لغـة الضاد تدخل الأمم المتحدة
يحكي لنا جول
فبيرن، الروائي الفرنسي الأشهر، في روايته الخيالية «رحلة إلى باطن الأرض» التي
نشرها في عام ١٨٦٤م، كيف أن مجموعة من هواة المغامرة حاولت اختراق طبقــات الأرض
للوصول إلى مركز الكرة الأرضية، وعندما بلغ أفراد البعثة أوطى نقطة تمكنوا من
الوصول إليهـا، وقرروا العودة أدراجهم إلى سطــح الأرض خطر لهم أن يتركوا عند هذه
النقطة أثرًا مكتوبًا يكون شاهدًا على مــــدى ما بلغوه في مغامرتهــــم الخيالية
المثيرة، وقرروا أن يكون ما يكتبونه باللغــة العربية.
وقد سئل جول
فبيرن فيمــا بعد عن السبب في اختياره اللغة العربية بالـذات، دون سائر اللغات،
لـــكي يدون أبطال روايته ما بلغـــوه في رحلتهم، فأجاب قائلًا: «لأنها لغة
مستقبلية».
كانت هذه القصة
هي أحد الأمثلة التي استشهد بها د. عصمت عبد المجيد، مندوب مصر الدائم في الأمم المتحدة، وهو يتحدث أمام لجنة الميزانية التابعة للجمعية العامة للأمم المتحدة
أثنــاء الدورة الماضية؛ ليؤكـــد أهمية الاقتراح الذي يجعل اللغة العربية لغة
رسمية، ولغة عمل في المنظمة الدولية. وكان أن وافقت اللجنـــة بالإجماع على الاقتراح،
ثم أقرته الجمعية العامة في دورتها الثامنة والعشرين «١٩٧٣م» بإجماع الأصوات
منوِّهة «بالدور الهام الذي تلعبه اللغة العربية في الحفاظ على حضارة الإنســـان،
وتراثه الثقافي، وفي العمل على نشرهما»، واليوم اعتبارًا من الدورة التاسعة
والعشرين للجمعية العامة للأمم المتحدة تصبح اللغة العربية من اللغات الرسمية
العاملة في الجمعيـة العامة ولجانها السبع مثلها في ذلك مثــــل الإنجليزية،
والفرنسية، والإسبانية، والروسية، والصينية.
وتستخدم في
إلقاء الكلمات، وتقديم المقترحات، وفي إصدار الوثائق، وتترجــــم فوريًا إلى
اللغات الأخرى، کما تترجم اللغــات الخمس الأخرى إليها.
ووراء ذلك كله
قصــــة وجهد قامت به الوفود العربية في الأمم المتحدة لقد كان السيد/ كامل
المقهور- مندوب ليبيا الدائم في الأمم المتحدة، هو أول من طرح الأمــــر للبحث
عندما ألقى خطــــابًا باللغة العربية في عام 1971م، وطالب بإدخال اللغة العربية
كلغة رسمية من لغات الأمم المتحدة، وقد كرر السيد/ منصور الكيخيا- وزيـــر خارجية
ليبيا، الطلب مــرة أخرى في الدورة التاليــة للجمعية العامة وقال: «إن قبول اللغة
العربية كلغة رسمية في الأمم المتحـــدة سوف يسهم في الحضـــارة الغربية»، وحتى
ذلـــك الوقت لم يكن الأمر أكثر من فكرة طرحها الوفد الليبي.
وانتقلت
الفـكــرة من نيويورك إلى الجامعة العربية في القاهرة، حيث انضمــــت سوريا
للفــــكرة، واقترح مندوبها -في توصية قدمتها اللجنة السياسية للجامعة- أن يعرض
موضوع استخدام اللغة العـــربية في الدورة الثامنة والعشرين للجمعية العامة.
وتوالت التطورات
بعد ذلك بسرعة، ففي اجتماع وزراء الخارجية العـــرب في نيويورك في 28 ديسمبر
«كانون الأول » 1973م تقرر أن تتقدم مجموعة الـــدول العربية بطلب لجعل اللغــة
العربية لغة رسمية، ولغة عمل في الأمم المتحدة، وتم تكليف الأمين العام للجامعة
العربية، ومندوبي كل من مصر، وسوريا، وليبيا بتوجيه خطاب للسيد/ کورت فالدهايم -
السكرتير العام للأمم المتحدة، لإدراج المسألة ضمن جدول أعمال الدورة الثامنة
والعشرين للجمعية العامة، كما تم الاتفاق على أن تتولى الدول العربية الثماني عشرة
أصحاب الاقتراح تحمـــل التكاليف المترتبة على إدخال اللغــة العربية في الأمم
المتحدة.
اللغــة العـربيــة لغة رسمية في الأمـــم المتــحــــــدة
وكانت المملكة
العربية السعودية أول دولة أعلنت موافقتها على المشروع، على أن السيد/ عمر السقاف
وزير الخارجية، أعلـن بالاشتراك مع وزيري خارجية كل من ليبيا، والـــكويت استعداد
بلادهم لتغطية أي نقص قد يواجه إحدى الدول العربية بالنسبة لحصتهـا في المساهمة في
النفقات. وقامت الوفود العربيـــة مجتمعة بتوجيه خطـــــاب مشترك للسكرتير العام
للأمم المتحدة بشأن الالتزام بدفع نفقات استخدام اللغة العربية كإحدى لغات الأمم
المتحدة خلال السنوات الثلاث الأولى، على أن تدخل هذه النفقات ضمن ميزانية الأمم
المتحدة بعد ذلك، وعندما قــدم مندوب مصر الدائم الاقتراح في 14 ديسمبر «كانون
الأول» 1973م، قال: «إن أكثر من 100 مليـــــون من البشر يعيشون في المنطقة التي
تمتد من الخليج العربي في الشرق إلى شاطـــئ الأطلنطي في الغرب، ومن جبل طارق في
الشمال إلى الصحراء الأفريقية، والمحيط الهندي في الجنوب، يتحدثون اللغة العربية
التي هي أيضا اللغة الرسمية لتسع عشرة دولة عــــربية ذات سيادة، ثم إن اللغة هي
لغة القرآن الكريم، وهو الكتاب المقدس لدى 700 مليون من البشر».
وعندما وصـــــل
مشروع القرار إلى الجمعية العامة للتصويت عليه كان المشروع يحمل مقدمًا تأييد 32
دولة من الدول الأعضاء في المنظمة تبنت المشروع، ووافقت الجمعية العامة بالإجماع
على المشروع في 18 ديسمبر «كانون الأول» 1973م.
وقد كان من أبرز
دلالات الترحيب بإضافة اللغة العربية إلى لغات الأمم المتحـــدة الخمس أن المستر
ديفيــد ستو تلماير- مندوب الولايات المتحدة، قال في الكلمة التي ألقاها تأييدًا
للمشروع: «إن اللغة العربية كانت همـــــزة وصل ثقافية هامة بين الحضارة الغربية
الحديثة، وبين التراث الغربي القديم الذي نشأ مع حضارة الإغريق والرومان».
وقال المستر
ستوتلماير: أنـه لولا أن الكثير من الأعمـال، والمؤلفات الغربية الكلاسيكية قد
ترجمت إلى العربية، ثم أعيدت ترجمتها مرة أخرى، في حقبة لاحقة إلى اللغات
الأوروبية لكان الكثير من هذه الأعمال الهامة قد فقد.
وعندما أراد
المندوب الأمريكي أن يؤكد على أهمية ومغزى اللغة العربية بالنسبة لمئات الملايين
من المسلمين والعرب في العالم قال: إن اللغـــة العربية أكثر من مجرد وسيلة اتصال
إنها لغة النبي محمد، والقرآن الكريم، والقرآن هو كلام الله، ونطق الكلمتين
الأخيرتين باللغة العربية تأكيدًا منه، واعترافًا بقيمة اللغة العربية والدور الذي
تلعبه في حياة العرب، والمسلمين، ولكن إقرار استخدام اللغة العربية كان يعني أكثر
مــن مجرد الاعتراف بها كإحـــدى لغات الأمم المتحدة؛ ذلك أن الوفود العربية رأت
في ذلـك إحياء للغة العربية وتراثها، وتقديمها إلى المجال العالمـي حيث تؤثر في
ثقافات الأمم الأخرى، وتتأثر بالتقدم الذي أحرزه الغرب في المجالات الفنية
والتكنولوجية بالإضافة إلى مساهمتها في نشر رسالة الأمم المتحدة بين الشعــوب
العربية.
أما السيد/
إبراهيم عبـــد العزيز صهد عضو الوفد الليبي لدى الأمم المتحدة، فيقول: إن إصدار
وثائق الأمم المتحدة باللغة العربية سيكون إثراء للغة العربية حيث يمكن لأي باحث
أن يحصل علــــى التقارير اللازمة باللغة العربية، كما أن ذلك سيزود المكتبة
العربية بالمؤلفـات، والوثائق في مختلف فروع المعرفة الحديثة، ويضيف قائلًا: «إن
عضو الوفد العربي -مهما كان إلمامــه باللغات الأجنبية- يستطيع أن يعبر عن نفسه
بشكل أفضل بلغته العربيـة، كما أن استخدام اللغة العربية سيمنع الالتباس الذي قد
يحدث في فهم قرارات الأمم المتحدة.
كلنا نذكر قرار
مجلس الأمن رقم 242 الشهير الخــــاص بمشكلة الشرق الأوســط، هل ينص القــرار
علـــى الانسحــــاب من الأراضي المحتلة، أم من أراض محتلة؟ إن استخدام اللغة
العربية سيحول دون حدوث ذلك».
ويرى السيد/
طالب شبيب - مدير مكتب الجامعة العربية في نيويورك، أن إقرار استخدام اللغة
العربية «يعد انتصارًا أدبيًا، وثقافيًا بالنسبة لمجموعة الدول العربية الأعضاء
فـــي الأمم المتحدة، ولا شك أن استخدام اللغة العربية كلغة رسمية سوف يسهل
علــــى الوفود العـــربية، ووزارات خارجية الدول العربية الاطلاع على الوثائق
والقـــرارات الصادرة عن الأمم المتحدة، ودراستها بشـــكل أكثر تفصيلًا».
على أنَّ إدراج
اللغة العربية كلغة عمل رسمية كان يعنـــي شيئًا مختلفًا تمام الاختلاف بالنسبة
للأجهزة الفنيــــة، والإدارية المسؤولة في المنظمة الدولية؛ كان يعني إجـراء
مسابقات لتعيين مترجمــــين، ومحررين جدد، وزيادة طاقة الموظفين الإداريين
والفنيين، وإقامة القنوات الـــلازمة، والكبائن الإضافية لاستخدام اللغة العربية.
لغـــة حية يتكلم بها 150 مليون عربي ويعظمهـــا 700 مليون مـسلم
وكـان يعني
أيضًا ميزانية، ونفقات، وأرقامًا كثيرة، وبلغة الأرقام فــإن المشروع يعني إضافة 7
آلاف صفحة من محاضر الجلسات التي تعقدها الجمعية العامة، ولجانها السبع، ومن
الوثائق والمذكرات المختلفة سنويًا، وذلك يتطلب زيادة عــــدد الموظفين المهنيين
مثل المترجمين، والمصححين، والمراجعين، والمحررين من 12 موظفًا إلى 40 موظفًا
دائمًا بالإضافة إلى عدد من المترجمين الفوريين يعملون بصفة مؤقتة أثنـــاء انعقاد
الجمعية العامة، ولجانها في دوراتها السنوية، كمـــا يتطلب أيضًا زيادة عدد موظفي
الخدمات العامة، مثل الطابعين على الآلــــة الــــكاتبة، والناسخـــين، ومــدوني
المحاضر، وأمناء المكتبات، وغيرهم إلى 50 موظفًا، ثــم إن ذلك يعني أيضًا تغيير
كيان الترجمة الفورية في قاعـــة اجتماعات الجمعية العامـــة، ولجانها السبع،
وتزويدها بقنوات، وأجهزة إضافيـــة تحمل اللغة العربية إلى أسماع الوفود الذين
يستخدمون لغات أخرى، وتترجم اللغات إلى آذان المستمعين من أعضاء الوفود العربية.
وتتحدث السيدة/
ســوزان فورج - رئيسة قسم الترجمة في الأمم المتحدة، فتقــول: «لقد نشرنا إعـلانات
عن احتياجاتنا من المترجمين، والمحررين في جميع الـدول العربية على أوسع نطاق،
وتلقينا أكثر من أربعة آلاف طلب، وفي شهر مارس «آذار» الماضي عقدنا اختبــــارات
للمتقدمين في 17 عاصمة من عواصم الدول العربية، والغربية مثل: لندن، وجنيف،
وباريس، ونيويورك، لقد طلبنــــا مستويات ممتازة، وكفاءات عالية من المترجمين
التحريريين ليساعدوننا في مهمتنا الصعبة»، وأضافت السيدة فورج أن المترجمين
التحريريين، وبقية الموظفين المهنيين يتم تعيينهم بصفة موظفين دائمين في الأمم
المتحدة، أما المترجمون الفوريون فيعملون أثنــاء دورات انعقاد الجمعية العامة
فقط.
ثم لمست السيدة
فـــورج المشكلات التي تتوقـع أن يواجهها جهـــاز المترجمين فقالت: «هناك مشـــكلة
مصطلحات أولًا: إن مشكلة المصطلحات، وترجمتها تنشأ من اختلاف مفاهيم الكلمـــــات،
والتغييرات من لغة إلى أخرى، وسوف نعتمد في ذلك على المترجمين أنفسهم، إن عليهم أن
يداوموا الاطلاع، وتثقيف أنفسهم باستمرار، وتقديم الأفكار، والمقترحات بالنسبة
لترجمة المصطلحات من وإلى اللغة العربية، كما أننا سنكون على اتصال بالهيئات
العلمية، والثقافية المختلفة في البلاد العربية، ومنها الجامعة العربية، لتساعدنا
في ذلك.
ثم إننا نضع
برنامجًا لتدريب المترجمين تحـت إشراف موظفين متخصصـــين، إن أمامنا عمل طويل وشاق
يتطلب جهدًا مستمرًا، ومستوى عالٍ من العلم والثقافة».
ويتناول المستر
بيتر هاوزو- المدير التنفيذي لإدارة المؤتمرات بالأمم المتحدة، الجانب الفنـي من
المشروع فيقول: «لدينا الآن 6 كبائن للترجمة الفورية خمس منها خاصة باللغات الخمس
العاملة في الأمم المتحدة، والكابينة السادسة تستخدم عادة لترجمة أيَّة لغة وطنية
يستخدمها رئيس وفد أيَّة دولة في إلقاء كلمته أثناء انعقاد الجمعية العامة، مثل
الأمهرية، أو الفارسية، أو اليوجوسلافية -أو اللغات القومية الأخرى- وقد أعددنا
كابينة سابعة خاصة باللغة العربية بحيث لا نضطر لاستخدام الكابينة السادسة فنحرم
بذلك رئيس دولة ما من إلقاء كلمته بلغته الوطنية، كما أننا نعمل على تحويل جميع
القاعات الأخرى الخاصة باجتماعات اللجان التابعة للجمعية العامة بحيث نزودها
بقنوات إضافية للغة العربية، وسيكون كل شيء جاهزًا للدورة التاسعة والعشرين
للجمعية العامة».
وسيكون في
الكابينـــة الواحدة ثلاثة مترجمين فوريين، وعندما يتحدث أحد أعضاء الوفود باللغة
العربية، فإن المترجم المختص يقوم بالترجمة إلى إحـــدى اللغتين الإنجليزية، أو
الفرنسية، ويقوم أحــــد المترجمين الآخرين بترجمة ذلك إلى الإسبانية مثلًا، أو
الروسية، ويلتقط المترجمون في الكبائن الأخرى الترجمة ويحولونها للغات الأخرى،
وتتم الترجمة بالعكس عندما يتحدث أعضاء الوفود بلغة من اللغات الأخرى إلى أن تصل
لعضو الوفد العـــربي باللغة العربية، أما محاضر الجلسات فيتم تسجيلها على أشرطة،
ويدونها موظفــــو الاختزال في نفس الـوقت، ثم تترجم من لغتها الأصلية إلى اللغات
الأخرى».
وتشير تقديرات
الأجهزة المختصة في الأمم المتحدة إلى أن التـــــكاليف الكليـــة لاستخدام اللغة
العربية كلغة عمل رسمية بما في ذلك جميع نفقات إقامة الكبائن، وزيادة القنوات
وأجور المترجمين، والموظفين الآخرين، ستبلغ 5 ملايين و600 ألف دولار لعــــام 1974
/ 1975م، وفي العام التالي – 1976م- ستكون التكاليف ما يوازي مليونين و700 ألف
دولار.
وسوف تحمل الدول
العربية هذه النفقات فيما بينها حسب أنصبتها من ميزانية الجامعة العربية، تقديرًا
منها للأزمة المالية التي تواجهها الأمــم المتحدة، ورغبة منها في عــدم زيادة
أعباء المنظمة الدولية.
وعندما تبدأ الجلسة الافتتاحية للدورة التاسعة والعشرين للجمعية العامة للأمم المتحدة ســــوف يدير جميع أعضاء الوفود العربية أجهزة الاستماع التي يضعونها على آذانهم ليسمعوا -باللغة العربية ولأول مرة- رئيس الجلسة يعلن بدء انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورة جديدة([^1]).
للمزيد:
- ذاكرة اللسان العربي.. قراءة في المنجز الحضاري لـ«معجم الدوحة التاريخي».
- «لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي».. بلاغة «كيف» في تعميق اليقين وترسيخه.
- «العربية» جسر العودة إلى أسلمة المجتمع.
- المهارات اللغوية عند الأطفال.. رحلة النمو من المهد إلى الرشد.
- الكويت وإحياء اللغة العربية.
- تعليم اللغة العربية.. تحديات معاصرة وآفاق مستقبلية.
- سيدة اللغات.. 7 مقومات تحفظ لـ«العربية» أستاذيتها الرشيدة للعالم.
- اللغة العربية.. مجد الماضي وتحديات الحاضر.