تفاصيل جديدة عن محو اللغة العربية في الصومال

في 21 أكتوبر، أعلن النظام الصومالي اعتماد اللغة الصومالية لغة رسمية، واعتماد الحروف اللاتينية كحروف لكتابة اللغة الصومالية، وقد جاء هذا الإعلان ضمن قائمة الإنجازات التي تباهى بها الخطاب الرسمي في مناسبة ذكرى الانقلاب الأخير

في مقديشو

وكانت «المجتمع» قد أشارت إلى هذا القرار قبل إعلانه رسميا حينما أعلنت جمعية الصداقة الصومالية العربية الإسلامية، وقد جاء ذلك ضمن الحديث عن اتجاهات النظام الانقلابي لـ«بلشفة» الوضع في الصومال وجره بعيدا عن الانتماء العربي الإسلامي.. حضاريا وثقافيا وسياسيا.

ولعل الأمر المفجع في القرار.. هو أنه اتخذ في عهد الاستقلال وعلى يد حفنة من الصوماليين، في الوقت الذي اجتهد الاستعمار سنين طويلة لإقراره وفشل نتيجة الثورات العارمة التي كانت تجتاح البلاد كلما تردد وأشيع عن عزم الإدارة الحاكمة على إقراره وفرضه على الناس.

ولقد ظلت قضية اللغة العربية في الصومال الأساس الأيديولوجي الذي دارت حوله معظم المعارك الوطنية وانعقدت حوله إرادات الأمة الصومالية من أجل التحرر والاستقلال، وباستعراض سريع لتاريخ القضية، نجد أن فكرة اعتماد الحروف اللاتينية جاءت مع الاستعمار الغربي في أواخر القرن التاسع عشر حينما اجتاحت جيـوش الاستعمار أنحاء القارة الإفريقية وتبعتها جماعات التبشير المسيحي لتقوم بتنصير القارة تحت حماية الاستعمار والاحتلال.

وجاء المبشر الكبير «الأب أنجلو» على رأس الجماعات النصرانية يحمل كتب التبشير باللغة الصومالية المكتوبة بالأحرف اللاتينية فاشتعلت الثورة في طول البلاد وعرضها وأعلن الجهاد وانتظم الشعب في صفوف المقاومة تحت قيادة المجاهد الكبير محمد عبد الله حسن، الذي شكل ما عرف باسم «جيش الدراويش»..

واستمرت الحرب 22 عاما، ضد محاولة «تكفير المسلمين ومحو رسم القرآن واللغة العربية» واندحر الاستعمار وطرد المبشرون من الأرض الإسلامية.

وبعد هذه الثورة استفاد الإنجليز من الدرس، ولكنهم لم ييأسوا في محاربة الإسلام، فأعادوا الكرة تحت قناع جديد، أن تكون للصوماليين لغة قومية خاصة، وتعتبر لغة رسمية للبلاد وحاول استمالة العنصر الوطني لذلك، وبدأ بالفعل في تدريب البعض على كتابة الصومالية بالأحرف اللاتينية وعندما أرادوا أن يبدأوا بتنفيذ هذه الخطوة رسميا عام 1938، اشتعلت الثورة مرة أخرى وسقط خلالها الشهداء برصـاص الإنجليز في مدينة «أبرعو» وجرح الحاكم الإنجليزي في المدينة فتراجع الإنجليز مرة أخرى وأصيبوا بخيبة أمل كبيرة.

بعد ذلك بدأ تعليم العربية ينشط بشدة بين الصوماليين وأصبحت هي لغة التفاهـم والمعاملات والصحافة.. حيث كانت معظم الصحف تصدر باللغة العربية، وعندما أعلن الاستقلال طالب الصوماليون أن تعتمد اللغة العربية لغة رسمية فاعترض بعض مواطني الجنوب، فتعدل المطلب القومي إلى اعتماد الأحرف العربية لكتابة اللغة الصومالية والتي تبلغ نسبة العربية فيها 50% من كلماتها، وقرر البرلمان الصومالي أن تشجع اللغة العربية إلى جانب ذلك وأن تصبح هي لغة التعليم، وتكون اللغة الإيطالية التي كانت هي لغة التعليم مجرد لغة أجنبية.

ولكن بعد أن جاء الانقلاب الأخير وتبنى الماركسية اللينينية، كما ورد في خطاب الرئيس الصومالي الذي نشرته صحيفة نجمة أكتوبر الرسمية يوم 16-8-1972 فألغى جميع هذه القرارات والتي جاءت كثمرة لجهاد الأمة وكفاحها التاريخي وأمانيها الخالدة، وفرض الحروف اللاتينية على الشعب الصومالي المسلم وسد الطريق أمام اللغة العربية لغة الثقافة القومية والدين الإسلامي.

وبذلك يكون للانقلاب الأخير والزمرة الشيوعية التي تعمل من خلاله قد نجحت في فرض السياسة التي فشل في تنفيذها الاستعمار بكل الوسائل والأساليب.

ولعل الاستعمار قد تعلم من تجربة الثورة الكمالية في تركيا فحاول تطبيقها في الصومال، والقضية هي بالطبع واحدة وقد ظهر أبطالها في أكثر من بلد إسلامي، ولا تزال بعض العناصر تنادي بها في لبنان ومصر.

صحيفة نجمة أكتوبر التي تصدرها وزارة الإعلام الصومالية الصادرة في 16/ 8/ 1972م([^1])

للمزيد: 

- «العربية»..ومعركة البقاء.

- ذاكرة اللسان العربي.. قراءة في المنجز الحضاري لـ«معجم الدوحة التاريخي».

- «لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي».. بلاغة «كيف» في تعميق اليقين وترسيخه.

- «العربية» جسر العودة إلى أسلمة المجتمع.

- المهارات اللغوية عند الأطفال.. رحلة النمو من المهد إلى الرشد.

- الكويت وإحياء اللغة العربية.

- تعليم اللغة العربية.. تحديات معاصرة وآفاق مستقبلية.

- سيدة اللغات.. 7 مقومات تحفظ لـ«العربية» أستاذيتها الرشيدة للعالم.

- اللغة العربية.. مجد الماضي وتحديات الحاضر.

- «العربية»..اللغة الصامدة. 

الهوامش
  • 1 نُشر بالعدد (125)، 2 شوال 1392هـ/ 7 نوفمبر 1972م، ص11.
الرابط المختصر :

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة