إغراء المجاملة أمام أصحاب النفوذ
كيف تكشف المواقف الصغيرة الشجاعة الحقيقية؟ طاووس بن كيسان
أورد الذهبي، في
«سير أعلام النبلاء»، عَنِ عَبْدالرَّزَّاق قال: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ ابْنِ
طَاوُوْسٍ، قَالَ: كُنْتُ لَا أَزَال أَقُوْلُ لأَبِي: إِنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ
يُخْرَجَ عَلَى هَذَا السُّلْطَانِ، وَأَنْ يُفْعَلَ بِهِ، قَالَ: فَخَرَجْنَا
حُجَّاجاً، فَنَزَلْنَا فِي بَعْضِ القُرَى، وَفِيْهَا عَامِلٌ -يَعْنِي:
لأَمِيْرِ اليَمَنِ- يُقَالُ لَهُ: ابْنُ نَجِيْحٍ، وَكَانَ مِنْ أَخْبَثِ
عُمَّالِهِم، فَشَهِدْنَا صَلَاةَ الصُّبْحِ فِي المَسْجِدِ، فَجَاءَ ابْنُ
نَجِيْحٍ، فَقَعَدَ بَيْنَ يَدَيْ طَاوُوْسٍ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَلَمْ
يُجِبْهُ، ثُمَّ كَلَّمَهُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، ثُمَّ عَدَلَ إِلَى الشِّقِّ
الآخَرِ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، فَلَمَّا رَأَيْتُ مَا بِهِ، قُمْتُ إِلَيْهِ،
فَمَدَدْتُ بِيَدِهِ، وَجَعَلْتُ أُسَائِلُهُ، وَقُلْتُ لَهُ: إِنَّ عَبْدَ
الرَّحْمَنِ لَمْ يَعْرِفْكَ، فَقَالَ العَامِلُ: بَلَى، مَعْرِفَتُهُ بِي
فَعَلَتْ مَا رَأَيْتَ، قَالَ: فَمَضَى وَهُوَ سَاكِتٌ لَا يَقُوْلُ لِي شَيْئاً،
فَلَمَّا دَخَلْتُ المَنْزِلَ، قَالَ: أَيْ لُكَعُ، بَيْنَمَا أَنْتَ زَعَمْتَ
تُرِيْدُ أَنْ تَخْرُجَ عَلَيْهِم بِسَيْفِكَ، لَمْ تَسْتَطِعْ أَنْ تَحْبِسَ
عَنْهُ لِسَانَكَ(1).
كان عبدالله بن
طاووس يكثر من الحديث مع أبيه عن السلطان، ويرى أن الموقف منه ينبغي أن يكون أشد
مما يراه أبوه، ثم خرج مع طاووس حاجًّا، فنزلا في بعض القرى، وكان فيها عامل من
عمال اليمن عُرف بسوء السيرة، وبعد صلاة الصبح جاء العامل إلى طاووس، فجلس بين
يديه وسلم عليه فلم يجبه، ثم كلمه فأعرض عنه، ثم تحول إلى جانبه الآخر فأعرض عنه
مرة أخرى.
هنا لم يحتمل
الابن ثقل الصمت، فقام إلى العامل ولاطفه، وأخذ بيده، وحاول أن يعتذر عن موقف أبيه
قائلاً إن أبا عبد الرحمن لم يعرفه، لكن الرجل فهم الرسالة أكثر مما فهمها الابن،
فقال بما معناه: بل معرفته بي هي التي صنعت ما رأيت.
خرج طاووس ولم
يعاتب ابنه أمام الناس، وظل ساكتًا حتى دخلا المنزل، ثم التفت إليه بالكلمة التي
اختصرت الموقف كله: «بينما أنت زعمت تريد أن تخرج عليهم بسيفك، لم تستطع أن تحبس
عنهم لسانك».
ليست قيمة هذه
القصة في حدتها السياسية، ولا يصح تحميلها وحدها حكمًا فقهيًا عامًا في مسائل
الخروج على الحكام؛ فتلك أبواب لها نصوصها وتفصيلاتها وضوابطها عند أهل العلم، وإنما
تكمن قوة الموقف في أنه يكشف واحدة من أدق مشكلات النفس الإنسانية: المسافة
الهائلة التي قد تفصل بين ما نتصوره عن شجاعتنا، وما نستطيع فعله ساعة الاختبار.
لماذا تفشل حماسة الشعارات عند أول إحراج؟
كان الابن
قادرًا، وهو بعيد عن أصحاب السلطة، على تصور نفسه في أقصى درجات المواجهة: سيف،
وخروج، وصدام، لكن الامتحان الذي جاءه لم يكن سيفًا ولا سجنًا ولا تهديدًا؛ كان
مجرد صمت في مسجد، وهذا من أعجب ما في القصة، فالإنسان يستطيع وهو في مأمن أن يبني
لنفسه صورة بطولية شديدة الارتفاع، ثم تنهار هذه الصورة أمام امتحان أصغر بكثير من
الامتحان الذي كان يتخيله.
جلس العامل
وسلّم، فلم يجبه طاووس، ثم تكلم فلم يجبه، ثم انتقل إلى الجانب الآخر فأعرض عنه، كانت
لحظات الصمت تتراكم، ومعها يتراكم الضغط النفسي على الابن: ماذا سيقول الناس؟ أليس
في الأمر إحراج؟ هل ينبغي تلطيف الجو؟ ألا يمكن تفسير موقف الأب بطريقة ألطف؟ وعند
هذه النقطة تدخلت غريزة خفض التوتر؛ فبادر إلى الكلام والمصافحة والاعتذار، لم تكن
المشكلة إذن أنه أحب العامل أو رضي بفعله، وإنما أنه لم يحتمل كلفة موقفه.
وهنا تكمن
عبقرية عتاب طاووس، لم يقل له: أنت جبان، ولم يدخل معه في نقاش طويل عن السياسة
والسلطان، وضع أمامه تناقضًا واحدًا لا يستطيع الفرار منه: كيف تتخيل قدرتك على
بذل الدم، وأنت لم تستطع أن تملك لسانك دقائق معدودة؟
إن من أعظم
أبواب معرفة النفس أن يمتحن الإنسان ادعاءاته الكبرى بأفعال صغيرة، ومن عجز عن
الصبر على لحظة إحراج، فعليه أن يتواضع قبل أن يحدث نفسه ببطولات تحتاج إلى صبر
على الخوف والفقد والأذى.
سلطان المرء على لسانه قبل مقارعة الخصوم
من السهل أن
تختزل الشجاعة في مواجهة الخصم، لكن كثيرًا من أخبار السلف تعيد تعريفها من نقطة
أعمق؛ أن تملك نفسك قبل أن تزعم أنك قادر على مقارعة غيرك، ولهذا كانت الجملة التي
اختارها طاووس دقيقة؛ لم يقل لابنه: إنك لم تستطع أن تضربه، وإنما قال: لم تستطع
أن تحبس لسانك، فالاختبار هنا اختبار سيادة على الذات.
قد يعرف الإنسان
الصواب ثم تهزمه نظرة الآخرين، وقد يملك الحجة ثم يخشى لحظة الصمت، وقد يرفض
المداهنة نظريًا، ثم إذا جلس أمام صاحب منصب اندفع إلى الثناء والشرح والاعتذار
بما لم يطلبه منه أحد.
وفي واقع الناس
اليوم لا تقع هذه الاختبارات أمام الولاة وحدهم؛ تقع في مجالس العمل، وبين
الأصدقاء، وفي المؤسسات، وعند أصحاب الشهرة والمال، كم من إنسان ينتقد ثقافة
التملق، فإذا جلس أمام صاحب نفوذ بالغ في المجاملة! وكم من شخص يهاجم النفاق
الاجتماعي، ثم لا يستطيع أن يقول كلمة هادئة تخالف اتجاه المجلس!
إن ملكة النفس
لا تنشأ عند المعارك الكبرى فجأة؛ إنها تتكون من عشرات المواقف الصغيرة التي يتعلم
فيها الإنسان أن يحتمل الصمت، وأن يقبل سوء فهم الآخرين، وأن يخسر قدرًا من القبول
الاجتماعي في سبيل ألا يقول ما لا يعتقده.
موقف طاووس بن كيسان من مخالطة الظالمين
في الرواية بناء
مشهدي بالغ الدلالة؛ سلام، فلا جواب، ثم كلام، فإعراض، ثم انتقال إلى الجانب
الآخر، فإعراض آخر، إنها ثلاث محاولات لفتح باب العلاقة، وفي مقابلها ثبات متكرر
من طاووس.
وليس المقصود أن
الإعراض عن الناس فضيلة مطلقة؛ فالأصل في المسلم حسن الخلق وأداء الحقوق، وإنما
تقرأ الواقعة في سياقها الذي تصفه المصادر أنه رجل من العمال كان طاووس يعرف
سيرته، ورأى أن إظهار المودة له ليس هو الموقف الذي يختاره لنفسه.
وقد نبه القرآن
إلى خطورة الركون إلى الظلم فقال سبحانه: (وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ) (هود:
113)، والركون أوسع دلالة من مجرد اللقاء أو الكلام؛ وقد ذكر المفسرون فيه
معنى الميل إلى أهل الظلم والرضا بطريقتهم(2)، ومن ثم فلا يصح أن تتحول
القصة إلى قاعدة تحرم كل اتصال بصاحب سلطة أو منصب، وإنما معناها الأعمق أن المؤمن
يحرس قلبه من أن تتحول الهيبة أو المصلحة إلى مداهنة للباطل.
وفي الباب نفسه
جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ومن أتى أبواب السلطان افتتن»(3).
وليس معنى
الحديث تحريم كل قرب تدعو إليه مصلحة شرعية أو نصيحة أو وظيفة مشروعة، وإنما فيه
إنذار من فتنة القرب؛ لأن الإنسان قد يدخل وهو يظن نفسه ناصحًا، ثم تتدرج نفسه من
النصح إلى الاستئناس، ومن الاستئناس إلى التبرير، ومن التبرير إلى أن يصبح ما كان
يستنكره بالأمس مألوفًا لديه اليوم.
وطاووس كان شديد
الحساسية تجاه هذا الباب؛ ولذلك لم يكن استقلاله عن أهل السلطان شعارًا سياسيًا،
بل بابًا من أبواب حماية القلب.
الفرق التربوي بين تصحيح الخطأ وكسر المخطئ
ربما لا تقل هذه
الجزئية أهمية عن أصل الموقف، لقد رأى طاووس ابنه يفسد، في نظره، الدرس الذي كان
يريد أن يجسده، وكان يستطيع أن يوقفه في المسجد، وأن يقول أمام العامل والحاضرين:
لا تفعل، وكان يستطيع بعد خروج العامل أن يوبخه أمام الناس.
لكنه لم يفعل، تقول
الرواية إنه مضى ساكتًا، حتى إذا دخل المنزل وجّه إليه عتابه، إنها تربية تعرف
الفرق بين تصحيح الخطأ وكسر المخطئ.
عندما يكون
الإنسان تحت أعين الناس يكون جزء كبير من طاقته النفسية مشغولًا بحماية صورته
وكرامته، فإذا وبخه المربي أمام الآخرين فقد تتحول المسألة من مناقشة السلوك إلى
الدفاع عن الذات، أما حين يؤخر العتاب إلى خلوة هادئة، فإنه يسمح للرسالة بأن تصل
من غير أن تختلط بمرارة الفضيحة.
ولهذا كانت
التربية النبوية مليئة بمراعاة أحوال النفوس، وبالتعريض أحيانًا بدل تسمية المخطئ،
وبالتدرج في معالجة الخطأ.
وهذا المعنى
شديد الحضور في الأسرة والمدرسة والعمل اليوم، فالأب الذي يفضح خطأ ابنه أمام
إخوته قد ينتصر لحظيًا في النقاش ويخسر أثر التربية، والمدير الذي يحطم موظفه أمام
زملائه قد يوقف خطأً واحدًا ويصنع عشر مشكلات من الخوف والمرارة، والمعلم الذي
يجعل تصحيح الطالب مشهدًا للسخرية يدفعه إلى الدفاع عن كرامته بدل التفكير في خطئه،
أما طاووس فأبقى للموقف العام رسالته، وللتربية الخاصة حرمتها.
أثر التربية بالمواقف العملية في هدم الأوهام
لو جلس طاووس
قبل الرحلة يحدث ابنه ساعات عن خطورة الحماسة غير المنضبطة، فربما جادله الابن
طويلًا، لكنه بعد ذلك الصباح لم يعد يحتاج إلى محاضرة، فالواقع قدّم البرهان.
وهذه طريقة
تربوية بالغة العمق: بعض الأوهام لا يهدمها الكلام، وإنما يهدمها احتكاك صاحبها
بموقف يكشفه أمام نفسه.
الابن كان يمتلك
تصورًا عن ذاته: أنا قادر على مواجهة السلطان، ثم قدم له الواقع سؤالًا أصغر: هل
تستطيع احتمال صمت محرج أمام عامل واحد؟ فلما جاءت الإجابة بالفعل لا بالكلام، صار
الدرس قابلًا للنفاذ إلى النفس.
ومن هنا ينبغي
للمربي والقائد ألا يكتفي بقياس الناس بما يقولونه عن أنفسهم، من السهل أن يقول
المرء إنه يتحمل المسؤولية، وإنه ثابت تحت الضغط، وإنه قادر على اتخاذ القرارات
الصعبة، لكن الاختبارات الصغيرة أكثر صدقًا: هل يحفظ السر؟ هل يضبط غضبه؟ هل يعترف
بخطئه؟ هل يستطيع أن يقول: «لا أعلم»؟ هل يصبر إذا لم يحصل على التقدير؟
متى يتحول ادعاء التضحية إلى تهلكة مذمومة؟
من أهم ما ينبغي
إضافته إلى قراءة القصة ألا تتحول إلى تمجيد غير منضبط للمواجهة، فالشرع الذي أثنى
على قول الحق نهى الإنسان كذلك عن تعمد إدخال نفسه فيما لا يحتمله.
قال النبي صلى
الله عليه وسلم: «لَا يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ»،
قَالُوا: وَكَيْفَ يُذِلُّ نَفْسَهُ؟ قَالَ: «يَتَعَرَّضُ مِنَ البَلَاءِ لِمَا
لَا يُطِيقُ»(4).
والحديث يضيف
إلى موقف طاووس ميزانًا مهمًا: ليست الشجاعة أن يتصور الإنسان نفسه قادرًا على كل
بلاء، ثم يقذف بنفسه فيه، إنما من العقل أن يعرف قدرته، وأن يزن المصالح والمفاسد،
وأن يفرق بين الثبات المشروع والاندفاع الذي يعجز صاحبه عن حمل عواقبه.
ومن هذه الزاوية
يصبح عتاب طاووس لابنه أعمق من مجرد السخرية من تناقضه؛ كأنه يدعوه أولًا إلى
معرفة نفسه.
- قبل أن تقول:
أحتمل السيف، انظر هل تحتمل نظرات الناس.
- وقبل أن تتحدث
عن صبرك على السجن، انظر هل تستطيع ضبط كلمة تحت ضغط المجاملة.
- وقبل أن تعد
نفسك بمواجهة عظيمة، اختبر قدرتك على الصدق في المواقف اليومية الصغيرة.
هذه المعرفة
ليست جبنًا، وإنما شرط من شروط القرار الرشيد.
لماذا يحتاج الحماس الديني إلى فقه العواقب؟
لعل أصدق شاهد
أدبي على هذا المعنى قول المتنبي:
الرأي قبل شجاعة
الشجعان هو أولٌ وهي المحل الثاني.
ثم يقول:
فإذا هما اجتمعا
لنفسٍ حرةٍ بلغت من العلياء كل مكان.
والبيتان ثابتان
في ديوانه، وهما من قصيدته المشهورة في سيف الدولة، فلم ينفِ المتنبي فضيلة
الشجاعة، وإنما أعاد ترتيبها: الرأي أولًا(5).
وهذه هي العقدة
التي أخفق فيها ابن طاووس في ذلك الصباح، كانت لديه حرارة الشجاعة المتخيلة، لكن
أباه أراد أن يضيف إليها فقه النفس وفقه العواقب.
فالحماس بلا
بصيرة قد يجعل الإنسان يعد نفسه بأعمال أكبر من طاقته، كما أن العقل بلا شجاعة قد
يتحول إلى تبرير دائم للعجز، والكمال أن يجتمع وضوح الرؤية مع قوة النفس.
ولهذا لم يكن
طاووس رجل صمت دائم؛ فقد حفظت كتب السير عنه مواقف شديدة في مخاطبة أصحاب السلطان،
كما حفظت عنه في الوقت نفسه البعد عن أبوابهم ورفض أموالهم، فلم يكن منهجه صخبًا
دائمًا ولا سكوتًا دائمًا، وإنما تصرفًا يراه موافقًا لما يدين الله به في كل
مقام.
منهج أهل السُّنة بين الإنكار وتجنب الفتنة
قراءة مواقف
السلف مع السلطان تحتاج دائمًا إلى جمع النصوص وعدم انتزاع موقف منفرد لبناء تصور
كامل؛ فقد نقل عن طاووس نفسه إعراضه عن بعض أصحاب السلطان، ورفضه الأموال والقرب،
وجرأته في النصح، وفي المقابل جاءت في السنة نصوص تحذر من الفوضى وشق جماعة
المسلمين، وأخرى تحث على توقير السلطان في المعروف وتحرم الطاعة في المعصية.
ومن هنا كان
علماء أهل السنة يفرقون بين إنكار الظلم، ونصيحة الحاكم، وعدم الركون إلى الباطل،
وبين إطلاق الفتن التي لا تضبط نتائجها.
والقصة التي بين
أيدينا لا تقدم فتوى مستقلة في هذا الباب، وإنما تقدم شيئًا سابقًا على الفتوى
السياسية نفسها: هل الإنسان الذي يتحدث عن المواجهة قد ربّى نفسه أصلًا على احتمال
ثمن ما يقول؟
وهذا سؤال تربوي
يمكن أن يتفق عليه المختلفون في كثير من تفاصيل السياسة الشرعية، فقبل البحث عن
حجم الفعل الخارجي، ينبغي البحث عن صدق الداخل: أهو موقف ناشئ عن علم وعبادة وضبط
للنفس، أم مجرد غضب يمنح صاحبه شعورًا بالبطولة؟
كيف نكتشف الحماس الزائف في الحياة اليومية؟
لا يحتاج
الإنسان اليوم إلى مقابلة عامل من عمال بني أمية حتى يعيش امتحان ابن طاووس.
- قد يقع
الامتحان في اجتماع عمل، عندما يعترض الموظف في غياب المدير ثم يعجز عن عرض رأيه
بأدب حين يحضر.
- وقد يقع في
التربية، حين يتحدث الأب طويلًا عن الحلم ثم يفقد أعصابه عند أول مخالفة من ابنه.
- وقد يقع في
الدعوة، حين يدعو الإنسان إلى الزهد في الشهرة، ثم يضطرب قلبه لأن منشوره لم يلق
التفاعل الذي أراده.
- وقد يقع في
طلب العلم، حين يتحدث الطالب عن التجرد للحق، ثم يصعب عليه أن يعترف بخطأ وقع فيه.
في كل هذه الصور
يتكرر السؤال نفسه بصيغة جديدة: هل نستطيع في الاختبار الصغير أن نفعل ما ندعي
أننا سنفعله في الاختبار الكبير؟
إن بناء الإنسان يبدأ من هذه المساحات المتواضعة؛ لأن النفس لا تتحول في ساعة الخطر إلى نفس أخرى، ما دربناها عليه في الأيام الهادئة هو غالبًا ما ستعود إليه حين تشتد الضغوط.
الهوامش
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً