التاريخ والقيادة الأخلاقية

هل تكفي الإدارة؟ قرة بن شريك واختبار القيادة الأخلاقية

عبدالله السيد

22 سبتمبر 2026

9

تصوير تاريخي رمزي لقصة قرة بن شريك والي مصر في العصر الأموي، مع إبراز العلاقة بين السلطة والإدارة والقيم الأخلاقية

روى الذهبي، في «سير أعلام النبلاء»، في ترجمة قرة بن شريك(1): أنه تولى مصر للوليد بن عبدالملك سبعة أعوام، وكان ظالمًا جبارًا، وأنشأ جامع الفسطاط، فإذا انصرف الصناع منه دخله بالخمور والمطربين، وقال: «لنا الليل ولهم النهار»، ولما همّت الخوارج باغتياله، علم بأمرهم فقتلهم.

وقال عمر بن عبدالعزيز: «الوليد بالشام، والحجاج بالعراق، وعثمان المري بالحجاز، وقرة بمصر، امتلأت الدنيا والله جورًا»(2).

يمثل هذا الخبر صورة من الأخبار التاريخية التي تجمع بين جوانب متعددة في شخصية الوالي؛ قوة الإدارة من جهة، والانحراف الأخلاقي من جهة أخرى، ولا ينبغي أن تُقرأ أخبار التاريخ بمعزل عن سياقها السياسي والاجتماعي؛ فقرة بن شريك كان أحد ولاة الدولة الأموية في عهد الوليد بن عبد الملك، وهي مرحلة توسع وقوة مركزية اعتمدت فيها الدولة على ولاة ذوي قدرة على ضبط الأقاليم وجمع الخراج وإدارة الصراعات.

وهذه القراءة لا تقوم على إعادة سرد الخبر فقط، بل تحاول فهم ما يكشفه عن علاقة السلطة بالأخلاق، وعن خطورة الفصل بين الإنجاز الظاهر والاستقامة الباطنة.

لماذا استمر قرة بن شريك واليًا لسبع سنوات؟

كانت مصر في العصر الأموي من أهم أقاليم الدولة؛ لما تمثله من مكانة اقتصادية واستراتيجية، ولذلك كان اختيار الوالي عليها مرتبطًا بقدرته على حفظ النظام وإدارة الموارد ومواجهة الحركات المعارضة.

ومن هنا يمكن فهم سبب بقاء قرة بن شريك في ولاية مصر سبع سنوات؛ فقد كان معيار السلطة في كثير من الأحيان يدور حول القدرة على ضبط الإقليم وتحقيق مصالح الدولة، لكن التاريخ يكشف أن نجاح المسؤول في جانب واحد لا يعني بالضرورة اكتمال أهليته في جميع الجوانب.

وتكشف واقعة قدامة بن مظعون رضي الله عنه أن الولاية لا تمنح صاحبها حصانة من المساءلة؛ فقد ولّاه عمر بن الخطاب رضي الله عنه البحرين، ثم بلغه أنه شرب الخمر متأولًا قوله تعالى: (لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا) (المائدة: 93)، فاستدعاه وتثبت من أمره، ثم أقام عليه الحد وعزله عن الولاية(3)، فلم تمنع قدامةَ سابقتُه في الإسلام ولا شهوده بدرًا من الخضوع للمحاسبة؛ وهو ما يضع تجربة قرة بن شريك أمام ميزان أوسع من مجرد القدرة على ضبط الإقليم؛ أن تبقى السلطة مقيدة بالعدل، وأن يكون صاحبها مسؤولًا عن أفعاله مهما علت منزلته.

فالقيادة ليست مجرد قدرة على تنفيذ الأوامر أو السيطرة على الخصوم، وإنما هي أمانة تجمع بين القوة والعدل، قال الله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ) (النساء: 58).

ولهذا فإن أي تجربة قيادية تنجح في بناء المؤسسات لكنها تفشل في بناء الإنسان تحمل داخلها عوامل اضطرابها ولو بدا نجاحها في الظاهر.

هل تغني الإنجازات العمرانية عن تقوى الوالي؟

يذكر الخبر أن قرة بن شريك أنشأ جامع الفسطاط، وهذا جانب عمراني مهم في تاريخ المدن الإسلامية؛ فالمساجد لم تكن مجرد أماكن للعبادة، بل كانت مراكز للتعليم والقضاء والاجتماع.

غير أن المفارقة التي يوردها الخبر تكمن في اجتماع بناء المسجد مع السلوك الذي وصفه المؤرخون بالفسق والجور، وهذه المفارقة تفتح بابًا مهمًا في فهم العلاقة بين المظهر الديني والسلوك العملي.

فالعمران مهما عظم لا يغني عن إصلاح القلب والسلوك؛ لأن رسالة الدين لا تقوم على الرموز وحدها، بل على تحول القيم إلى واقع، وقد ذم القرآن حال من يفصل بين القول والعمل فقال سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ {2} كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ) (الصف).

وقد وضع سعيد بن المسيب رحمه الله ميزانًا يكشف أن صورة العبادة لا تكفي وحدها للدلالة على حقيقتها؛ فلما سُئل عن قوم يطيلون الصلاة ويتعبدون، قال: «ما هذه العبادة، ولكن العبادة التفقه في الدين، والتفكر في أمر الله تعالى، والورع عن محارم الله»(4)، فلم يكن مقصوده التقليل من شأن الصلاة، وإنما التنبيه إلى أن التعبد لا يكتمل بمظهره دون فقه وورع، وبهذا يتضح وجه المفارقة في خبر قرة بن شريك؛ فقد ارتبط اسمه بعمارة جامع الفسطاط، بينما وصفه المؤرخون بالجور والفسق، ليبقى بناء المسجد إنجازًا عمرانيًا لا يغني صاحبه عن إقامة معاني الدين في سلوكه وعدله.

وفي واقع المؤسسات اليوم يظهر المعنى نفسه؛ فالمشاريع الكبرى والإنجازات الظاهرة تحتاج دائمًا إلى سؤال أعمق: هل تصنع إنسانًا مستقيمًا؟ وهل تخدم القيم التي أُنشئت من أجلها؟

ماذا تعني عبارة قرة بن شريك: «لنا الليل ولهم النهار»؟

من أكثر العبارات دلالة في الخبر قول قرة بن شريك: «لنا الليل ولهم النهار»، وسواء نُظر إليها بوصفها خبرًا تاريخيًا منقولًا أو تعبيرًا عن حال وصفها المؤرخون، فإنها تحمل صورة عن عقلية ترى إمكانية الفصل بين المجال العام والمجال الخاص، وبين المسؤولية أمام الناس والمسؤولية أمام الله.

وهذا النوع من التفكير من أخطر ما يصيب أصحاب السلطة؛ لأنه يجعل الإنسان يظن أن نجاحه الوظيفي يمنحه مساحة للتجاوز الأخلاقي.

والإنسان قد ينجح في إخفاء بعض أفعاله عن الناس، لكنه لا يستطيع الانفصال عن رقابة الله، قال تعالى: (أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ اللَّهَ يَرَىٰ) (العلق: 14).

وتضع كلمة معاذ بن جبل رضي الله عنه هذا الانفصال بين الخلوة والعلانية أمام ميزان المراقبة الإيمانية؛ فقد رُوي عنه قوله: «إن المؤمن لدى الحق أسير، يعلم أن عليه رقيبًا على سمعه وبصره ولسانه ويده ورجله وبطنه وفرجه، حتى اللمحة ببصره»، ثم قال: «فالتقوى رقيبه، والقرآن دليله، والخوف حجته»(5)، فقد جعل المراقبة شاملةً لجوارح الإنسان وأفعاله، لا مقصورةً على ما يراه الناس منه، وعلى هذا الميزان تنكشف خطورة العبارة المنسوبة إلى قرة بن شريك: «لنا الليل ولهم النهار»؛ إذ لا تنتهي مسؤولية الوالي بانصراف الناس عنه، ولا تتحول خلوته إلى مساحة تسقط فيها حدود التقوى.

ولهذا كانت التربية الإسلامية تؤكد أن صلاح المسؤول يبدأ من خلوته قبل علانيته؛ لأن فساد السريرة ينعكس غالبًا على القرارات والمعاملات ولو بعد حين.

كيف واجه قرة بن شريك محاولة اغتيال الخوارج؟

يشير الخبر إلى أن الخوارج هموا باغتيال قرة بن شريك، وأنه علم بذلك وقتلهم، وهذه الحادثة تكشف جانبًا من طبيعة الصراع السياسي في ذلك العصر؛ حيث كانت الدولة تواجه جماعات معارضة مسلحة تهدد استقرارها.

لكن إدارة الخطر لا تُقاس فقط بالقدرة على القضاء على الخصوم، بل كذلك بميزان العدل في التعامل مع الناس، فالسلطة التي تعتمد على الردع وحده قد تحقق هدوءًا مؤقتًا، لكنها تحتاج دائمًا إلى بناء الثقة والعدل حتى تستقر.

وقد قرر العلماء أن القوة المطلوبة في الولاية ليست قوة البطش، بل قوة تحفظ الحقوق وتمنع الظلم، ولهذا جمع القرآن بين القوة والأمانة في قوله تعالى على لسان ابنة شعيب: (إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ) (القصص: 26).

فالقوة إذا انفصلت عن الأمانة قد تتحول من وسيلة لحفظ النظام إلى وسيلة لترسيخ الاستبداد.

موقف عمر بن عبدالعزيز من جور ولاة بني أمية

قول عمر بن عبدالعزيز: «الوليد بالشام، والحجاج بالعراق، وعثمان المري بالحجاز، وقرة بمصر، امتلأت الدنيا - والله - جورًا» يقدمه المؤرخون بوصفه تعبيرًا عن موقف نقدي تجاه حال بعض الولاة في ذلك العصر.

وتكمن أهمية هذه الشهادة في أنها لا تتناول شخصًا واحدًا فقط، بل تشير إلى مشكلة أوسع؛ أثر اختيار الولاة على حياة الناس، وخطورة أن تتحول الإدارة إلى مجرد أدوات للهيبة والسيطرة دون مراعاة للعدل.

وتجد كلمة عمر بن عبدالعزيز رحمه الله في وصف جور الولاة صداها في موقف الحسن البصري مع عمر بن هبيرة، والي العراق؛ إذ حذّره من أن يجعل طاعة الخليفة ذريعةً للتفريط في العدل، فقال له: «إن تتقِ الله يعصمك من يزيد بن عبد الملك، ولا يعصمك يزيد بن عبد الملك من الله»(6)، وذكّره بالمصير من سعة القصر إلى ضيق القبر، فإذا كان عمر بن عبدالعزيز قد كشف بكلمته اتساع أثر الجور حين يتولاه أصحاب السلطة في الأقاليم، فإن الحسن البصري واجه أحد هؤلاء الولاة بمسؤوليته الشخصية، مؤكدًا أن أوامر الخليفة لا ترفع عن الوالي تبعة ظلمه، وأن صلاح الإدارة يبدأ باستشعار كل مسؤول أمانته أمام الله.

فصلاح الدولة لا يتحقق فقط بصلاح رأسها، بل كذلك بصلاح من يحملون مسؤولياتها، ولهذا كان الخلفاء الراشدون ومن سار على نهجهم يولون عناية كبيرة بسلوك العمال والولاة، لأن ظلم الوالي قد يصل أثره إلى آلاف الناس.

لماذا لا تكفي الكفاءة الإدارية لنجاح القيادة؟

تكشف هذه القصة أن الإنسان قد يجمع بين قدرات متعددة؛ فقد يكون قوي الإدارة، سريع القرار، قادرًا على تنفيذ المهام، لكن هذه الصفات لا تكفي وحدها لصناعة القيادة الناجحة.

فالأسرة تحتاج إلى المسؤولية لا السيطرة، والمدرسة تحتاج إلى القدوة لا مجرد اللوائح، والمؤسسات تحتاج إلى النزاهة لا الإنجاز المجرد، والمجتمع يحتاج إلى قادة يرون السلطة تكليفًا لا امتيازًا.

ومن هنا يظهر أن أعظم اختبار للإنسان ليس ما يفعله أمام الناس، بل ما يفعله حين يغيب عنه الرقيب البشري؛ لأن حقيقة القيادة تبدأ من الداخل قبل أن تظهر في المكاتب والمشاريع والقرارات.

تظل شخصية قرة بن شريك القيسي مثالًا تاريخيًا يحمل درسًا مركبًا: أن القوة الإدارية والعمران والقدرة على ضبط الأزمات لا تكفي لصناعة أثر محمود إذا انفصلت عن العدل والتقوى وحفظ الأمانة.

فالحضارات لا تُبنى بالحجارة وحدها، وإنما تُبنى بالإنسان الذي يحمل القيم التي تمنح تلك الحجارة معناها، وقد يبقى البناء شاهدًا على القدرة، لكن السلوك هو الذي يحدد قيمة صاحبه في ميزان التاريخ.

الهوامش
  • 1 هو قرة بن شريك بن مرثد بن حازم بن الحارث بن حبش بن سفيان بن عبدالله بن ناشب بن هدم بن عوذ بن غالب بن قطيعة بن عبس بن بغيض بن ريث.
  • 2 سير أعلام النبلاء، ج4، ص410.
  • 3 سير أعلام النبلاء، ج1، ص161-162.
  • 4 حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، ج2، ص56.
  • 5 المرجع السابق، ج1، ص56.
  • 6 المرجع السابق، ج2، ص44-45.
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة