّةَ، فَقَالَ:
«يَا أُمَّ فُلَانٍ، إِنَّ الْجَنَّةَ لَا تَدْخُلُهَا عَجُوزٌ»، قَالَ: فَوَلَّتْ
تَبْكِي، فَقَالَ: «أَخْبِرُوهَا أَنَّهَا لَا تَدْخُلُهَا وَهِيَ عَجُوزٌ، إِنَّ
اللَّهِ تَعَالَى يقول: (إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاء {35} فَجَعَلْنَاهُنَّ
أَبْكَاراً {36} عُرُباً أَتْرَاباً) (الواقعة:35-36)».
وكان يمازح
أصحابه في الأسواق ويجبر خواطرهم؛ فقد أتى الصحابي زاهراً وكان رجلاً بادياً،
فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبيع متاعه، فاحتضنه من خلفه وهو لا يبصره،
فقال: أرسلني، من هذا؟ فالتفت فعرف النبي صلى الله عليه وسلم، فجعل لا يألو ما ألصق
ظهره بصدر النبي صلى الله عليه وسلم، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «مَنْ
يَشْتَرِي هَذَا العَبْدَ؟»، فقال زاهر: يا رسول الله، إذاً تجدني كاسداً! فقال
النبي صلى الله عليه وسلم: «لَكِنَّكَ عِنْدَ اللهِ لَسْتَ بِكَاسِدٍ»، أَوْ قَالَ
صلى الله عليه وسلم: «بَلْ أَنْتَ عِنْدَ اللهِ غَالٍ»(4).
وكان صلى الله
عليه وسلم ينادي أصحابه الملازمين باللطف والدعابة البسيطة، كقوله لأنس بن مالك
رضي الله عنه: «يَا ذَا الأُذُنَيْنِ»(5)، فلم يكن هذا المزاح نقصاً في
مقامه الشريف أو حطاً من مهابته النبوية، بل كان دليلاً على كمال شخصيته ورحمته؛
لأن الهيبة الحقيقية تنبع من الرسوخ العلمي وحسن الخلق، لا من التجهم والعزلة.
شرح حديث ساعة وساعة لحنظلة الأسدي
ومن أعظم
القواعد الأصولية التي تضبط هذا التوازن قول النبي صلى الله عليه وسلم الصريح
للصحابي الجليل حنظلة الأسدي رضي الله عنه حين شعر بتغير حاله النفسية والروحية
بين مجلس النبي صلى الله عليه وسلم المفعم بالذكر وبين حياته ومداعبة أهله
وأولاده، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم مبيناً الفطرة والتوازن الإنساني
المنضبط: «وَلَكِنْ يَا حَنْظَلَةُ سَاعَةً وَسَاعَةً»(6).
فالإنسان بطبعه
ليس على حالة واحدة من الانقباض أو الخشوع الدائم؛ له أوقات يكون فيها مقبلاً على
العبادة والذكر، وله أوقات يعيش فيها مع أسرته وإخوانه وشؤونه اليومية المباحة، والمنهج
الإسلامي الراشد لم يأتِ ليخرج الإنسان عن أصل طبيعته البشرية، بل جاء ليهذب هذه
الفطرة ويوجهها، قال تعالى: (وَابْتَغِ
فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ
الدُّنْيَا) (القصص: 77).
فلا يكون المسلم
غارقاً في اللهو والبطالة، ولا يكون في الوقت ذاته جافاً محروماً من كل مساحة
للراحة والأنس المباح، وهذا التوازن هو الذي صنع شخصيات الصحابة والتابعين؛ شخصيات
قوية في المبدأ، رحيمة في التعامل، جادة عند النوازل، وبشوشة في مواضع الأنس
والاجتماع.
كيف يبني الرفقُ محبةَ العلماء بالقلوب؟
تكشف حادثة مجلس
عيسى بن طلحة جانباً مشرقاً من شخصيته؛ فقد كان عالماً ثقة حجة، لكنه لم يجعل
العلم حابساً بينه وبين المجتمع، ولا حجاباً يمنعه من بسط وجهه لإخوانه، كان
قادراً على أن يحافظ على مكانته وهيبته، وفي الوقت نفسه يترك مساحة للعفوية
والبهجة الإنسانية المأذونة.
وهذا ينطبق
تماماً على مسلك أئمة التابعين كالإمام محمد بن سيرين رحمه الله: «فقد كَانَ
مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ يَضْحَكُ حَتَّى تَدْمَعَ عَيْنَاهُ(7)، وكان
يضحك حتى يستلقي وكان يقول لأصحابه، مرحبًا بالمدرقشين(8)، أراد أنهم
يحملون الجنائز(9)؛ فَإِذَا وَرَدَتْ مَسَائِلُ الْأَحْكَامِ
وَالشَّرْعِ انْقَبَضَ وَاسْتَحْضَرَ الْوَقَارَ وَالْخَشْيَةَ».
وهذا درس بالغ
الأهمية لكل من يحمل أمانة التربية، أو التعليم، أو القيادة؛ فالناس لا يتعلقون
فقط بمن يملك خزانة المعلومات، بل بمن يجعلهم يشعرون بقيمتهم وقربهم، قد يحترم
الإنسان العالم بسبب غزير علمه، لكنه يحبه ويتبعه بسبب رحمته وبشاشته ولين جانبه، ولهذا
كانت مجالس العلماء الأوائل تجمع بين الحديث والعلم والأدب والابتسامة، لأنها كانت
تنظر إلى الإنسان باعتباره كياناً متكاملاً، لا مجرد عقل يتلقى الأحكام.
كيف نعالج الجفافَ التربويَ بالبشاشة والحكمة؟
تتصل الدروس
التربوية والإيمانية المستفادة من سيرة عيسى بن طلحة بن عبيد الله اتصالاً وثيقاً
بتقديم نموذج علمي وعملي فريد لكيفية توجيه الطاقة والنسب في أبواب النفع والسيادة،
وتتجلى أهم هذه القواعد التي عبرت عنها مسيرته العطرة في المعاني الآتية:
- العلم يحتاج
إلى شخصية ربانية تحمل معانيه وتجسده: فالألم المؤثر هو الذي يجمع بين سعة المعرفة
وحسن السلوك والسمت والبشاشة.
- الحلم والرفق
أصلان أصيلان في فهم طبائع البشر: فلا يُعامل الناس بجمود ولا تُحاكم تصرفاتهم
العفوية بميزان الشدة والجفاف.
- الترويح
المباح والأنس لا يناقضان الوقار العلمي: بل يجددان نشاط النفس ويفتحان القلوب
للتلقي والقبول.
- البشاشة ولين
الجانب هما القناة الأقوى لإيصال الحق: فالشدة تنفر، والرحمة تجمع القلوب على محبة
الدين والشريعة.
وبهذه المعالم
المتكاملة تكتمل صورة المربّي والعالم الذي يترجم ميراث أهله الشريف إلى أثر حَيّ
وممتد في الأمة، ليبقى جيل التابعين شاهداً على أن العلم والتزكية هما الحصن
الأكبر لحفظ هداية هذا الدين.
كيف يجمع المربي والداعية المعاصر بين قوة المبدأ ولين التعامل؟
في زمن يربط فيه
بعض الناس بين الالتزام والجفاف والعبوس، تأتي مواقف عيسى بن طلحة ومجلسه لتسدد
التوازن الشريفي، فنحن بأشد الحاجة إلى نماذج تجمع بين الثبات الصارم على المبادئ
وحسن التعامل مع البشر، بين الجدية والرحمة، وبين الهيبة والقرب، فالأسرة التي
تريد تربية أبنائها تحتاج إلى الحزم، لكنها تحتاج بالقدر ذاته إلى الابتسامة
والدفء، والمعلم الذي يريد التأثير في طلابه يحتاج إلى غزير العلم، لكنه يحتاج
كذلك إلى بناء علاقة إنسانية متينة معهم، والداعية الذي يريد الوصول إلى القلوب
يحتاج إلى البيان، لكنه يحتاج قبل ذلك إلى الرحمة وحسن الفهم؛ موثقين بالوصية
النبوية الخالدة: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم بَعَثَ مُعَاذًا وَأَبا
مُوسَى إلى اليَمَنِ، قالَ: «يَسِّرا وَلا تُعَسِّرَا، وَبَشِّرا وَلا تُنَفِّرَا،
وَتَطَاوَعا وَلا تَخْتَلِفَا»(10).
فالابتسامة لا
تناقض الوقار، والدعابة المباحة لا تناقض العلم، واللين لا يناقض القوة؛ إنما
الكمال الإيماني أن يعرف الإنسان متى يعلّم، ومتى ينصح، ومتى يترك مساحة للفرح
الراشد الذي يجمع القلوب.
كان عيسى بن
طلحة بن عبيد الله واحدًا من أولئك الرجال الأثبات الذين لم تحفظ الأمة أخبارهم
لمجرد حكايات عابرة، بل لأنها كانت تدرك بيقين أن القدوة الحقيقية تُبنى من مجموع
هذه التفاصيل الإنسانية الشاملة، رجل عاش في بيت الصحابة والعلم، وحمل الفقه
والحديث، وأتقن الحلم، واعتنى بتبسمه وبسط وجهه للناس.
فلم يكن علمه في كتبه ومروياته فقط، بل كان ظاهرًا في حلمه، وبشاشته، وطريقته الراشدة في مجاملة إخوانه ومجالسة رعيته، ولهذا بقيت سيرته العطرة شاهدًا حياً على أن العالم الحقيقي هو من يجعل حياته كلها رسالة رحمة وهداية تؤثر في الأجيال المتعاقبة.
الهوامش
- 1 عيسى بن طلحة بن عبيد الله التيمي: تابعي جليل من خيار أهل المدينة والحديث، والدُه الصحابي الجليل طلحة بن عبيد الله، اشتهر بالحديث والفقه والفضل والعبادة، ورواية الآثار عن كبار الصحابة كعائشة وأبي هريرة، سكن المدينة المنورة ونزل الكوفة وقدم على بني أمية بالشام، وتوفي بالمدينة سنة 100هـ (وقيل: 95هـ).
- 2 سير أعلام النبلاء (4/ 368).
- 3 صفة الصفوة (2/ 127).
- 4 صحيح ابن حبان (6/ 518/ 5735).
- 5 سنن أبي داود (4/ 458/ 5002).
- 6 صحيح مسلم (8/ 94/ 2750).
- 7 مداراة الناس لابن أبي الدنيا، ص66-70.
- 8 يعني أنكم تشهدون الجنائز، وتحملون الموتى.
- 9 قبول الأخبار ومعرفة الرجال (1/ 215/ 17).
- 10 صحيح البخاري (3/ 100/ 3038).
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً