حين تصغي العدالة للواقع..
متى يعتد بالعرف في القضاء؟ موقف شريح القاضي
أورد الذهبي عن
محمد بْن سِيْرِيْنَ: أَنَّ نَاسًا مِنَ الْغَزَّالِينَ اخْتَصَمُوا إِلَى
شُرَيْحٍ فِي شَيْءٍ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهُ سُنَّةٌ بَيْنَنَا، فَقَالَ:
«سُنَّتُكُمْ بَيْنَكُمْ»(1).
ليست كل القضايا
الكبيرة طويلة التفاصيل، ولا تُقاس دلالة الحكم القضائي بعدد كلماته، ففي هذا
الخبر القصير عن شريح القاضي تنفتح نافذة على جانب مهم من فقه المعاملات: ماذا
يفعل القاضي حين لا يكون النزاع مجرد خلاف بين فردين، بل تكون وراءه عادة مستقرة
لأهل مهنة، يعرفونها ويتعاملون على أساسها؟
كان شريح بن
الحارث الكندي من أشهر قضاة صدر الإسلام، وقد صح أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه
ولاه قضاء الكوفة، واشتهر بطول ممارسته للقضاء، وهذه الخلفية تجعل عبارته الموجزة
للغزَّالين أعمق من جواب عابر؛ فهي صادرة عن قاضٍ خبر الخصومات، وعرف أن حياة
الناس لا تُدار بالنصوص المكتوبة وحدها، بل تدخل في معاملاتهم أعراف مستقرة يفهم
بها بعضهم مراد بعض.
لماذا استند شريح القاضي لعادات أصحاب المهنة؟
جاء الغزَّالون
إلى شريح القاضي في خصومة بينهم، فقال بعضهم: إن أمرًا ما هو «سُنَّة بيننا»، فكان جوابه:
«سُنَّتُكُمْ بَيْنَكُمْ»، والمقصود بالسنة هنا ليس السُّنة النبوية بالمعنى
الاصطلاحي، وإنما طريقتهم وعادتهم الجارية في معاملاتهم؛ وهو المعنى الذي صرحت به
شروح الأثر حين فسرت قول شريح القاضي بأنه إقرار لعادتهم وطريقتهم المعروفة بينهم.
وتزداد دلالة
الخبر وضوحًا حين نرى الموضع الذي وضعه فيه الإمام البخاري؛ فقد ذكر قول شريح القاضي تحت
عنوان «باب: من أجرى أمر الأمصار على ما يتعارفون بينهم: في البيوع والإجارة
والمكيال والوزن، وسنتهم على نياتهم ومذاهبهم المشهورة»(2)، فاختيار
البخاري لهذا الباب يكشف أن القضية ليست مجرد تسامح اجتماعي مع عادة الناس، وإنما
تتصل بمسألة فقهية أصيلة: أثر العرف المستقر في تفسير المعاملات وتحديد ما يلتزم
به المتعاملون عند غياب التصريح، كما وصل الخبر من طريق ابن سيرين بألفاظ متقاربة
في المصادر الحديثية.
هنا تظهر قيمة
العبارة القصيرة: شريح القاضي لم يقل لأهل المهنة: إن ما تعرفونه فيما بينكم لا قيمة له
حتى يُكتب في كل معاملة من جديد، ولم يجعل القضاء غريبًا عن البيئة التي يتحاكم
أهلها إليه؛ بل التفت إلى ما استقر بينهم من طريقة تعامل، فجعل له وزنه في موضعه.
والناظر في السُّنة
النبوية الشريفة يجد أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرفض العُرف السائد كله، بل
أقرّ منه ما يخدم القيم النبيلة والأخلاق القويمة، فقد شارك في حلف الفضول الذي
يرفع الظلم عن المظلومين، وقال: «لَقَدْ شَهِدْتُ فِي دَارِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
جُدْعَانَ حِلْفًا مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِهِ حُمْرَ النَّعَمِ وَلَوْ
أُدْعَى بِهِ فِي الْإِسْلَامِ لَأَجَبْتُ»(3).
أدلة اعتبار العُرف في الفقه الإسلامي
الإنسان حين
يدخل معاملة لا يبدأ كل مرة من نقطة الصفر، فكثير من التفاصيل يفهمها الناس من
السياق ومن العادة المستقرة: طريقة التسليم، ومواعيد الأداء، وما يدخل عادة في
الخدمة، وما يتحمله كل طرف من النفقات، وما يفهم من بعض الألفاظ المهنية، ولو
اشترط أن ينطق المتعاقدان بكل جزئية من هذه الجزئيات في كل مرة لتحولت المعاملات
اليومية إلى نصوص طويلة، وبقي مع ذلك مجال واسع لما لم يُذكر.
ولهذا جاءت
الشريعة نفسها في مواضع كثيرة بإحالة بعض المقادير والتصرفات إلى «المعروف»، قال
تعالى: (وَعَاشِرُوهُنَّ
بِالْمَعْرُوفِ) (النساء: 19)، وقال سبحانه: (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ)
(البقرة: 228)، وقال أيضاً: (وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ)
(البقرة: 233).
وفي السُّنة
النبوية عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها، أَنَّ هِنْدَ بِنْتَ عُتْبَةَ قَالَتْ:
يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ وَلَيْسَ يُعْطِينِي مَا
يَكْفِينِي وَوَلَدِي إِلَّا مَا أَخَذْتُ مِنْهُ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ، فَقَالَ: «خُذِي
مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ»(4)، فلفظ «المعروف» يترك
مساحة لما يعرفه الناس من الكفاية المناسبة بحسب الأحوال، بدل أن يحصر ذلك في
مقدار واحد لا يتغير باختلاف البيئات والأزمان.
ومن هذا الباب
تبلورت في كتب الفقه والقواعد عبارات مشهورة، منها: «العادة محكَّمة»(5)،
ومنها أيضاً: «المعروف عرفًا كالمشروط شرطًا»(6)، وليس معنى ذلك أن
شريحًا صاغ هذه القواعد بألفاظها المتأخرة، وإنما يمكن النظر إلى قضائه بوصفه صورة
مبكرة من التطبيقات التي يلتقي معناها مع ما قرره الفقهاء بعد ذلك في باب العرف.
موازنة شريح القاضي.. بين المرونة الفقهية والثوابت الشرعية
ليس كل ما
اعتاده الناس يصبح صحيحًا لمجرد شيوعه، ولا يملك العرف أن يجعل المحرم مباحًا أو
أن يعطل نصًا شرعيًا ثابتًا، فالعرف الذي يعتد به هو العرف الواقع في المساحة التي
تركها الشرع لاجتهاد الناس وتنظيم معاملاتهم، ولم يصادم نصًا ملزمًا، ولهذا نص
العلماء عند شرح قاعدة «العادة محكمة» على أن العرف يعمل به حيث يكون معتبرًا، أما
إذا ورد النص في المسألة على وجه لا يترك مجالًا للعرف المخالف، فالنص مقدم ولا
يجوز تحويل المخالفة المتكررة إلى حجة شرعية(7).
وهذه الموازنة
ضرورية لفهم قول شريح القاضي، فهو لم يمنح جماعة من أصحاب المهنة حق صناعة الحلال والحرام
لأنفسهم، وإنما اعتد بسنتهم المهنية في أمر من شؤون معاملاتهم، وبين الأمرين فرق
كبير؛ فالشريعة تضع الحدود الكبرى، وفي داخل المساحة المباحة تنشأ أعراف الناس
وأنظمتهم وطرائق تعاملهم، وقد يكون لهذه الأعراف أثر معتبر في تفسير الحقوق
والالتزامات.
ومن هنا لا تكون
المرونة الفقهية نقيضًا للثبات الشرعي؛ بل قد تكون إحدى ثمراته، فالثابت يحمي
الأصول، والمرونة في المساحات الاجتهادية تتيح للنظام الشرعي أن يتعامل مع تنوع
المجتمعات والمهن والأزمان دون أن يتحول إلى قالب منفصل عن حياة الناس.
حين يتوقف عدل القاضي على فهم واقع الحرفة
من اللافت أن
الخصومة كانت بين جماعة من أهل مهنة واحدة، وأهل المهن عادة أدرى بتفاصيل صنعتهم
وبما استقر بينهم من طرائق التعامل، ولذلك عرف الفقه ما يسمى بالعُرف الخاص؛ أي
العرف الذي يجري بين أهل بلد معين أو صناعة أو فئة مهنية مخصوصة.
وتكتسب هذه
الأعراف أهميتها لأن بعض الألفاظ والتصرفات لا يمكن فهمها فهمًا صحيحًا خارج
البيئة التي تستعملها، فالكلمة الواحدة قد تحمل عند أهل صناعة معنى أدق مما يفهمه
غيرهم، وقد يتعارف أصحاب مهنة على مسؤوليات وتفاصيل لم يحتج أحد منهم إلى تكرارها
عند كل اتفاق، لأنها مستقرة في أذهان المتعاملين.
ومن ثم فإن
القاضي أو المفتي الذي يريد تحقيق العدل لا يكفيه أحيانًا أن يعرف القاعدة
المجردة؛ بل يحتاج كذلك إلى معرفة الواقع الذي ستطبق عليه، وهذا ليس خضوعًا
للواقع، بل شرط من شروط تنزيل الحكم عليه تنزيلًا صحيحًا، فالخلل قد يقع من معرفة
الواقع وإهمال الشرع، وقد يقع أيضًا من معرفة الحكم المجرد مع تصور غير صحيح
للواقعة.
ولهذا كان سالم
بن عبدالله بن عمر بن الخطاب ينزل إلى السوق بنفسه ويشتري حوائج بيته، ليكون على
إدراك تام بالواقع ومعاملات الناس وأسعارهم قبل الإفتاء والقضاء(8).
وهذا المعنى
شديد الحضور في عالمنا اليوم، فالنزاعات في التجارة الإلكترونية، والعقود التقنية،
والمقاولات، والخدمات الطبية، والعمل الحر، والأسواق المالية، وغيرها، تحمل داخلها
مصطلحات وممارسات مهنية لا يفهمها على وجهها إلا من عرف بيئتها، ولذلك تحتاج
العدالة الحديثة، كما احتاج القضاء قديمًا، إلى الخبرة الفنية بجانب المعرفة
النظامية.
تحويل الأعراف إلى سياسات تحمي استقرار المعاملات
للأعراف
المستقرة وظيفة اجتماعية تتجاوز الفصل في الخصومات؛ فهي تصنع قدرًا من القدرة على
توقع تصرف الطرف الآخر، يعرف التاجر ما المعتاد في سوقه، ويعرف الصانع ما يتحمله
عادة، ويعرف العميل ما يدخل في الخدمة وما يحتاج إلى اتفاق مستقل.
وكلما كانت هذه
التوقعات واضحة قلَّت مساحة المفاجأة والنزاع، أما إذا كان كل طرف يستطيع عند
الخصومة أن ينكر ما تعامل عليه الناس طويلًا، فإن الثقة نفسها تصبح هشة، ويضطر
المتعاملون إلى الاحتياط المفرط لكل جزئية صغيرة.
ومن هذه الزاوية
يمكن قراءة حكمة موقف شريح القاضي قراءة اجتماعية معاصرة؛ الاعتراف بالعادات المهنية
الصحيحة يحمي قدرًا من الاستقرار النفسي والتعاملاتي، لأنه يجعل الإنسان قادرًا
على بناء قراراته على قواعد مفهومة لا تتغير عند أول خلاف.
لكن هذا
الاستقرار يحتاج إلى شرط آخر لا يقل أهمية: وضوح العرف نفسه، فإذا وضح العرف
واستقر فلابد أن تعود الأمور إليه، حتى لا يقع الخلل والاضطراب، ويدل على ذلك ما
فعله النبي صلى الله عليه وسلم من احترام للتقسيم الإداري والعرف التاريخي المستقر
في مكة بإرجاع مفتاح الكعبة لعثمان بن طلحة، تأكيداً للثقة واحتراماً للحقوق
المتعارف عليها، فقال له: «هَاكَ مِفْتَاحَكَ يَا عُثْمَانُ! اليَوْمُ يَوْمُ
بِرَّ وَوَفَاءٍ»، وقال لعائلته: «خُذُوهَا يَا بَنِي أَبِي طَلْحَةَ تَالِدَةً
خَالِدَةً، لَا يَنْزِعُهَا مِنْكُمْ إِلَّا ظَالِمٌ»(9).
ولهذا، فإن
المؤسسات المعاصرة تستفيد من روح هذا المعنى حين تحوّل الأعراف المهنية النافعة
إلى سياسات واضحة وأدلة إجراءات وعقود مفهومة، بحيث تقل مساحة النزاع بدل أن تتحول
كلمة «المعتاد» إلى باب جديد للخلاف.
أثر بلاغة الإيجاز عند القاضي شريح في حسم النزاعات القضائية
«سُنَّتكم
بينكم»، عبارة قصيرة، لكنها تستحق التأمل من جهة البيان والقيادة، فالقاضي لا
يحتاج دائمًا إلى الإطالة ليظهر سلطته، بل قد تكون قوته في قدرته على تحديد موضع
النزاع ثم وضع القاعدة التي تحسمه في عبارة مفهومة.
وليس فضل
الإيجاز في قلة الكلمات لذاتها؛ فقد تكون الكلمات القليلة غامضة، وقد تحتاج القضية
المعقدة إلى تفصيل طويل، وإنما قيمة إيجاز شريح القاضي هنا أنه جاء بعد فهم نقطة الارتكاز
في القضية: هناك طريقة تعامل مستقرة يدعي أهل المهنة أنها سنتهم فيما بينهم، فجاء
الجواب متوجهًا إلى هذه النقطة نفسها.
وهذا درس يتجاوز
القضاء إلى الإدارة والتربية والقيادة، فكثرة التعليمات ليست دليلًا دائمًا على
جودة الإدارة، كما أن كثرة الكلام ليست دليلًا على وضوح القرار، القائد الجيد
يحتاج إلى أن يميز بين ما يتطلب شرحًا وما يكفيه بيان محكم، وأن يضع القاعدة في
عبارة يستطيع الناس فهمها والعمل بها.
طريقة التعامل مع العادات في المؤسسات
في المؤسسات
وفِرَق العمل تنشأ مع الزمن عادات غير مكتوبة؛ كيف تنتقل المهمة بين الموظفين،
وكيف تُراجع الأعمال، ومتى يُستشار صاحب الاختصاص، وما حدود المرونة المقبولة، وبعض
هذه الممارسات قد يكون أكثر تأثيرًا في الحياة اليومية من نصوص اللوائح الرسمية
نفسها.
والتعامل الحكيم
معها ليس بإلغائها جميعًا لأنها غير مكتوبة، ولا بقبولها جميعًا لأنها قديمة؛ بل
بوزنها: فما كان منها نافعًا وعادلًا ومتسقًا مع النظام وجب الحفاظ عليه وتطويره،
وما تحول إلى باب للظلم أو تعطيل الحقوق وجب تصحيحه.
وقد تعامل النبي
صلى الله عليه وسلم مع الثقافة السائدة في المجتمع ووظفها لصالح الدعوة الإسلامية،
وذلك حين أراد أن يدخل مكة، وهو يعلم أن أبا سفيان يحب الوجاهة الاجتماعية، فاحترم
مكانته التنظيمية في قريش دون أن يمس بأصول التشريع، وذلك حين قال العباس: يَا رَسُولَ
اللَّهِ، إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ يُحِبُّ الفَخْرَ، فَاجْعَلْ لَهُ شَيْئًا،
فقال صلى الله عليه وسلم: «نَعَمْ، مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ
آمِنٌ، وَمَنْ دَخَلَ المَسْجِدَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ أَغْلَقَ عَلَيْهِ بَابَهُ
فَهُوَ آمِنٌ»(10).
هكذا يفيدنا
الأثر في بناء المؤسسات اليوم، فالتغيير الناجح لا يبدأ بافتراض أن كل ما سبق خطأ،
كما أن المحافظة الرشيدة لا تعني تجميد كل عادة، المطلوب هو التمييز بين عُرْف
يصنع الاستقرار وعُرْف يصنع الخلل، وهذه القدرة على التمييز من أهم صفات القيادة
الناضجة؛ لأنها تجمع بين احترام الخبرة المتراكمة وبين الشجاعة على التصحيح عند
الحاجة.
كيف حول القاضي شريح القواعد المهنية إلى مسؤولية جماعية؟
في قول شريح:
«سنتكم بينكم» معنى آخر جدير بالتأمل؛ فالعبارة تعيد إلى الجماعة المهنية شيئًا من
مسؤولية النظام الذي ارتضته لنفسها.
حين يتوافق أهل
مهنة على ممارسة صحيحة، ثم يبنون معاملاتهم عليها، فإن الحفاظ على الثقة يقتضي ألا
يتنصل الفرد منها عند أول موقف تصبح فيه في غير صالحه، فاستقرار المجتمع لا يقوم
على الحقوق التي نطالب بها لأنفسنا وحدها، وإنما يقوم كذلك على الوفاء بالقواعد
التي قبلنا التعامل في ظلها.
وهذا المعنى
بالغ الصلة بالواقع المؤسسي الحديث، فالقواعد الداخلية الناجحة ليست التي تفرضها
الإدارة في كل صغيرة وكبيرة، بل التي يفهم العاملون حكمتها ويشاركون في احترامها،
فتتحول من أوامر خارجية إلى ثقافة سلوك.
غير أن التنظيم
الذاتي لا يغني عن المرجعية العليا؛ ففي دولة المؤسسات توجد قوانين ملزمة، وفي
الشريعة توجد أحكام وحدود لا تملك الجماعات المهنية تجاوزها، والمساحة النافعة
للتنظيم الذاتي هي ما يقع تحت تلك المرجعية ولا يصادمها.
كيف وازن شريح القاضي بين المبادئ الشرعية والأعراف الواقعية؟
قد يقع الناس في
طرفين متقابلين؛ طرف يريد تطبيق المبادئ دون التفات كاف إلى تفاصيل الواقع، وطرف
يجعل الواقع نفسه مصدرًا نهائيًا للصواب والخطأ، وموقف شريح يفتح طريقًا ثالثًا
أكثر توازنًا.
فالواقع يُفهم
ولا يُعبد، والعرف يُعتبر ولا يُقدس، والنص يحكم ولا يُنزَّل على صورة متوهمة
للواقعة.
وهذا هو أحد أهم
المعاني التي يحتاجها الداعية والمربي والمدير والقاضي: قبل أن تحكم على سلوك أو
مشكلة، افهم اللغة التي يتحدث بها أصحابها، والبيئة التي أنتجتها، والعلاقات التي
تحكمها، ثم ضع ذلك كله أمام المعيار الصحيح، ومن هنا يصبح فقه الواقع أداة لتحقيق
المبدأ، لا وسيلة للهروب منه.
كيف جسد قضاء شريح العدل المرتبط بالواقع؟
تكمن روعة موقف
شريح في أنه يعيدنا إلى صورة للعدل ليست معلقة في الفراغ، فالناس يعيشون داخل أسر
وأسواق ومهن ومجتمعات، وتنشأ بينهم طرائق للتعامل يختصر بها بعضهم على بعض كثيرًا
من الكلام، فإذا كانت هذه الأعراف صحيحة مستقرة لا تخالف أصلًا شرعيًا، فإن
تجاهلها قد يكون تجاهلًا لجزء من حقيقة المعاملة نفسها.
ومن هنا بقيت
عبارة شريح على قصرها قابلة للتأمل بعد قرون: «سُنَّتكم بينكم».
إنها لا تقول:
إن كل عادة حق، ولكنها تقول: إن العدل لا يبدأ بإلغاء حياة الناس، ولا تقول إن
الجماعة تشرّع لنفسها بعيدًا عن الشرع، ولكنها تكشف أن الشريعة تعرف للناس أعرافهم
المعتبرة، وتفسح لهم مجالًا واسعًا لتنظيم شؤونهم داخل حدودها.
وفي زمن تتكاثر فيه اللوائح والعقود والتعليمات، تبقى الحاجة قائمة إلى المعنى الذي أدركه قاضٍ من قضاة الكوفة مبكرًا: أن النظام الناجح ليس أكثر الأنظمة كتابةً للقواعد، وإنما أكثرها قدرة على الجمع بين ثبات المرجعية، وفهم الواقع، وحفظ الحقوق، واحترام ما استقر بين الناس من معروف.
الهوامش
- 1 سير أعلام النبلاء (5/ 50).
- 2 صحيح البخاري (2/ 769).
- 3 سيرة ابن هشام (1/ 134).
- 4 صحيح البخاري (5364).
- 5 الموافقات: الشاطبي (2/ 499).
- 6 شرح القواعد الفقهية: الزرقا، ص 237.
- 7 التحبير شرح التحرير: أبو الحسن المرداوي (8/ 3852).
- 8 صفة الصفوة (2/ 89).
- 9 المعجم الكبير للطبراني (11234).
- 10 صحيح مسلم (1780).
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً