كيف تصبح روح رمضان زاد الأسرة بقية العام؟

"الصوم مدرسة التجرد، يعلمك أن تمسك عن الحلال لتدرك معنى الإمساك عن
الحرام.. هو رياضة للروح قبل الجسد" .. هكذا يصف الإمام الغزالي في
"إحياء علوم الدين" الصوم كمنهج لتنقية النفس من الأهواء.
رمضان هو الموسم السنوي لمراجعة أفكارك وتصوراتك من خلال الوحي..
يقول الداعية أحمد عبد المنعم: إننا في رمضان نتلقى بشكل هادئ متتابع معاني
الوحي.. كلام الله مباشرة إلى قلبك بعيدا عن كلام البشر.. وقد اصطفى الله زمان
رمضان ليكون زادًا لحركة الإنسان بقية العام.. بل ويسر لنا اللياقة الإيمانية
بتكريس مواسم زمانية مكانية للعبادات لتهيِّئ قلوبنا إليها.. تعلمنا عبادة
الارتقاء وكسر العادات التي ظنناها مستحيلة.. تعلمنا كيف نعرج بالليل والنهار
بأرواحنا لنناجي ربنا.. أيام معدودات متتابعات.. ورغِم أنفه من لم يتغير بعد رمضان!
لكن.. هل فكرنا كيف يصبح
رمضان بوابة التغيير كأفراد وأسر مسلمة في باقي شهور العام؟
إن اجتماع الغايات التي يحدثها الصوم يأتي في كلمة التقوى أو حالة
الوعي الدائم بمراقبة الله، مصداقا لقوله تعالى: (يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى
الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة:183).
لقد بدأ العلم يدرك ما أثبتته شريعة الإسلام حول الصوم وفائدته،
وكونه "جُنّة" أي وقاية للإنسان، فكتب دانييل سيغيل بحثا هاما عن انفراد
الصوم كمؤثر روحاني بتغيير الذكاء الوجداني للإنسان. وأشار د.محمد العيسى في كتابه
"التربية بالحب" أن 73% من العادات الروحية تُكتسب عبر الممارسة
المنتظمة لمدة 21 يومًا على الأقل، وهو ما يفعله رمضان كل عام.
اقرأ أيضا: رمضان مدرسةً
للمراهقين
في السطور التالية سنتأمل كيف تُبنى العادات في كتب التربية
الإيجابية للنفس وللأبناء، ونطبق ذلك على الحالة الرمضانية، وكيفية استثمارها طوال
العام.
سجادة أمي!
تروي المدربة التربوية "نشوى الفولي" في كتاب حديث عن
"6 مفاتيح للتعامل مع المراهقين"؛ كيف أن احتفاظ ذاكرتها برائحة سجادة
الصلاة لأمها في صلاة الفجر، والمشبعة بالمسك، والمكان الذي تخصصه للصلاة وقراءة
القرآن والدعاء إلى جانب سرير ابنتها؛ قد ساعد الابنة لاحقًا في اكتساب عادة صلاة
الفجر بدون مجهود! فقد ارتبطت بحواسها وهي الخطوة الأولى في بناء أي عادة لدى
ابنك. فالقاعدة تقول: إن بناء العادات يبدأ من البحث عن دليل واضح يربط حواسك
بالعادة الجديدة. إنه الخيط الذي تبدأ معه..
هذه الخطوة نرتبط فيها بتلمس محيطنا والاستمتاع بصوت الأذان، وصوت
إذاعة القرآن قبل المغرب، ورائحة ومشهد الطقوس الرمضانية المفعمة بالسكينة.
تخيّل الجنة:
تتعلق الخطوة الثانية في بناء العادات بفكرة "الاشتهاء
والدافعية" وهو البحث عن معنى يجعلك تمارس تلك العادة دون انقطاع، وهو الشيء
الذي تلعب عليه الحملات الإعلانية عموما في إغراء المستهلكين وتحفيز خيالهم وربط
السلعة بالسعادة. هنا يمكننا أن نتأمل كيف نرتبط كل العبادات لدى أبنائنا بالحالة
الشعورية التي تمنحنا إياها؛ فالصلاة تمنحنا الخشوع والسكينة، كما يمنحنا الصوم
روحا وإرادة عالية، وتمنحنا الصدقات رقة وشعورًا بالآخرين.
يمكنك أيضا أن تقارن لابنك بين حالة العزة التي كان عليها المسلمون
زمن نهضتهم الإيمانية والعلمية الحضارية، وحالة الانكسار الحالية أمام العدو
الغربي لتغييب شريعة الله من حياتنا.
إن المنهج القرآني دائمًا وأبدًا يربط بين الأعمال وتبعاتها؛ فالصبر
يعقبه البشرى، يقول الله سبحانه: (جَنَّاتُ
عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ وَذَٰلِكَ جَزَاءُ
مَن تَزَكَّىٰ) (طه: 76).
والعادات عموما لا تحتاج لوعظ ونصائح وإنما هي أشياء طويلة المدى يتم
اكتسابها من خلال المشاهدة والقدوة، وحين يشاهدك ابنك تمارس العبادة والقراءة
والخيرات، سيحمل عقله اللاواعي كل تلك الذخائر ويطبقها سلوكيا.
كيف نستجيب؟
نأتي للخطوة الثالثة لبناء العادات -بحسب الكتاب- وهي
"الاستجابة"؛ ففي رمضان كان ابنك حين يأتيك وقد ضرب زميله الذي اعتدى
عليه، كنت ترد: ألم تخبره بالعبارة التي علمنا إياها النبي صلى الله عليه وسلم:
"إني صائم" ثم تذهب للمعلم ليفصل بينكما إذا تكرر الأمر؟ هنا ربط الابن
بين الصوم وخلق هام وهو كبح جماح الغضب. كما خرجنا من رمضان بعادات هامة تتعلق
بالتعاون داخل الأسرة لتجهيز المنزل والطعام وقراءة القرآن والصلاة في المسجد
وزيارة الأقارب واستقبالهم..
اقرأ أيضا: من هنا يبدأ التغيير
مكافآت وغايات:
يأتي العيد مكافأة المؤمنين الصائمين وفرحتهم التي أعدها الله لهم في
الدنيا. ولكننا نظل على وفائنا لكل العبادات التي حملنا إليها رمضان.
لابد أن نصطحب الغاية حين نصلي في كل ليلة ولو ركعتين تصبحان
استمرارا لعبادة قيام الليل. اجعلوا من الأيام البيض أوسط كل شهر هجري فرصة لإحياء
سنة الصوم وتدبر قيمته الكبرى في إحياء النفس، وقد كان هو طريق الصالحين عبر
العصور لأنه يقطع الطريق على خضوعنا لشهواتنا.
من المحزن أن تخلو مساجد
المسلمين بعد رمضان، فلماذا لا تدرك ما استطعت من الصلوات مع أولادك في مسجد الحي؟
لماذا لا نخصص وردًا قرآنيا
ثابتا يوميا، لا مجرد قراءة، وإنما حالة تدبر شاملة لأسباب النزول وتأمل الأسماء
الحسنى لربنا وصفاته، وحالات القلوب!
رمضان.. ثورة التغيير:
رمضان حالة تدوم طوال العام.. هكذا يجب أن يصبح لنا ولأبنائنا.. هو
مدرسة العادات.. يقول الكاتب "خالد أبوشادي" في كتابه الهام "رمضان
ثورة التغيير": إن طريق العبادة في رمضان لا يشكو من قلة سالكيه؛ بل تشهد
ختمات القرآن وصلاة المسجد وسط أمواج المؤمنين. لكن الهدف هو أن تصل حالة التقوى
لقلبك فتشمله طوال العام. ثلاثون يوما تصومها مهما كان من حرها أو تعبها دون أن
تتخلف عن يوم واحد، وتمسك فيها جوارحك عن كل ما يجرح صيامك خشية أن يضيع هدرا،
فكيف لا تقوى بعدها على صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وكيف لا تتحمل إمساك لسانك
وبصرك عن الحرام باقي العام؟
كثيرون خرجوا من رمضان وقد أقلعوا عن التدخين وإدمان وسائل التواصل
الاجتماعي والغضب المفرط والكسل والتسويف.. إن رمضان يوقظ العباد؛ من أضاع عمره
مسرفًا؛ أسرف في طعام ونوم، فقسا قلبه وتبلد طبعه وأضاع صلاة الفجر وغنيمة
المؤمنين. أسرف في نميمة وحقد وعداوة وقطع أرحام وإساءة للجار. أسرف في معاص وآثام
روجتها الشاشات الحديثة.
جاء رمضان هذا العام بينما تمحى أسر فلسطينية بأكملها من سجلات
الأحياء.. ولولا الوهن الذي أصاب جسد الأمة المسلمة لما اجترأ العدو الغربي
عليها.. فالنصر عبر سنن التاريخ هو حليف من يغيّر نفسه أولًا لينتصر.. وروح رمضان
هي التي تصنع منك هذا التغيير!