أثر الصحابة في حياة التابعين

همام بن الحارث.. نقل سمت الصحابة واستعان بالله على الثبات

رجل من الزهاد يصلي في الليل

يذكر الإمام الذهبي، في «سير أعلام النبلاء»، خبراً عن هَمَّام بْن الْحَارِثِ النَّخَعِي(1)؛ حيث يقول الْكُوفِيُّ الْفَقِيهُ: حَدَّثَ عَنْ عُمَرَ، وَعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، وَالْمِقْدَادِ بْنِ الْأَسْوَدِ، وَحُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ، وَجَمَاعَةٍ.

وَحدّث عَنْهُ: إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ، وَوَبَرَةُ بْنُ عَبْدِالرَّحْمَنِ، وَثَّقَهُ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ.

قَالَ ابْنُ سَعْدٍ: تُوُفِّيَ زَمَنَ الْحَجَّاجِ.

قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: كَانَ النَّاسُ يَتَعَلَّمُونَ مِنْ هَدْيِهِ وَسَمْتِهِ، وَكَانَ طَوِيلَ السَّهَرِ رَحِمَهُ اللَّهُ.

وعن حُصَيْن، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، أَنَّ هَمَّامَ بْنَ الْحَارِثِ كَانَ يَدْعُو: «اللَّهُمَّ اشْفِنِي مِنَ النَّوْمِ بِالْيَسِيرِ، وَارْزُقْنِي سَهَرًا فِي طَاعَتِكَ».

قَالَ: فَكَانَ لَا يَنَامُ إِلَّا هُنَيْهَةً وَهُوَ قَاعِدٌ(2).

تقدم هذه الرواية صورة نادرة عن طبيعة العلاقة بين الإنسان وربه في جيل الصحابة والتابعين؛ فهي ليست قصة عن تقليل ساعات النوم فحسب، ولا عن مجاهدة بدنية مجردة، بل عن جيل كان يرى الدعاء قوة تدخل في صميم تشكيل الإنسان.

كان همام بن الحارث من كبار التابعين الذين تربوا على آثار الصحابة، وأخذ عن رجال حملوا روح النبوة إلى الجيل التالي؛ فعاصر عمر بن الخطاب، وعمار بن ياسر، والمقداد بن الأسود، وحذيفة بن اليمان رضي الله عنهم، ثم نقل عنه إبراهيم النخعي وغيره، ولهذا فإن دعاءه ليس موقفًا فرديًا معزولًا، بل هو تعبير عن ثقافة كاملة عاشها ذلك الجيل: ثقافة ترى أن الإنسان لا يُصلح نفسه بقوته وحدها، وإنما يطلب من الله أن يعينه حتى على نفسه وعاداته وضعفه.

كيف حول همام بن الحارث الدعاءُ النوايا إلى تغيير عملي؟

تكشف عبارة همام: «اللَّهُمَّ اشْفِنِي مِنَ النَّوْمِ بِالْيَسِيرِ، وَارْزُقْنِي سَهَرًا فِي طَاعَتِكَ» عن تصور مختلف لمعنى الدعاء؛ فهمام لم يكن يدعو الله أن يمنحه أمرًا خارجًا عن طبيعة البشر، ولم يكن يطلب إلغاء حاجة الجسد، لكنه كان يسأل الله أن يعينه على ضبطها وتوجيهها.

اختار لفظة دقيقة: «اشفني»، والشفاء يكون من شيء يثقل الإنسان أو يمنعه من بلوغ غايته، فالنوم في ذاته ليس مذمومًا، بل هو من نعم الله التي جعلها للراحة والسكون، قال تعالى: (وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا) (النبأ:9)، لكن المشكلة في نظر همام لم تكن في أصل النوم، بل في الزيادة التي تأخذ من عمر الإنسان دون أن تعود عليه بقرب أو طاعة.

وهنا يظهر عمق الفهم: فالعبد الصالح لا يحارب الفطرة، لكنه يطلب من الله أن يرشده إلى أفضل استعمال لها، وكان هذا النهج امتدادًا لما تعلموه من وصايا النبي صلى الله عليه وسلم في طلب التوفيق والإعانة على العبادة، كما في وصيته لمعاذ بن جبل رضي الله عنه: «يَا مُعَاذُ إِنِّي لَأُحِبُّكَ»، فَقَالَ لَهُ مُعَاذٌ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللهِ وَأَنَا أُحِبُّكَ، قَالَ: «أُوصِيكَ يَا مُعَاذُ لَا تَدَعَنَّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ أَنْ تَقُولَ: اللهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ»، قَالَ: وَأَوْصَى بِذَلِكَ مُعَاذٌ: الصُّنَابِحِيَّ، وَأَوْصَى الصُّنَابِحِيُّ: أَبَا عَبْدِالرَّحْمَنِ، وَأَوْصَى أَبُو عَبْدِالرَّحْمَنِ: عُقْبَةَ بْنَ مُسْلِمٍ، في تراتبية تفيد بحرص أهل الحديث على التطبيق العملي والعلمي للحديث الذين حدثوا به.

كيف تصنع الاستعانة الإلهية عزيمة المجاهدة؟

لم يكن دعاء همام مجرد كلمات قالها ثم بقي كما كان، بل جاءت الرواية بعدها: «فَكَانَ لَا يَنَامُ إِلَّا هُنَيْهَةً وَهُوَ قَاعِدٌ»، وهذا هو المعنى الذي يميز دعاء ذلك الجيل؛ أنهم كانوا يرون الدعاء بداية تحول، لا نهاية حركة.

فالدعاء عندهم لم يكن بديلًا عن المجاهدة، بل كان مصدرها؛ كانوا يسألون الله القوة، ثم يبذلون أسبابها، وكانوا يعلمون أن القلوب بين يدي الله، وأن الإنسان قد يعجز عن تغيير نفسه بغير عون من ربه، قال تعالى: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا) (العنكبوت:69).

وهذا الاقتران الوثيق بين الدعاء والمجاهدة السلوكية نراه في سير العباد من معاصري همام، كقول صفوان بن سليم رحمه الله: «ما وفيتُ لله بالعهد إذن»(3) حين دُعي للاضطجاع بعد عقود قضاها في الصلاة ومغالبة عادات الجسد بالسهر والاستعانة بالدعاء، ويقول أهل المدينة: إنه نقبت جبهته من كثرة السجود(4).

تطبيقات التضرع الشرعي في تفاصيل الحياة اليومية

من أبرز الفروق بين تصور الرعيل الأول للدعاء وبين كثير من التصورات المعاصرة أن الدعاء عندهم كان حاضرًا في تفاصيل الحياة، لم يكن دعاءً يُستعمل فقط عند المصائب الكبرى، بل كان وسيلة للاستعانة على أدق شؤون النفس:

  • مقاومة الكسل.
  • إصلاح العادات.
  • الثبات على الطاعة.
  • طلب الزيادة في الخير.

ولهذا كانت أخبارهم تحمل شواهد كثيرة على أثر اليقين بالله في تجاوز المألوف؛ فقد شهد الصحابة والتابعون استجابة الأدعية في واقعهم الحي، كما في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لسعد بن معاذ رضي الله عنه: «اللَّهُمَّ سَدِّدْ رَمْيَتَهُ، وَأَجِبْ دَعْوَتَهُ»(5)، فكان سعد مستجاب الدعوة يرى الناس أثر يقينه ومناجاته في محطات حياتهم.

وليس معنى ذلك أن المؤمن يترك الأسباب أو يتحدى السنن، بل معناه أن الأسباب عندهم لم تكن مستقلة عن الله، وأن الدعاء كان أعظم سبب يتقدم به العبد إلى ربه.

من اليقين إلى استنفاذ كل الأسباب عاش ذلك الرعيل

تظهر هذه المعاني في سيرة خالد بن الوليد رضي الله عنه؛ فقد كان من أعظم القادة العسكريين، ومع ذلك كان يعلم أن النصر ليس بكثرة العدد ولا بقوة التخطيط وحدهما، وإنما بتوفيق الله واليقين به.

وهذه هي مدرسة الصحابة؛ جمعوا بين الإعداد الكامل والاعتماد الكامل على الله؛ ففي المشاهد الحاشدة كان خالد يضع أشد التكتيكات دقة ويُستفرغ الأسباب العسكرية، مع استغراق قلبه في التضرع وطلب الاستنصار من الله وحده، وتجلى هذا اليقين الصادق حين بعث أهل الحيرة عبد المسيح بن عمرو الغساني ومعه سم ساعة فطلب خالد السم وأخذه بيده ثم قال: «بِسْمِ اللَّهِ وَبِاللَّهِ رَبِّ الأَرْضِ وَالسَّمَاءِ، بِسْمِ اللَّهِ الَّذِي لاَ يَضُرُّ مَعَ اسْمِهِ دَاءٌ» ثم أكله، فلما رآه القوم لم يضره شيء، قال عبد المسيح: «يا قوم جئتكم من عند شيطان يأكل سم ساعة فلم يضره، صالحوهم»(6)، فالمؤمن لا يترك السيف لأنه يدعو، ولا يترك التخطيط لأنه يتوكل، بل يعلم أن الله أمره بالأسباب، وأمر قلبه أن يتعلق بمسبب الأسباب.

 وإن غابت الأسباب وانقطعت السبل فتذكر كتب السير والفتوح أخبارًا لأبي العلاء الحضرمي رضي الله عنه في مواقف شديدة، ظهرت فيها معاني التوكل واللجوء إلى الله؛ فعندما انقطعت الأسباب المادية بجيشه وسط الصحراء وقحط الماء، رفع يديه داعيًا: «يَا عَلِيمُ يَا حَلِيمُ يَا عَلِيُّ يَا عَظِيمُ اسْقِنَا»(7)، فأنشأ الله السحاب وأمطرهم، ثم لما اعترضهم الخليج ولم يجدوا سفنًا للعبور، دعا باليقين ذاته وتقحم البحر بخيله مع عسكره ومروا على متون الماء.

والعبرة في هذه الأخبار ليست مجرد الحدث العجيب، وإنما في العقلية التي صنعتها؛ فقد كان أولئك الرجال إذا نزل بهم أمر عظيم لم يكن أول سؤالهم: هل بقي لنا من القوة شيء؟ بل كان من أول ما يتوجهون به: هل بقي بيننا وبين الله حجاب؟ لقد عاشوا معنى قوله تعالى: (أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ) (النمل: 62).

سبب تحول المناجاة لطلب منفصل عن التغيير

المشكلة في زماننا ليست أن الناس لا يعرفون لفظ الدعاء، بل أن كثيرًا منهم فقدوا معناه العميق؛ فقد يتحول الدعاء عند البعض إلى طلب منفصل عن تغيير النفس:

  • يدعو الإنسان بالهمة، وهو لا يترك الكسل.
  • يدعو بالثبات، وهو لا يبتعد عن أسباب الفتنة.
  • يدعو بالصلاح، وهو لا يجاهد عاداته.

أما جيل همام فكان يفهم أن الدعاء عهد بين العبد وربه؛ إذا طلب العون استعد لحمل تبعاته، ولهذا حذر السلف من انقطاع العمل عن الطلب، كما جاء عن مالك بن دينار: «إذا طلب العبد العلم ليعمل به كسره عليه وإذا طلب العلم لغير ذلك زاده كبراً»(8)، فالدعاء والطلب لا يثمران إلا إن اقترنا بصدق الحركة والرجوع.

لماذا أثنى العلماء على سمت همام بن الحارث؟

قال ابن الجوزي عن همام بن الحارث: «كَانَ النَّاسُ يَتَعَلَّمُونَ مِنْ هَدْيِهِ وَسَمْتِهِ»، وهذه العبارة تكشف جانبًا مهمًا؛ فبعض الرجال يكون علمهم في أفعالهم قبل أقوالهم، كان همام يعلم الناس بطريقة حياته:

  • كيف يكون للإنسان هدف أعلى.
  • كيف تضبط الهمة الجسد.
  • كيف يصبح الوقت أمانة.

فالسمت الصالح هو العلم حين يتحول إلى هيئة ظاهرة، ولهذا قال إبراهيم النخعي رحمه الله مبيناً مسلك التابعين في التلقي: «كانوا إذا أتوا الرجلَ ليَأخُذوا عنه، نظَروا إلى هَدْيِه وسَمْتِه وصَلاتِه، ثم أخَذُوا عنه»(9)، فالسمت خبيئة الدعاء والعمل الصالح حين تفيض على الجوارح.

كيف يغير التوسلُ الشديدُ قلبَ السائل أولاً؟

قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الدُّعَاءُ هُوَ العِبَادَةُ»(10)، وسر ذلك أن الدعاء يجمع معاني العبودية كلها:

  • اعتراف العبد بفقره.
  •  إقراره بقدرة الله.
  • تعلق قلبه به.
  • حسن ظنه بربه.

ولهذا كان أعظم أثر للدعاء ليس فقط حصول المطلوب، بل تغير الإنسان الذي دعا، فهمام لم يطلب مجرد ساعات يقظة أكثر، بل طلب قلبًا أشد تعلقًا بالطاعة، ممتثلًا لنداء الحق: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ) (غافر: 60).

كيف جعل همام بن الحارث السلاح الشرعي قوة لمواجهة الحياة؟

ليست قصة همام قصة نوم وسهر فقط، بل قصة إنسان فهم أن العمر رأس مال، وأن العبد لا يستطيع حفظ هذا العمر إلا بعون الله، فدعا الله أن يعينه على غايته، فصار الدعاء جزءًا من إعادة تشكيل حياته.

وهنا تظهر الرسالة الكبرى من سيرته؛ أن الدعاء ليس بابًا نطرقه عند العجز فقط، بل قوة نستعين بها قبل العجز، وسلاح نبني به أنفسنا قبل أن نواجه الأحداث، لقد كان الرعيل الأول يعيشون مع الدعاء حتى رأوا آثاره في واقعهم، لأنهم لم يفصلوه عن العمل، ولم يجعلوه مجرد كلمات، بل جعلوه صلة حية بين السماء والأرض.

الهوامش
  • 1 همّام بن الحارث النخعي: تابعي جليل من كبار أصحاب عبد الله بن مسعود بالكوّفة، اشتهر بالعبادة والزهد والورع، ورواية الحديث والفقه والشدة في الأخذ بالسنّة، سكن الكوفة وتوفي بها سنة 65هـ (وقيل: 67 هـ).
  • 2 سير أعلام النبلاء (4/ 284).
  • 3 تهذيب الكمال في أسماء الرجال (13/ 190).
  • 4 المرجع السابق.
  • 5 الجامع، معمر بن راشد (11/ 238).
  • 6 الطب النبوي لأبي نعيم الأصفهاني (2/ 548/ 568).
  • 7 كرامات الأولياء للالكائي، من شرح أصول اعتقاد أهل السُّنة والجماعة للالكائي، ص162 (108).
  • 8 تاريخ دمشق لابن عساكر (56/ 434/ 7166).
  • 9 التمهيد، ابن عبد البر (1/ 240)، وأخرجه الدارمي في مسنده (421)، وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (2/ 16)، وابن حبان في المجروحين (1/ 23)، ومن طريقه الهروي في ذم الكلام (4/ 90/ 835).
  • 10 مسند أحمد (30/ 298/ 18352)، وأخرجه ابن المبارك في «الزهد» (1299)، والطبراني في «الدعاء» (1)، والبغوي في «شرح السُّنة» (1384) من طرق عن سفيان، عن منصور، بهذا الإسناد.
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة