مسؤولية النعمة.. شربة عسل عند سعيد بن جبير

رسم توضيحي لمسؤولية النعمة وشربة عسل عند سعيد بن جبير، يظهر شابًا يقدم كوبًا لرجل أكبر سنًا في مجلس تاريخي تقليدي.

أورد الذهبي، في «سير أعلام النبلاء»، عَنْ بُكَيْرِ بنِ عَتِيْقٍ، قَالَ: سَقَيْتُ سَعِيْدَ بنَ جُبَيْرٍ شَرْبَةً مِنْ عَسَلٍ فِي قَدَحٍ، فَشَرِبَهَا، ثُمَّ قَالَ: وَاللهِ لأُسْأَلَنَّ عَنْهُ، قُلْتُ: لِمَ؟ قَالَ: شَرِبْتُهُ، وَأَنَا أَسْتَلِذُّهُ(1).

يمثل هذا الموقف القصير صفحة مضيئة من صفحات حياة التابعين؛ فهو لا يتحدث عن معركة أو مناظرة أو موقف سياسي كبير، وإنما عن لحظة إنسانية عابرة: شربة عسل، غير أن قيمة الموقف ليست في العسل ذاته، بل في القلب الذي تلقى النعمة، والعقل الذي نظر إلى ما وراء اللحظة الحاضرة.

إن كلمة سعيد بن جبير: «والله لأُسألن عنه» تكشف عن مستوى عالٍ من حضور الآخرة في الوعي؛ فالرجل لم يقل إن العسل حرام، ولم يرَ أن الاستمتاع بالمباح خطأ في ذاته، وإنما انتقل مباشرة من لذة النعمة إلى مسؤولية النعمة، وهنا تظهر عبقرية التربية الإيمانية عند السلف: لم تكن القضية عندهم مجرد قائمة من الممنوعات والمسموحات، بل علاقة قلبية عميقة مع الله تجعل الإنسان يسأل نفسه عن أثر النعمة في حياته.

دلالة السؤال عن النعيم في القرآن والسُّنة

ينطلق موقف سعيد بن جبير من أصل قرآني واضح، وهو قول الله تعالى: (ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ) (التكاثر: 8)، وقد اختلف المفسرون في تفاصيل المراد بالنعيم، فمنهم من حمله على عموم نعم الله، ومنهم من ذكر بعض أفرادها، فعن مجاهد، في قول الله: (ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ) قال: عن ‌كل ‌شيء ‌من ‌لذّة ‌الدنيا، وعن قتادة قال: إن الله سائل كلّ ذي نعمة فيما أنعم عليه(2).

وقيل: المراد بالنعيم الأمن والصحة، وقيل: الماء البارد، وقيل: ملاذ المأكول والمشروب، وقيل: صحة الأبدان، والأسماع، والأبصار، والصحيح أنه عام في كل نعيم، وعام في جميع الخلق، فالكافر يسأل توبيخاً إذا لم يشكر المنعم، ولم يوحِّده، والمؤمن يسأل عن شكرها(3).

والمعنى الجامع أن الإنسان مسؤول عن نعم الله عليه: هل عرف فضلها؟ وهل أدى حقها؟ وهل استخدمها فيما يرضي الله؟

ومن جميل ما ورد في السُّنة النبوية الشريفة أنه صلى الله عليه وسلم كان يذكر أصحابه بالسؤال عن النعم، فعَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه، قَالَ: أَتَانِي النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، فَأَطْعَمْتُهُمْ رُطَبًا، وَأَسْقَيْتُهُمْ مَاءً، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «‌هَذَا ‌مِنَ ‌النَّعِيمِ ‌الَّذِي ‌تُسْأَلُونَ ‌عَنْهُ»(4).

كما ثبت أيضاً مثل هذا الموقف من حديث ابن عباس أن أبا أيوب الأنصاري أحضر للنبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر لحما وتمرا وبسرا ورطبا، حتى قَالَ النَّبِيُّ صَلى الله عَلَيه وسَلم: "خُبْزٌ وَلَحْمٌ وَتَمْرٌ وَبُسْرٌ وَرُطَبٌ" وَدَمِعَتْ عَيْنَاهُ، "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّ هَذَا لَهُوَ النَّعِيمُ الَّذِي تُسْأَلُونَ عَنْهُ، قَالَ اللهُ جَلَّ وَعَلَا: (ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ)(5).

كما لفت النبي صلى الله عليه وسلم الأنظار إلى أن النعمة مسئولية تستلزم الشكر عليها، فعَنْ ‌زِيَادِ بْنِ عِلَاقَةَ أنه سَمِعَ ‌الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ يَقُولُ: «قَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى وَرِمَتْ قَدَمَاهُ، قَالُوا: قَدْ غَفَرَ اللهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ، قَالَ: ‌أَفَلَا ‌أَكُونُ ‌عَبْدًا ‌شَكُورًا»(6).

حقيقة الزهد الإسلامي بين الاعتدال والامتناع المتوهم

لم يكن الزهد عند سعيد بن جبير رفضاً للنعم، إذ شرب العسل وقبل ما قُدم إليه، وإنما كان زهد القلب الذي لا يصبح أسيراً للنعمة، فالإنسان قد يملك المال والطعام والراحة، لكن لا تسمح له النعمة أن تنسيه المنعم، فالزهد الصحيح: امتلاك النعمة دون أن تمتلك القلب.

ويتضح هذا المعنى في سيرة سعيد بن جبير؛ فقد كان يتعامل مع النعمة باعتبارها فضلًا من الله تعالى، لا مقياسًا لقيمة الإنسان ولا غايةً تستولي على قلبه، فليس الزهد أن يرفض الإنسان ما أحلَّ الله له، وإنما أن يظل قلبه حرًّا من التعلُّق الذي يحجبه عن طاعة الله، أو يدفعه إلى نسيان حقوق الآخرين، ومن هنا، فإن الزهد المتوهَّم قد يحوِّل ترك المباح إلى غايةٍ في ذاته، بينما الزهد الصحيح يجعل المباح وسيلةً إلى الشكر، ويجعل النعمة بابًا إلى المسؤولية والعطاء، فالمعيار ليس مقدار ما يملك الإنسان، وإنما موقع ما يملكه في قلبه، وكيف يستخدمه في مرضاة الله تعالى.

وقد جمع القرآن الكريم بين إباحة الطيبات والتحذير من الاعتداء، فقال تعالى: (يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ {31} قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ) (الأعراف)، فالإسلام لا يدعو إلى حرمان النفس من الطيبات، ولا إلى إطلاق الشهوات بلا ضابط، بل يؤسس لثقافة الاعتدال التي تجعل النعمة نعمةً حين تُستعمل في موضعها، وتتحول إلى فتنة حين تستعبد صاحبها.

وبذلك، يصبح الزهد تربيةً على الحرية الداخلية؛ يأكل الإنسان دون شَرَه، ويمتلك دون استعلاء، ويستمتع دون غفلة، ويترك عند الحاجة دون جزع؛ لأنه يعلم أن المنعم أعظم من النعمة، وأن بقاء القلب مع الله هو الغاية التي لا ينبغي أن تزاحمها متاعب الدنيا ولا زخارفها.

كيف حوّل سعيد بن جبير الرقابة الداخلية إلى قوة في الشخصية؟

اللافت في موقف سعيد بن جبير أن أحداً لم يطلب منه هذا السؤال، ولم يكن أمام مجلس محاسبة، ولم يكن يخشى من نقد الناس؛ بل خرجت المحاسبة من داخله.

وهذه صورة من صور قوة الضمير؛ فالإنسان الذي لا يتحرك إلا تحت رقابة خارجية يبقى أسيراً للظروف، أما صاحب الرقابة الذاتية فإنه يحمل ميزان الحق معه أينما كان.

ومن أمثلة ذلك ما ثبت عن عبد الله بن دينار قال: خرجت مع ابن عمر إلى مكة فعرسنا في بعض الطرق، فخرج ابن عمر لحاجة وخرجت معه، فانحدر عليه راع من الجبل، فقال له ابن عمر: أراعي؟ قال نعم، قال: بعني شاة من الغنم، قال: إني مملوك، قال: قل ‌لسيدك ‌أكلها ‌الذئب، قال: فأين الله؟! قال عبد الله: فأين الله!! ثم بكى(7).

ومن أقوى صور الرقابة الداخلية: محاسبة النفس والنظر في مصيرها، ولهذا كان العلماء يعدون محاسبة النفس من أعظم أبواب إصلاح الإنسان، قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ) (الحشر: 18).

فسعيد بن جبير لم ينظر إلى مقدار العسل، بل نظر إلى معنى أعمق: قلبه استلذ، والنفس بطبيعتها تميل إلى اللذة، فهل بقيت هذه اللذة متصلة بالشكر أم تحولت إلى غفلة؟

وفي واقع الناس اليوم، حيث تحيط بالإنسان صور الاستهلاك والترف والمنافسة على المتع، يصبح هذا المعنى أكثر حضوراً؛ فالمشكلة ليست دائماً في امتلاك الأشياء، وإنما في امتلاك الأشياء للإنسان حتى يفقد قدرته على السؤال والمراجعة.

كيف يصنع تطابق القول والفعل مصداقية العالم الرباني؟

تكشف القصة جانباً مهماً من شخصية العالم الرباني؛ فهو لا يطالب الناس بما لا يطبقه على نفسه، وقد كان سعيد بن جبير من العلماء الذين جمعوا بين العلم والعمل، ولم تكن مكانته العلمية مجرد حفظ للمعلومات، بل كانت سلوكاً ظاهراً في الحياة اليومية، ومن هنا كانت مواقف العلماء الصغرى ذات أثر كبير؛ لأن الناس يتأثرون بما يرونه أكثر مما يسمعونه.

والقيادة بهذا المعنى لا تبدأ من المنصب، بل من القدرة على ضبط النفس، فالأب الذي يربي أبناءه على الاعتدال لا يكفي أن يكثر من النصائح، بل يحتاج أن يروا في حياته معنى الشكر والاقتصاد، والمعلم الذي يتحدث عن القيم يحتاج أن تظهر القيم في اختياراته اليومية، ومن هنا نفهم لماذا بقيت أخبار السلف مؤثرة؛ لأنها لا تقدم أفكاراً مجردة، بل تقدم نماذج بشرية تجسد المعاني.

فعن خالد بن صفوان، قال: لما لقيت مسلمة بْن عَبد المَلِك بالحيرة، قال: يا خالد أخبرني عن حسن أهل البصرة، قلت: أصلح اللَّه الأمير، أخبرك عنه بعلم، أنا جاره إلى جنبه، وجليسه في مجلسه، وأعلم من قبلي به، أشبه الناس سريرة بعلانية، ‌وأشبه ‌قولا ‌بفعل، إن قعد على أمر قام به، وإن قام على أمر قعد عليه، وإن أمر بأمر كَانَ أعمل الناس به، وإن نهى عن شيء كَانَ أترك الناس له، رأيته مستغنيا عن الناس، ورأيت الناس محتاجين إليه، قال: حسبك يا خالد، كيف يضل قوم هذا فيهم؟!(8).

البُعد الحضاري لترشيد الاستهلاك وحفظ النعم من الضياع

قد يبدو الموقف فردياً، لكنه يحمل بعداً اجتماعياً واسعاً، فالمجتمعات لا تنهار فقط بسبب الأزمات الكبرى، بل قد تتغير قيمها تدريجياً حين يصبح التوسع في الاستهلاك غاية بذاته.

إن الإنسان الذي يسأل نفسه عن النعمة الصغيرة يكون أقدر على التعامل مع النعم الكبيرة؛ لأنه تعود على النظر إلى الأشياء بوصفها أمانة وليست مجرد امتلاك.

ولا تكمن خطورة التوسع في الاستهلاك في كثرة ما يملكه الإنسان فحسب، وإنما في تحوّل الاستهلاك من وسيلة للانتفاع بالنعمة إلى غاية تستحوذ على اهتمامه وتستنزف موارده، وقد وجّه العلماء إلى ضرورة الاعتدال في التعامل مع المال والطعام وسائر المباحات؛ فبيّن الإمام الغزالي أن السخاء المحمود وسط بين التبذير والتقتير، مؤكدًا أن الفضيلة لا تتحقق بالانحياز إلى أحد الطرفين، وإنما بتحقيق التوازن بينهما(9).

ومن هنا، فإن علاج الاستهلاك المفرط يبدأ بتربية الإنسان على ضبط الرغبة، والتمييز بين الحاجة والترف، وإدراك أن قيمة النعمة لا تُقاس بمقدار ما يُستهلك منها، بل بحسن الانتفاع بها.

ويكتسب هذا التوجيه بُعدًا حضاريًّا حين ننتقل من إصلاح سلوك الفرد إلى بناء ثقافة مجتمعية تحفظ الموارد وتعيد توجيهها نحو ما ينفع، فالمجتمع الذي يتعلم أفراده ترشيد إنفاقهم، وصيانة طعامهم، وعدم إهدار الماء والطاقة، يصبح أكثر قدرة على توظيف إمكاناته في التعليم والإنتاج والتكافل، ولا يعني ذلك أن التقدم الحضاري يقوم على تقليل الاستهلاك مطلقًا، بل على الانتقال من الاستهلاك غير الرشيد إلى استهلاك واعٍ يوازن بين الحاجة والمنفعة والمسؤولية، وبهذا يتحول الشكر من مجرد اعتراف بفضل المنعم إلى سلوك عملي يحفظ النعمة، ويمنع هدرها، ويسهم في بناء مجتمع أكثر توازنًا وقدرة على النهوض، قال تعالى: (لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ) (إبراهيم: 7)، فالشكر ليس مجرد إحساس داخلي، بل منهج يحفظ علاقة الإنسان بما بين يديه.

وفي المؤسسات الحديثة يمكن ترجمة هذا المعنى إلى ثقافة المسؤولية؛ فالموظف الذي يرى موارد المؤسسة أمانة يختلف عن الذي يراها فرصة للاستهلاك، والقائد الذي يحاسب نفسه على التفاصيل الصغيرة يكون أكثر قدرة على إدارة الملفات الكبرى.

شعر الزهد الإسلامي.. بين تذوق الطيبات واستحضار المآل

يجمع موقف سعيد بن جبير بين حس الجمال وحس المسؤولية؛ فقد ذاق العسل وعرف لذته، لكنه لم يسمح للذة أن تغلق نافذة التأمل.

وهنا يظهر جانب بلاغي عميق في القصة: كلمة واحدة «أستَلذّه» لم تكن اعترافاً بالضعف، بل كانت اعترافاً بطبيعة النفس، ثم جاء بعدها مباشرة استحضار الحساب، فالإنسان المؤمن لا ينكر بشريته ولذته، لكنه في نفس الوقت لا ينسى آخرته.

وقد تحدث شعراء الزهد عن قصر الدنيا وسرعة زوالها، ومن أشهرهم أبو العتاهية الذي أكثر في شعره من التذكير بالموت وتقلب الأحوال، ومن أبياته المشهورة:

لِدُوا لِلْمَوْتِ وَابْنُوا لِلْخَرَابِ … فَكُلُّكُمْ يَصِيرُ إِلَى تَبَابِ

لِمَنْ نَبْنِي وَنَحْنُ إِلَى تُرَابٍ … نَصِيرُ كَمَا خُلِقْنَا لِلتُّرَابِ

أَلَا يَا مَوْتُ لَمْ تَقْبَلْ فِدَاءً … أَتَيْتَ فَمَا تَحِيفُ وَلَا تُحَابِي

كَأَنَّكَ قَدْ هَجَمْتَ عَلَى مَشِيبِي … كَمَا هَجَمَ الْمَشِيبُ عَلَى شَبَابِي(10)

وهذا الاتجاه الأدبي لا يعني احتقار الحياة، وإنما تذكير الإنسان بأن العمر محدود، وأن قيمة النعمة لا تنفصل عن معرفة صاحبها بمآلها.

كيف تبني المواقف العابرة القيم في التربية والدعوة؟

تُظهر قصة سعيد بن جبير أن التربية العميقة لا تأتي دائماً من المواعظ الطويلة، بل قد تأتي من لحظة بسيطة تحمل معنى كبيراً.

  • في الأسرة، يمكن للمربي أن يعلم أبناءه قيمة الشكر من خلال تعامله مع الطعام والمال والراحة.
  • وفي التعليم، يستطيع المعلم أن يحول الأحداث اليومية إلى فرص لبناء الوعي والمسؤولية.
  • وفي الدعوة، يكون السلوك الصادق أبلغ من الخطاب؛ لأن الناس قد ينسون الكلمات، لكنهم يتذكرون النماذج.

ولهذا بقيت شربة العسل في ذاكرة التاريخ؛ لأنها لم تكن حديثاً عن الطعام، بل حديثاً عن القلب الذي يعرف أنه واقف بين يدي الله.

ويكشف موقف سعيد بن جبير مع شربة العسل عن مدرسة كاملة في بناء الإنسان؛ أن النعمة لا تُرفض، لكنها لا تُعبد، وأن اللذة لا تُحارب، لكنها لا تُنسي الغاية الكبرى.

لقد عاش سعيد بن جبير بعينين؛ عين ترى النعمة وتستمتع بها، وعين ترى الحساب فتستعد له، وهذه الموازنة هي التي صنعت شخصيات عظيمة من علماء الأمة؛ شخصيات عرفت الدنيا ولم تستعبدها، وقبلت الطيب من الرزق ولم تغفل عن حق المنعم.

إن أعظم ما نتعلمه من هذا الموقف أن الإنسان لا يُقاس فقط بما يفعله في المواقف الكبرى، بل بما يفعله حين لا يراه أحد، حين يكون وحده مع ضميره وربه.

الهوامش
  • 1 سير أعلام النبلاء (4/ 334).
  • 2 تفسير الطبري (24/ 586).
  • 3 زاد المسير في علم التفسير (4/ 486).
  • 4 مسند أحمد بسند صحيح (14637).
  • 5 صحيح ابن حبان (1743).
  • 6 متفق عليه، أخرجه البخاري (4836)، ومسلم (2819).
  • 7 تاريخ دمشق: ابن عساكر (31/ 134).
  • 8 تهذيب الكمال في أسماء الرجال: المزي (6/ 119).
  • 9 إحياء علوم الدين (3/ 57).
  • 10 بهجة المجالس وأنس المجالس، ص 246.
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة