كيف هزم العلم أحكام الظاهر؟

مجاهد بن جبر.. بين بساطة الهيئة وعلو المكانة العلمية

رجل رث الثياب ولا يعجب الناس هندامه وانما يجلس على كرسي العلم في المسجد ويحدث ويتكلم والناس تسمع منه

يروي الإمام الذهبي، في «سير أعلام النبلاء»، خبرًا عن مُجَاهِد بْن جَبْر(1)، قَالَ الْأَعْمَشُ: كُنْتُ إِذَا رَأَيْتُ مُجَاهِدًا ازْدَرَيْتُهُ؛ مُتَبَذِّلًا كَأَنَّهُ خَرْبَنْدَجٌ ضَلَّ حِمَارُهُ وَهُوَ مُغْتَمٌّ.

ورَوَى الْأَجْلَحُ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: طَلَبْنَا هَذَا الْعِلْمَ وَمَا لَنَا فِيهِ نِيَّةً، ثُمَّ رَزَقَ اللَّهُ النِّيَّةَ بَعْدُ.

وَقَالَ مَنْصُورٌ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: لَا تُنَوِّهُوا بِي فِي الْخُلُقِ.

وقال حُصَيْنٌ، عَنْ مُجَاهِدٍ بن جبر: بَيْنَا أَنَا أُصَلِّي إِذْ قَامَ مِثْلُ الْغُلَامِ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَشَدَدْتُ عَلَيْهِ لِآخُذَهُ، فَوَثَبَ فَوَقَعَ خَلْفَ الْحَائِطِ حَتَّى سَمِعْتُ وَجْبَتَهُ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّهُمْ يَهَابُونَكُمْ كَمَا تَهَابُونَهُمْ مِنْ أَجْلِ مُلْكِ سُلَيْمَانَ.

وَرُوِيَ عَنِ الْأَعْمَشِ، قَالَ: كَانَ مُجَاهِدٌ كَأَنَّهُ حَمَّالٌ، فَإِذَا نَطَقَ خَرَجَ مِنْ فِيهِ اللُّؤْلُؤُ.

وَقَالَ حُمَيْدٌ الْأَعْرَجُ: كَانَ مُجَاهِدٌ رَحِمَهُ اللَّهُ يُكَبِّرُ مِنْ سُورَةِ «وَالضُّحَى»(2).

تقدم هذه الروايات المأثورة صورة مركبة واستثنائية للتابعي الجليل مجاهد بن جبر؛ صورة تجمع بين هيئة خارجية بسيطة لم تكن تستوقف النظر أو تثير الوجاهة التقليدية، وبين منزلة علمية راسخة جعلت جهابذة العلماء وأئمة النقد يشهدون بعمق معرفته وإتقانه المذهل لكتاب الله تفسيرًا وقراءةً وتبصيرًا، وتكشف هذه الأخبار والآثار عن ظاهرة منهجية وحضارية فارقة في تاريخ الفكر الإسلامي؛ أن المجتمعات الحية التي تُقيم للمعرفة وزنها الحق قادرة على تجاوز الانطباعات السطحية وأحكام الظاهر، وأن تجعل معيار الرفعة والسيادة مقترنًا بما يحمله الإنسان في جوانحه من علم نافع وتقوى صادقة وأثر أبقى.

ولا يعني هذا الملمح السلوكي بإطلاق إلغاء العناية بالمظهر الخارجي أو التقليل من شأن الهيئة الحسنة والجمال المشروع، وإنما يبرز الفارق الدقيق بين المظهر بوصفه وسيلة تواصل اجتماعية طارئة، وبين العلم بوصفه قيمة جوهرية ثابتة تصنع المكانة الحقيقية للإنسان وتمنحه الخلود الفكري، إن تجربة مجاهد بن جبر تمثل الدرس التاريخي الأبرز في انكسار الصورة أمام الحقيقة، وتهافت الهياكل الشكلية أمام الحجج المعرفية.

حين تفوق جوهر المعرفة على بساطة هيئة مجاهد بن جبر 

كان الأعمش يصف هيئة مجاهد بقوله: «كُنْتُ إِذَا رَأَيْتُهُ ازْدَرَيْتُهُ؛ مُتَبَذِّلًا كَأَنَّهُ خَرْبَنْدَجٌ»(3)، ثم يرفع الحجاب عن حقيقته في رواية أخرى شارحًا أثر البيان والمعرفة: «كَانَ مُجَاهِدٌ كَأَنَّهُ حَمَّالٌ، فَإِذَا نَطَقَ خَرَجَ مِنْ فِيهِ اللُّؤْلُؤُ»، إن هذه المقابلة البديعة بين الصورة البصرية والرصيد المعرفي تكشف عن خصلة إنسانية مطردة؛ وهي أن العين كثيرًا ما تخطئ الحكم حين تستسلم للظاهر، بينما يستقيم الميزان حين ينطق العقل ويتكلم البرهان.

فالإنسان يميل بطبعه الجبلي إلى صياغة انطباعاته الأولى بناءً على الثياب والرداء والسمة الظاهرة، غير أن المحك العلمي والتجربة الفكرية يثبتان دائمًا أن الجوهر لا ينعكس بالضرورة على الغلاف، وقد حفل تاريخ العلم الشريف بأعلام لم تكن هيئاتهم تشي بمهابة، لكنهم حركوا العقول وغيروا وجه التاريخ المعرفي، ومن ذلك ما جرى للصحابي الجليل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه؛ إذ صعد شجرة أراك ليجتني منها سواكًا، فجعلت الريح تكفؤه وكان دقيق الساقين، فضحك القوم من دقة ساقيه، فبيّن النبي صلى الله عليه وسلم فضله ورسوخه وأن ساقيه أثقل في الميزان عند الله من جبل أحد(4).

كذلك كان الإمام التابعي الأحنف بن قيس رحمه الله؛ إذ «كان الأحنف بن قيس ضئيل الجسم، أعرج، الأحنف مائل القدم، قبيح المنظر في العين، ولكنه كان إذا الحلم والعقل والعلم؛ فإذا تكلم في مجلس أو خطب بالقوم أطرقوا له هيبةً وإجلالًا لعقله وراجح معرفته»(5)، فكان مجاهد بن جبر امتدادًا أصيلًا لهذه المدرسة؛ إذ كان مولى متواضع الشأن في الهيئة، بعيدًا عن التكلف والشكلانية، لكنه غدى الإمام المقدم في التفسير الذي يُرحل إليه وتُعرض عليه المصاحف آية آية، ومن هنا يتضح أن المجتمعات الراغبة في بناء نهضة علمية جادة بحاجة إلى مراجعة معايير التقدير والمفاضلة، فلا تصبح الصورة بديلاً عن الكفاءة، ولا البريق الشكلي حائلاً دون الاهتداء بالرسوخ المعرفي.

حين تفوق جوهر المعرفة على بساطة الهيئة

كانت البيئة الاجتماعية المبكرة تنطوي على المفاخرة بالأنساب والمكانة القبلية الموروثة، غير أن نور الإسلام وحقيقة العلم أوجدا ميزانًا جديدًا ألغى الفوارق الطبقية والنسبية، وجعل المعيار الأوحد يتأسس على الحفظ والفهم والإتقان ورسوخ القدم في الدين، فقد استطاع مجاهد، وهو المولى الذي لا يملك جاهًا قبليًا ولا ثروة مالية، أن يتسنم ذروة الإمامة في مكة المكرمة قراءةً وتفسيرًا، نتيجة ملازمته الطويلة وعرضه المتكرر على عبد الله بن عباس رضي الله عنهما.

وهذا التبدل الراديكالي في موازين التقدير ينسجم مع المبدأ التأسيسي في قوله تعالى: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) (الحجرات: 13)، والتوجيه النبوي الخالد في الحديث الشريف: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ»، فالحديث يقتلع مركزية الشكل من الوعي الجمعي وينقلها إلى حقيقة القالب الجوهري والإنجاز النافع.

وقد تجلى هذا الميزان في أبهى صوره بين الصحابة والتابعين؛ فقد أن نافع بن عبد الحرث لقي عمر بن الخطاب بعسفان، وكان عمر استعمله على مكة، فقال له عمر: من استخلفت على أهل الوادي؟ قال: استخلفت عليهم ابن أبزى، قال: وما ابن أبزى؟ فقال: رجل من موالينا، فقال عمر: استخلفت عليهم مولى؟ فقال: إنه قارئ لكتاب الله عالم بالفرائض قاضي، فقال عمر أما إن نبيكم صلى الله عليه وسلم قد قال: «إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخرين»(6).

وكذلك كان شأن التابعي الجليل عطاء بن أبي رباح معاصِر مجاهد؛ إذ «كان عطاء بن أبي رباح مولى أسود، جعد الشعر، أعور، أفطس، أعرج، ثم صار إمام مكة ومفتيها في زمانه، حتى كان عبد الله بن عمر رضي الله عنهما يقول للناس إذا استفتوه في الحج: تجمعون لي المسائل وعندكم عطاء بن أبي رباح»(7)؟! فالعلم وحده هو الذي هدم التراتبية النسبية وأعلى قامة الإنسان وفضله عبر الإتقان المعرفي والخدمة المجردة لكتاب الله.

كيف تتطور النية خلال رحلة التعلم والتلقي؟

تتسم تجربة مجاهد بن جبر بصدق نفسي رفيع يبتعد عن ادعاء المثالية المطلقة منذ الخطوة الأولى؛ ويتجلى ذلك في كلمته الخالدة: «طلبنا هَذَا الْعلم وَمَا لنا فِيهِ كَبِير نِيَّة ثُمَّ رزق اللَّه تَعَالَى النِّيَّة بَعْد»(8)، إن هذه المقولة ليست مجرد اعتراف شخصي، بل هي تشخيص دقيق للطبيعة البشرية وتدرجها في مدارج الإخلاص والمجاهدة؛ إذ غالبًا ما تبدأ الرحلة المعرفية بدافع حب الاستكشاف، أو الرغبة في تحصيل المكانة، أو محاكاة البيئة المحيطة، ثم يعمل العلم ذاته على تهذيب النفس وتطهير المقاصد حتى تخلص النية لله وحده.

إن النية في المنظور التربوي للعلماء ليست حالة جامدة تحضر بضغطة زر عند البداية، بل هي ثمرة مباركة من ثمار المكابدة وطول الصحبة مع النصوص الشريفة، فكلما أبحر الطالب في القرآن وفهم معانيه، انكشف له أن العلم ليس وسيلة لتضخيم الأنا أو تحصيل المآرب الدنيوية، بل تكليف يتطلب القيام بحق العبودية والشكر.

وقد تتابع الأئمة على تقرير هذه الحقيقة التربوية في تجاربهم العلمية؛ فكان حبيب بن أبي ثابت ومعمر بن راشد يرددان ذات المعنى المروي عن مجاهد: «طلبنا هذا العلم وما لنا فيه نية، ثم رزقنا الله النية بعدُ»، وقال معمر بن راشد توضيحًا لبركة العلم في تقويم مسار صاحبه: «كان يُقال: إن الرجل ليلتمس العلم لغير الله، فيأبى العلم عليه حتى يكون لله تعالى»(9)، وهكذا يتبين أن رحلة طلب العلم هي بالضرورة رحلة إعادة بناء للداخل، وتحويل المقاصد من حب الظهور إلى الاستجابة لأمر الشارع.

حين يتقدم انتشار الفكرة على ذيوع الاسم

تأتي عبارة مجاهد بن جبر الشديدة الإيجاز والعمق: «لَا تُنَوِّهُوا بِي فِي الْخُلُقِ» لتجسد الوعي بالآفة الشديدة التي قد تعصف بالعلماء والمصلحين؛ وهي آفة الشهرة وصنميات الذات، فلم يكن مجاهد زاهدًا في نشر العلم ولا متقاعسًا عن إبلاغ دين الله، وإنما كان يخشى أن يتحول ذهن السالكين والمستفيدين من الرسالة المعرفية إلى شخص الحامل، وأن يُستبدل التعظيم الإلهي بالتنويه الاجتماعي.

إن المسافة بين خادمي الأفكار وصانعي صورهم الشخصية مسافة دقيقة تحتاج إلى مراقبة دائمة للنفس؛ لأن السعي نحو الذيوع الإعلامي والثناء العام يورث العجب ويبدد إخلاص السعي، وكان هذا الشفق الأخلاقي حاضراً بقوة في الممارسة السلوكية لعلماء الصدر الأول.

فقد يُروى أن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه «خرج يوماً فتبعه جماعة من الناس، فالتفت إليهم وقال: أَلَكُمْ حَاجَةٌ؟ قالوا: لا، ولكن أردنا أن نمشي معك، فقال رضي الله عنه: ارْجِعُوا؛ فَإِنَّهَا ذِلَّةٌ لِلتَّابِعِ، وَفِتْنَةٌ لِلْمَتْبُوعِ»(10)، وكان الإمام خالد بن معدان رحمه الله يطبق هذا الفرار من الشهرة تطبيقًا عمليًا؛ إذ «كان خالد بن معدان إذا عظمت حلقته قام فانصرف، قلت لصفوان: ولم كان يقوم؟ قال: كان يكره الشهرة»(11)، إن الموقف السلوكي لمجاهد وأقرانه يضع معيارًا أصيلاً لكل مؤلف وباحث ومصلح: أن يكون انتشار المعرفة والحق أحب إلى قلبه من انتشار اسمه وذيوع أثره.

كيف يصنع حضور القلب شجاعة العابد المفسر؟

تنقل الرواية المأثورة عن مجاهد موقفه عند قيام العارض له أثناء صلاته وثباته في مواجهته؛ «بَيْنَا أَنَا أُصَلِّي إِذْ قَامَ مِثْلُ الْغُلَامِ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَشَدَدْتُ عَلَيْهِ لِآخُذَهُ، فَوَثَبَ فَوَقَعَ خَلْفَ الْحَائِطِ حَتَّى سَمِعْتُ وَجْبَتَهُ..»، وإن هذه الحادثة، بعيدًا عن تفاصيل الآثار التراثية، تعكس صلابة نفسية وشجاعة إيمانية مستمدة من امتلاء القلب باليقين وسكينة المعرفة؛ فالجاهل تطيش روحه عند الملمات والعوارض، بينما العلم بالله وآياته يورث ثبات الجنان وسكون الجوارح.

إن اليقين العلمي لا ينفي وجود المخاوف أو ابتلاء العبد بالمشوشات، ولكنه يمنح صاحبه القدرة على التحكم في انفعالاته، فلا يتراجع عن موقفه أو ينقطع عن عبادته، وهذا المفهوم هو عين ما نص عليه التنزیل الحكيم في قوله تعالى: (إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (آل عمران: 175).

وقد تجسدت هذه الشجاعة الإيمانية القائمة على العلم في مواقف عديدة؛ منها ما ثبت في تجربة الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه حين خرج مع النبي صلى الله عليه وسلم في ليلة الجن(12)، فخط له النبي خطة وأمره ألا يخرج منها، فلما جاءت أشخاص الجن وأصواتهم الهائلة كالرجال والظلال، ثبت ابن مسعود ولم يرعه الهول ولم يتحرك من مكانه لليقين والمعرفة التي كانت في قلبه بتصديق رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالشجاعة العلمية ليست اندفاعًا طائشًا، بل هي ثبات القلب المستند إلى الشريعة والحقيقة عند مجيء التهويل.

الفارق بين هيبة المظهر وحضور المعنى المعرفي

تكشف سيرة مجاهد بن جبر أن الهيبة المعرفية الراسخة لا تُستجدى باللباس الفاخر ولا بالتصنع الشكلي، وإنما تتدفق تلقائيًا من عمق التحقيق وصدق التطبيق، فقد كان مجاهد يدخل المجمعات ولا يلفت ناظرًا بملبسه، فإذا فاض بيان تفسيره أخذ بالألباب، وهو الملمح الذي لخصه الأعمش بعبارته الفائقة: «فَإِذَا نَطَقَ خَرَجَ مِنْ فِيهِ اللُّؤْلُؤُ»، إنها هيبة المعنى المستقر في الصدر، لا هيبة الشكل المرتدي على الجسد.

وفي زمن تشيع فيه ثقافة التسويق الذاتي والاهتمام بالقشور، يظل التحدي الفكري متمثلاً في الانحياز للجوهر؛ لأن الهيبة المصنوعة بالهيئة الخارجية تزول بزوال الموقف، بينما الهيبة التي ينشئها العلم الراسخ تفرض حضورها عبر الأجيال والقرون.

وقد ضرب التابعون أروع الأمثلة في امتلاك هذه الهيبة الفطرية التجردية؛ فقد «كان سعيد بن المسيب والحسن البصري يجلسان بين الناس بثياب بسيطة وهيئة متواضعة غير متكلفة، فإذا شرع أحدهما في الحديث أو التفسير أنصت الجمع وأطرقوا كأنما على رؤوسهم الطير، لهيبة العلم وجلال المعرفة الخارجة من قلوبهما وألسنتهما»، كذلك ظهرت هذه الهيبة العلمية المجردة في الإمام علي بن الحسين زين العابدين رحمه الله؛ إذ لم يكن صاحب بهرجة، ولكن هيبته العلمية والإيمانية فرضت نفسها على القلوب حتى قال فيه الفرزدق:

يُغْضِي حَيَاءً وَيُغْضَى مِنْ مَهَابَتِهِ    فَمَا يُكَلَّمُ إِلَّا حِينَ يَبْتَسِمُ(13)

ثلاثية التواضع والنية والزهد في سيرة مجاهد

تلتقي روايات مجاهد بن جبر لتنسج معلمًا سلوكيًا ينبني على ثلاثة أركان صلبة: التواضع السامق في الهيئة، والتصحيح المستمر للنية، والزهد المطلق في بناء الشهرة الفردية، فلم يجعل من بساطة المظهر ذريعة للخمول، ولا من إمامته الفكرية سلمًا للاستعلاء على الخلق، بل عاش متواضعًا ينقل العلم بصدق، مجسدًا قيم القران الكريم في قوله تعالى: (تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) (القصص: 83).

ولقد ضرب الصحابة والتابعون المثل في تقديم التواضع والتجرد للحق على كل اعتبار؛ ومن أعظم الصور المأثورة في تواضع العلماء؛ «أخذ عبد الله بن عباس رضي الله عنهما بركاب دابة زيد بن ثابت رضي الله عنه وهو يُمشّيه، فقال له زيد: لا تفعل يا ابن عم رسول الله، فقال ابن عباس: هَكَذَا أُمِرْنَا أَنْ نَفْعَلَ بِعُلَمَائِنَا وَكُبَرَائِنَا، فقبل زيد يده وقال: وَهَكَذَا أُمِرْنَا أَنْ نَفْعَلَ بِأَهْلِ بَيْتِ نَبِيِّنَا»(14)، إن هذا النموذج للتواضع السلوكي المتجرد هو الذي يمنح السيرة العلمية خلودها وأثرها في الأمة.

تتجلى سيرة الإمام مجاهد بن جبر لتؤكد أن الحضارة العلمية وتاريخ الأفكار لا يُبنيان على المظاهر البراقة ولا على الشهرة المصنوعة، وإنما يُشادان بالصدق المعرفي والرسوخ الخالي من التكلف، فقد بدا مجاهد في عين الرائي العابر رجلاً رث الهيئة هين السمة، لكنه حين أفصح عن علمه ظهر إماماً تُشرق ببيانه العقول وتتداول الأمة تفسيره وتكبيره، إن الدرس الأبقى من حياة هذا الإمام يتلخص في أن اللؤلؤ الحقيقي يكمن في أعماق العقل والروح، وأن العلم المتوج بالتواضع هو وحده القادر على هزيمة المظهر وتجاوز قيود الزمان والمكان.

الهوامش
  • 1 مجاهد بن جبر المكي المخزومي مولاهم، ولد سنة 21هـ، وهو تابعي جليل وإمام المفسرين والمقرئين ومولى عبد الله بن عباس، اشتهر بالتفسير والتأويل والقراءات والحديث، حيث عرض القرآن على ابن عباس ثلاث عرضات يوقفه عند كل آية، وسكن مكة المكرمة وتوفي بها وهو ساجد سنة 104هـ.
  • 2 سير أعلام النبلاء (4/ 450).
  • 3 تعبير تراثي قديم، وكلمة «خَرْبَنْدَج» (أو خربَندة) كلمة فارسية الأصل معرّبة، وتتكون من شقين: «خر»؛ وتعني حماراً، و«بند»؛ وتعني رابِطاً أو سائقاً، والمقصود بها المُكاري أو سائق الحمار (الحمّار).
  • 4 تاريخ دمشق لابن عساكر (33/ 60/ 3573)، وقال أبو القاسم ورد في تاريخ الإسلام: ترجمته، ص 383.
  • 5 وفيات الأعيان (2/ 499/ 305).
  • 6 مسند أحمد (1/ 267/ 232).
  • 7 البداية والنهاية (10/ 148).
  • 8 البلدانيات للسخاوي، ص56 (2).
  • 9 إرشاد طلاب الحقائق إلى معرفة سنن خير الخلائق صلى الله عليه وسلم (1/ 502).
  • 10 المصنف، ابن أبي شيبة (14/ 418).
  • 11 صفة الصفوة (2/ 374).
  • 12 بذل المجهود في حل سنن أبي داود (1/ 456/ 85).
  • 13 الشعر والشعراء (1/ 66).
  • 14 جمع الجوامع المعروف بـ«الجامع الكبير» (20/ 294).
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة