حين يصبح المصير دافعاً للعمل
خالد بن معدان.. دروس في الواجب والموت والقدوة
يروي الإمام
الذهبي، في «سير أعلام النبلاء»، خبرًا عن خالد بن معدان(1)؛ حيث قَالَ
صَفْوَانُ بْنُ عَمْرٍو: كَانَ خَالِدُ بْنُ مَعْدَانَ إِذَا أُمِرَ النَّاسُ
بِالْغَزْوِ كَانَ فُسْطَاطُهُ أَوَّلَ فُسْطَاطٍ بِدَابِقَ.
وَقَالَ أَبُو
أُسَامَةَ: كَانَ الثَّوْرِيُّ إِذَا جَلَسْنَا مَعَهُ إِنَّمَا يُسْمَعُ «الْمَوْتَ
الْمَوْتَ»، فَحَدَّثَنَا عَنْ ثَوْرٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، قَالَ: لَوْ
كَانَ الْمَوْتُ عَلَمًا يُسْتَبَقُ إِلَيْهِ مَا سَبَقَنِي إِلَيْهِ أَحَدٌ،
إِلَّا أَنْ يَسْبِقَنِي رَجُلٌ بِفَضْلِ قُوَّةٍ، قَالَ: فَمَا زَالَ
الثَّوْرِيُّ يُحِبُّ خَالِدَ بْنَ مَعْدَانَ مُذْ بَلَغَهُ هَذَا عَنْهُ.
وعن الْوَلِيد
بْن مُسْلِمٍ، عَنْ عَبْدَةَ بِنْتِ خَالِدٍ، قَالَتْ: قَلَّمَا كَانَ خَالِدٌ
يَأْوِي إِلَى فِرَاشِهِ إِلَّا وَهُوَ يَذْكُرُ شَوْقَهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِلَى أَصْحَابِهِ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ
وَالْأَنْصَارِ، ثُمَّ يُسَمِّيهِمْ وَيَقُولُ: هُمْ أَصْلِي وَفَصْلِي، وَإِلَيْهِمْ
يَحِنُّ قَلْبِي، طَالَ شَوْقِي إِلَيْهِمْ، فَعَجِّلْ رَبِّ قَبْضِي إِلَيْكَ، حَتَّى
يَغْلِبَهُ النَّوْمُ وَهُوَ فِي بَعْضِ ذَلِكَ(2).
تفتح هذه
المشاهد الثلاثة باباً واسعاً لفهم شخصية خالد بن معدان الكلاعي الحمصي، أحد أئمة
التابعين بالشام؛ خيمة تُضرب قبل خيام الناس، وكلمة تكشف عن استعداد عجيب للموت،
وليالٍ ينتهي بعضها بالشوق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والمهاجرين والأنصار،
ولا تكمن قيمة هذه النصوص في أنها تجمع ثلاث فضائل متفرقة، بل في أنها ترسم خطًا
واحدًا ممتدًا من الميدان العام إلى العالم الداخلي؛ المبادرة في النهار، واستحضار
الآخرة في الوعي، والشوق في خلوة الليل.
دلالة الخيمة الأولى.. العمل قبل مطالبة الآخرين
لا يمكن فهم قول
صفوان بن عمرو: «كان فسطاطه أول فسطاط بدابق» إذا قُرئ بوصفه مجرد خبر عن سرعة رجل
في نصب خيمته، فدابق في ذلك العصر كانت موضعًا عسكريًا معروفًا قريبًا من الثغور
الشمالية، وتذكر المصادر التاريخية أنها صارت مجمعًا للعساكر الخارجة في الصوائف،
وأن معاوية رضي الله عنه نقل معسكر البعوث إليها لقربها من الثغور، وهنا تتغير
دلالة «أول فسطاط»، خالد ليس رجلًا جاء بعد اكتمال الجمع ليحدث الناس عن فضيلة
البذل، بل تصفه الرواية بأن خيمته كانت حاضرة قبل غيرها، والتعبير ينقل معنى
تربويًا كبيرًا: هناك فرق بين من يدعو إلى الواجب، ومن يجعل جسده ووقته أول ما يصل
إلى موضع الواجب.
والقرآن يربط
صدق الإرادة بالإعداد السابق للفعل، فيقول سبحانه: (وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً) (التوبة:46)، فالإرادة الصادقة لا تظهر فقط في حرارة الخطاب، بل في الاستعداد الذي
يسبق ساعة العمل، ومن هذه الزاوية يصبح «أول فسطاط» وصفًا لمنهج كامل؛ فالقائد في
الأسرة أو المؤسسة أو ميدان الدعوة لا يصنع أثره بكثرة مطالبة الآخرين بالتقدم
بينما يتأخر هو؛ لأن المبادرة نفسها خطاب قائم بذاته، وقد ينسى الناس عشرات
الكلمات، لكنهم لا ينسون غالبًا من وجدوه في المكان قبل أن يصلوا.
وقد تجسدت هذه
المبادرة العملية في أبهى صورها حين كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينقل التراب
بنفسه في الخندق حتى وارى الترابُ جلدة بطنه الشريفة(3) ليسبق أصحابه
إلى العمل قبل الموعظة، وهذا المعنى ينسجم مع خبر آخر في ترجمة خالد؛ فقد رُوي عنه
أنه كان إذا عظمت حلقته قام «كراهة الشهرة»، وهنا تظهر مفارقة دقيقة: يسبق إلى
موضع التكليف، ويتأخر عن موضع الشهرة، وليس كل من يحب الصف الأول في العمل يحب
الصف الأول في الظهور.
كيف حول استحضار الموت إلى دافع للعمل؟
المشهد الثاني
أعمق من أن يختصر في وصف خالد بالشجاعة المجردة؛ فهو يقول: «لو كان الموت عَلَمًا
يُستبق إليه ما سبقني إليه أحد؛ إلا أن يسبقني رجل بفضل قوة»، والـ «عَلَم» هنا
يُفهم بمعنى الشاخص المنصوب الظاهر الذي يقصده المتسابقون؛ وكأن الموت في خياله
تحول من مجهول يتراجع الإنسان أمامه إلى غاية معلومة يقع بعدها ما كان المؤمن يؤمن
به من لقاء الله والدار الآخرة.
لكن هذا النص
ينبغي أن يُقرأ في ميزان النصوص الشرعية، حتى لا يتحول الشوق إلى الموت إلى قيمة
منفصلة عن أسبابها، فقد ثبت في الحديث المتفق عليه عن النبي صلى الله عليه وسلم
قوله: «مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ»(4)، وبين
المعاني مساحة مهمة؛ ليس المقصود تمجيد الهروب من الحياة أو التخلص من أعبائها، بل
فهم الحالة الإيمانية التي يصغر معها الخوف من النهاية حين يمتلئ القلب باليقين
فيما بعدها.
ولهذا، فإن
قراءة كلمة خالد بوصفها حالة انسحاب من العالم قراءة غير دقيقة؛ فالذي تسمح به
المادة التاريخية واضح: أن خالدًا كان شديد استحضار الموت، شديد الشوق إلى الآخرة،
وأن هذا الاستحضار لم يمنعه من الحضور المبكر في ميدان العمل، وهو ما يذكر بموقف
الصحابي عبد الله بن رواحة رضي الله عنه في غزوة مؤتة، حين استبق الموت ويقين
الشهادة مشجعاً المسلمين بقوله: «يا قوم، والله إن التي تكرهون للتي خرجتم تطلبون:
الشهادة»(5)، فذكر الموت الذي يشل الإنسان ليس كذكر الموت الذي يعيد
ترتيب أولوياته؛ الأول يقود إلى ترك العمل، أما الثاني فيدفع إلى ألا يؤجل المرء
خيرًا يقدر عليه.
سر محبة سفيان الثوري لرجل لم يلقه
تضيف الرواية
تفصيلًا يستحق الوقوف: «فما زال الثوري يحب خالد بن معدان مذ بلغه هذا عنه»، سفيان
الثوري لم يعاصر كل مشاهد حياة خالد بن معدان على نحو مباشر، لكن جملة واحدة كانت
كافية لتكشف له شيئًا من معدن الرجل، وهذا من أسرار الكلمات الصادقة في تراجم
السلف؛ فقد تختصر العبارة الواحدة تاريخًا من المجاهدة الداخلية لا يظهر للناس، ولعل
اللافت أن أبا أسامة يصف مجالس الثوري بقوله: «إنما يُسمع: الموت، الموت»، أي أن
المعنى لم يبق خبرًا تاريخيًا يرويه سفيان عن رجل مضى، وإنما تحول إلى أثر حي في
شخصيته ومجالسه.
وهنا تظهر صورة
لانتقال التربية بين الأجيال؛ فالأحوال الإيمانية تنتقل بالقدوة والأخبار والكلمات
التي تصيب موضعًا حيًا في القلب، وقد لا يلتقي المتأخر بالمتقدم، ومع ذلك يصنع رجل
مات منذ سنوات جزءًا من التكوين الروحي لمن بعده.
وهذا ما نراه
جلياً في أثر موعظة عمر بن عبدالعزيز المذكرة بالموت في نفس مَن استمع إليه، حين
سمع: «لكل سفر زاد لا محالة، فتزودوا لسفركم من الدنيا إلى الآخرة التقوى، وكونوا
كمن عاين ما أعد الله له من عذابه وثوابه، فترغبوا، أو ترهبوا، ولا يطولن عليكم
الأمد، فتقسو قلوبكم، وتنقادوا لعدوكم؛ فأنه والله ما بسط أمل من لا يدري لعله لا
يمسي بعد إصباحه، ولا يصبح بعد إمسائه، وربما كانت له بين ذلك خطرات المنايا؛
وإنما يطمئن من وثق بالنجاة من عذاب الله، وأهوال يوم القيامة، فأما من لا يداوي
من الدنيا كلماً إلا أصابه جارح من ناحية أخرى، فكيف يطمئن؟!
أعوذ بالله أن
آمركم بما أنهى عنه نفسي، فتخسر صفقتي، وتبدو مسكنتي في يوم لا ينفع فيه إلا الحق
والصدق، ثم بكى حتى ظننا أنه قاض نحبه، وارتج المسجد وما حوله بالبكاء والعويل
كلامه وبكى بكاءً شديداً»، ثم انصرف عالما بأن عمر بن عبدالعزيز رجلٌ آخِرِيٌّ
وليس دنيوي ولا يحسن معه مع الخلفاء من مديح بل قصائد بل بذكر الآخرة(6).
فصناعة الإنسان
لا تتحقق بالمعلومات المجردة؛ قد يعرف الطالب عشرات الأحكام، لكنه يحتاج إلى رؤية
نماذج بشرية تجسد المعاني حتى يتصور إمكان عيشها.
الخلوة قبل النوم.. الاختبار الحقيقي لصدق خالد بن معدان
ثم تنتقل
الرواية الثالثة من المعسكر ومجالس العلماء إلى موضع لا تصل إليه أعين الناس:
الفراش، والراوية هنا هي عبدة بنت خالد بن معدان، وهذا التفصيل محوري؛ لأن أخبار
البيوت تختلف بطبيعتها عن الأخبار العامة، الخارج يرى العالم في مجلسه، ويراه
أصحابه في السفر والعمل، أما أهل بيته فيرون ما يبقى منه حين ينصرف الجمهور وتغيب
الحاجة إلى صناعة صورة اجتماعية، تقول عبدة: «قلما كان يأوي إلى فراشه إلا ويذكر
شوقه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه من المهاجرين والأنصار، ثم يسميهم،
ويقول: هم أصلي وفصلي، وإليهم يحن قلبي».
وقد بلغ اهتمام
العلماء بهديه الخاص أن الأوزاعي لما علم أن لخالد ابنة قال لمن حوله: ائتوها
فاسألوها عن هدي أبيها، وهي لفتة علمية وتربوية بالغة الدلالة؛ فبعض جوانب الإنسان
لا تحفظها المنابر، وإنما يحفظها البيت، وفي الحياة الخاصة يكمن أشد اختبارات
الصدق؛ ما يفعله الإنسان حين لا ينتظر تصفيقًا، وما يردده حين يخلو بنفسه، وما
يشغل قلبه قبل النوم، أصدق في وصفه من كثير مما يقوله أمام الجمهور، وهو ما يماثل
شهادة أم عمر بن المنكدر التي كانت تشهد لابنها بطول القيام والبكاء في خلوة الليل(7)،
أو ما ظهر من حال علي بن الحسين بعد وفاته حين اكتشفوا الآثار السوداء على ظهره من
كثرة حمل أكياس الدقيق سراً لفقراء المدينة في ظلام الليل(8).
كيف تصنع محبة الصحابة هوية الإنسان الداخلية؟
عبارة خالد بن
معدان عن المهاجرين والأنصار: «هم أصلي وفصلي» من أكثر العبارات كثافة، وخالد بن
معدان؛ كِلاعي النسب، حمصي الدار، يعيش في مجتمع ما تزال الروابط القبلية فيه
شديدة الحضور، ومع ذلك نجده يستخدم مفردات الأصل والفصل في التعبير عن صلته بجيل
الصحابة، ولا يلزم من ذلك إلغاء نسبه القبلي، بل هي لغة محبة وانتساب معنوي: هؤلاء
هم الجماعة التي يرى فيها نموذجه الأعلى، ومنها يستمد تصوره للدين والحياة.
وهذا المعنى له
أصل قرآني؛ إذ جعل الله رابطة الإيمان رابطة جامعة فقال سبحانه: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ)
(الحجرات: 10)، وبهذا تصبح عبارة خالد سؤالًا يتجاوز زمنه: من هم «أصل»
الإنسان المعنوي اليوم؟ بمن يقيس نفسه؟ ومن هي الشخصيات التي يكثر ذكرها حتى تصنع
تصوراته وطموحاته وأخلاقه؟ والإنسان يتشكل بالنظائر التي يختارها؛ ولهذا لما جاء
نفر ينالون من الصحابة أمام علي بن الحسين، تلا عليهم آيات السابقين وبين أن
الانتماء المباشر والدين يتجلى في محبة المهاجرين والأنصار وموالاتهم(9)،
فالتربية تشمل تقديم الرجال والنساء الذين تجسدت فيهم القيم بصورة تجعل الاقتداء
ممكناً.
خطأ الخلط بين الحزم الإداري والجفاف العاطفي
حين توضع
الروايات الثلاث متجاورة يظهر ملمح في الشخصية: ليس ثمة تعارض بين القوة والرقة، الرجل
الذي كان فسطاطه أول فسطاط في موضع الغزو هو نفسه الذي تصفه ابنته وهو على فراشه
يردد أسماء أحباب رحلوا قبله ويطيل الشوق إليهم حتى يغلبه النوم، وهذه الثنائية
مهمة؛ لأن بعض الصور الشائعة تفترض أن القوة تستلزم جفافًا عاطفيًا، أو أن رقة
القلب لا تجتمع مع تحمل الأعباء الكبيرة، أما هذا المشهد فيقدم تركيبًا متوازناً:
قوة في موضع العمل، ورقة في موضع المحبة.
وقد ظهرت هذه
المعادلة بأجل صورها في الجمع بين رقة قلب أبي بكر الصديق رضي الله عنه وبكائه،
وبين صلاؤه وشهر سيفه شجاعة وثباتاً يوم بدر وحنين، فالصلابة والرحمة ليستا طرفي
معادلة يستبعد أحدهما الآخر؛ وإنما الفضيلة أن يعرف الإنسان أين توضع كل واحدة
منهما، فالأب أو المعلم أو القائد الذي يتصور أن الحزم يعني إخفاء كل شعور قد ينتج
بيئة قاسية، ومن يتصور أن الرحمة تعني سقوط التكليف قد ينتج بيئة رخوة، أما النضج
فهو أن يكون القلب حيًا من غير أن يعطل الواجب، وأن يكون الواجب حاضرًا من غير أن
يميت القلب.
ماذا تكشف الدقائق الأخيرة قبل النوم عنك؟
تفصيل آخر في
رواية عبدة لا ينبغي المرور عليه سريعاً؛ كان خالد يستمر في ذكر شوقه «حتى يغلبه
النوم وهو في بعض ذلك»، إن آخر ما يشغل الإنسان قبل نومه يكشف غالبًا عما استقر في
وجدانه خلال يومه، وما يتكرر حتى يصير عادة قبل النوم يتحول إلى جزء من البناء
الداخلي للشخصية، والمبدأ التربوي ظاهر؛ ما الذي نسمح له أن يحتل المساحة الأخيرة
من وعينا كل ليلة؟
في زمن تذهب فيه
الدقائق الأخيرة قبل النوم عند كثير من الناس بين الأخبار والشاشات، يصبح هذا
المشهد شديد المعاصرة، السؤال الأهم: إلى أين يتجه القلب عندما تسكت ضوضاء اليوم؟
ما كان خالد يفعله في تلك اللحظة يبين أن الهوية الإيمانية تحتاج إلى تغذية هادئة
متكررة، وهو الشغف نفسه الذي نجده في حال علي بن أبي طالب رضي الله عنه وحرصه على
أذكار وورد النوم التي تعلمها من النبي صلى الله عليه وسلم، حيث حافظ عليها ولم
يتركها حتى في أشد ليالي الحرب في «صفين»(10)، فالإنسان يتشكل بما يكرر
النظر فيه والتفكير فيه والمحبة له.
خطأ تحويل ذكر الموت إلى ذريعة للكسل
إذا جُمعت
الخيمة الأولى مع سباق الموت وشوق الفراش ظهر المعنى المركزي في هذه الترجمة:
الآخرة عند خالد لم تكن بديلًا عن العمل، وإنما كانت القوة التي تعطي العمل اتجاهه،
وهذا التفريق يحمي الخطاب التربوي من انحرافين: أن يتحول الحديث عن الدنيا
والإنجاز إلى غاية مكتفية بذاتها فيضيع سؤال المصير، أو أن يتحول الحديث عن الآخرة
إلى ذريعة للكسل وتعطيل المسؤوليات.
أما النموذج
الماثل في هذه الأخبار فهو رجل شديد التعلق بما بعد الموت، لكنه حين صدر الأمر
بالعمل كان فسطاطه في المقدمة، ونظير هذا ما كان من حال عمر بن عبد العزيز الذي
كان يبكي من خشية الله ويتذكر القبر حتى يغشى عليه(11)، ومع ذلك كان من
أسرع الناس حركة في إدارة الخلافة، يرد المظالم، ويقيم العدل، ويقود شؤون الأمة
ولا يلذ بعيش ولا يطيب له شيء بما يحمله من هم(12)، فالآخرة تضبط وجهة
الحركة، لكنها لا تستلزم الانسحاب من مجال الحركة نفسه، ومن هنا ينبغي فهم الزهد:
ليس الزاهد أقل الناس عملًا، بل قد يكون أسرعهم إلى العمل وأخفهم تعلقًا وثقلاً
بثمرته الدنيوية، ينصب الخيمة أولًا، ثم لا يجعل الخيمة وطنه الأخير.
كيف يضبط الواجب والقدوة والمصير مسار الإنسان؟
إذا أردنا
اختزال البناء الذي تكشفه النصوص الثلاثة، أمكن رؤيته في ثلاث دوائر متداخلة:
- دائرة الواجب:
يمثلها «أول فسطاط» (ماذا أفعل حين يحين وقت العمل؟).
- دائرة المصير:
يمثلها قوله في الموت «لو كان الموت علماً يستبق إليه ما سبقني إليه أحد» (إلى أين
أرى أنني ذاهب؟).
- دائرة القدوة
والمحبة: يمثلها قوله عن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة «هم أصلي وفصلي» (بمن
أريد أن ألحق، ومن يشكل معياري الداخلي؟).
وحين تستقيم هذه
الدوائر الثلاث يتغير سلوك الإنسان؛ فمن يعرف واجبه لكنه يفقد المعنى يتحول إلى
آلة عمل منهكة، ومن يستحضر المصير من غير واجب ينزلق إلى عزلة عقيمة، ومن يمتلئ
بالإعجاب بالنماذج من غير أن يترجم الإعجاب إلى فعل يعيش في عالم الأمنيات، وتتجلى
هذه الدوائر في موقف سعد بن معاذ والمقداد بن عمرو يوم بدر؛ إذ اجتمع عندهم أداء
الواجب الميداني، مع إدراك المصير الأخروي، بالاقتداء واللحوق بالنبي صلى الله
عليه وسلم(13)، فتجمعت الجهات الثلاث: نموذج يُحب، وآخِرة يُشتاق
إليها، وعمل يُبادر إليه.
كيف تتحول القصة التاريخية إلى قوانين إنسانية؟
ليس المقصود من
قراءة هذه الترجمة تقليد التفاصيل التاريخية خارج سياقاتها، وإنما قيمة التراجم
تكمل في كشف القوانين الإنسانية وراء التفاصيل، «أول فسطاط» يمكن أن يكون اليوم
أول حضور صادق عند حاجة أسرة أو مجتمع أو مؤسسة، وأن يكون صاحب الفكرة أول من يحمل
كلفتها قبل أن يطلبها من غيره، و«الموت الموت» لا يعني صناعة خطاب قاتم، بل
استعادة حقيقة النهاية حتى لا تستولي التفاصيل الصغيرة على حجم أكبر من حجمها.
و«هم أصلي
وفصلي» دعوة إلى مراجعة الأسماء التي تسكن المخيلة؛ لأن الإنسان يتجه ببطء نحو من
يعظمهم ويكثر النظر في سيرهم، أما مشهد الفراش فيذكر بأن للإنسان حياة باطنة تحتاج
إلى بناء كما تحتاج صورته العامة إلى بناء، وهذا الامتداد الميداني هو ما قصده
الصديق أبو بكر حين أوصى يزيد بن أبي سفيان بالعمل الصالح ومباشرة المهام ومشى معه
يودعه قائلاً إنه يحتسب خطواته هذه في سبيل الله(14).
أصدق الاستعداد للرحيل.. أداء الواجب وانتظار اللقاء
ترتكز زاوية
المعالجة في سيرة خالد بن معدان على «معادلة التوازن التام بين صلابة الميدان ورقة
الوجدان»؛ فهو نموذج يكسر التضاد الموهوم بين العمل الدنيوي الميداني والتعلق
الأخروي.
تتلخص هذه الشخصية في ثلاث صور متكاملة تفسر إحداها الأخرى: رجل يسبق الناس إلى معسكر التكليف، ورجل يتحدث عن الموت كغاية معلومة ينتظرها بيقين، ورجل تأخذه غلبة النوم وهو يذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ويتمنى اللحاق بهم، فمن كان يرى الدنيا مرحلة لم يحتج إلى كثير دفع كي يبادر فيها إلى الخير، ومن اختار لنفسه نماذج عالية لم يرض بسهولة بحياة بلا معنى، ومن امتلأ قلبه بالشوق لم تكن صلابته في الخارج دليل قسوة، وهذه هي العبرة الكبرى: أن قوة الإنسان تقاس بالوجهة التي يحمل إليها نفسه؛ وأن أصدق الاستعداد للرحيل ليس ترك الحياة، بل أداء الواجب فيها حتى إذا جاء الأجل وجد المرءُ خيمته منصوبة في ميدان التكليف، وقلبه متعلقاً بما عند الله.
الهوامش
- 1 خالد بن معدان بن أبي كرب الكلاعي، أبو عبد الله الحمصي، إمام ومفتٍ من كبار وثقات التابعين في الشام، اشتهر برواية الحديث الشريف وسعة الفقه، وعُرف بالزهد وكثرة العبادة والتسبيح، إلى جانب مشاركته في الجهاد والغزو، سكن مدينة حمص، وتوفي بها سنة 103هـ.
- 2 سير أعلام النبلاء (4/ 537).
- 3 صحيح البخاري (4/ 1506/ 3878).
- 4 صحيح البخاري (5/ 2387/ 6143).
- 5 سيرة ابن هشام (2/ 375).
- 6 مختصر تاريخ دمشق (21/ 157).
- 7 صفة الصفوة (1/ 380/ 180).
- 8 الطيوريات (2/ 256/ 176)، وقال أبو طاهر: أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء (3/ 136) من طريق مُحَمَّد بْن عَبْدِاللَّهِ الْحَضْرَمِي، عن عثمان بن أبي شيبة به.
- 9 فضائل الصحابة للدارقطني (62/ 36).
- 10 صحيح البخاري (5/ 2051/ 5047).
- 11 المعرفة والتاريخ (1/ 584).
- 12 المرجع السابق.
- 13 البداية والنهاية (3/ 320).
- 14 موطأ مالك (3/ 635/ 1627).
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً