«طوفان الأقصى».. قراءة بميزان حركة التاريخ لا بحساب الخسائر
لكي نفهم ما
يجري في فلسطين فهمًا صحيحًا، لا بد أولًا من تحديد طبيعة القضية تحديدًا دقيقًا،
فنحن لسنا أمام مواجهة عسكرية عادية تبدأ في بضعة أشهر أو سنوات وتنتهي، وإنما
أمام احتلال طويل الأمد يستهدف الأرض والإنسان والذاكرة والمقدسات من جهة، وشعب
يسعى إلى حماية وجوده وأرضه وهويته ومستقبله من جهة أخرى، ومن ثم فإن تاريخ القضية الفلسطينية هو، في جوهره، تاريخ الصراع الممتد بين الاحتلال والمقاومة التي يفرزها
هذا الاحتلال.
وما دام
الاحتلال قائمًا، فإن المقاومة تظل ظاهرة تاريخية واجتماعية تتجدد في صور مختلفة؛
فتكون عسكرية حينًا، وسياسية حينًا، وقانونية وثقافية واقتصادية ومجتمعية أحيانًا
أخرى، وقد تتراجع في جيل لتنهض بقوة في جيل آخر؛ لأن الاحتلال لا يريد السيطرة على
الأرض وحدها، وإنما يسعى كذلك إلى السيطرة على ذاكرة الإنسان وإرادته وتصوره
للمستقبل، أما المقاومة فهي، في جوهرها، إرادة شعب يقول: "ما زلت هنا".
وبالطبع فإن هذا
التوصيف لا يُلغي المبادئ الأخلاقية والشرعية المتعلقة بحرمة المدنيين أثناء
الحروب؛ فالشريعة الإسلامية لا تجيز استهداف الأطفال والنساء ومن لا يشاركون
مباشرة في القتال استهدافًا متعمدًا، غير أن هذا المبدأ الأخلاقي لا يقتضي مساواة
المحتل بمن وقع عليه الاحتلال، ولا مساواة المنظومة المعتدية بالشعب الذي يقاومها،
من الناحيتين التاريخية والسياسية، وفي هذا الإطار التاريخي الكبير ينبغي أن نقرأ
طوفان الأقصى.
نقطة تحول في تاريخ فلسطين
كان طوفان
الأقصى، الذي بدأ في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، من حيث نتائجه وآثاره،
واحدًا من أهم المنعطفات في تاريخ فلسطين الحديث، فقد تعرضت العقيدة الأمنية
الإسرائيلية، والقدرة الاستخباراتية، ومنظومة الردع، وصورة «الجيش الذي لا يُقهر»
لهزة لم يسبق لها مثيل.
ثم جاءت الحرب
المدمرة على غزة لتفرض على الشعب الفلسطيني ثمنًا فادحًا؛ فقد استشهد عشرات
الآلاف، وأصيب أضعافهم، وتمزقت أسر، وتحولت مدن وأحياء كاملة إلى أنقاض، وتعرضت
المستشفيات والمدارس والجامعات والمساجد والبنية التحتية الأساسية لدمار هائل.
ولا يمكن الحديث
عن طوفان الأقصى من غير رؤية هذه الحقائق والإقرار بها، فالخسائر في الجانب
الفلسطيني حقيقية، وكبيرة، ومؤلمة إلى أبعد الحدود، لكن حصيلة الحروب والتحولات
التاريخية الكبرى لا تُحسب بالخسائر المادية الراهنة وحدها.
والقرآن الكريم
يمنح المؤمنين في مثل هذه اللحظات أفقًا أوسع للنظر والتقدير، فيقول تعالى: ﴿إِن
تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ ۖ وَتَرْجُونَ
مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾ [النساء: 104]. فالآية لا تنكر الألم، بل تقرر
صراحة أن الطرفين يتألمان، لكنها بعد ذلك تكشف عن فارق جوهري: ﴿وَتَرْجُونَ مِنَ
اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾. ومن هنا يبدأ الفرق بين الحساب المادي المجرد،
والحساب الإيماني التاريخي الأشمل.
من أكبر خسائر إسرائيل: تآكل الشرعية
لم تتعرض
إسرائيل بعد طوفان الأقصى لهزة عسكرية وأمنية فحسب؛ بل لعل الخسارة الأطول أثرًا
تمثلت في التآكل الكبير الذي أصاب شرعيتها الأخلاقية والسياسية في نظر قطاعات
واسعة من العالم، فعلى مدى عقود طويلة، قُدمت إسرائيل إلى الرأي العام الغربي، إلى
حد كبير، بوصفها «دولة ديمقراطية تدافع عن نفسها»، لكن مشاهد غزة، والدمار الشامل،
والجوع، والنزوح القسري، وسقوط المدنيين، دفعت قطاعات أوسع من الرأي العام العالمي
إلى إعادة النظر في هذه الرواية.
والأهم من ذلك
أن القضية انتقلت من الشوارع والميادين إلى مؤسسات القانون الدولي، فقد رفعت جنوب
أفريقيا قضية ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية بموجب اتفاقية منع جريمة
الإبادة الجماعية، وأصدرت المحكمة تدابير مؤقتة، كما تدخلت دول عديدة، من بينها
تركيا، في القضية، وأصدرت المحكمة الجنائية الدولية في 21 نوفمبر/تشرين الثاني
2024 مذكرتي توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع
السابق يوآف غالانت، في إطار اتهامات تتعلق بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
ولكل واحد من
هذه المسارات حدوده القانونية التي ينبغي مراعاتها عند تقييمه، لكن دلالتها
السياسية والتاريخية واضحة: لغة القانون الدولي تجاه القضية الفلسطينية قد تغيرت،
فبعد أن كان الفلسطيني هو الذي يُوضع باستمرار في «قفص الاتهام»، أصبحت سياسات
إسرائيل نفسها موضوعًا للمساءلة أمام أعلى المؤسسات القضائية الدولية، وهذا تحول
لا يجوز التقليل من أهميته.
ضمير جديد ينهض من الجامعات
كان من أكثر
نتائج طوفان الأقصى لفتًا للنظر حركة التضامن مع فلسطين التي اجتاحت جامعات
العالم.
فمن كولومبيا
إلى هارفارد، ومن ييل إلى جامعة نيويورك، مرورًا بجامعات أوروبا وكندا وأستراليا
وغيرها، نهض الطلاب من أجل غزة. وأصدر الأكاديميون البيانات، وأقام الطلاب مخيمات
الاعتصام، وطالبوا جامعاتهم بالكشف عن استثماراتها المرتبطة بإسرائيل واقتصاد
الحرب وسحب هذه الاستثمارات.
ولم تكن هذه
الحركة حركة طلاب مسلمين وحدهم؛ فقد وقف اليهود والمسيحيون والمسلمون والملحدون
وأصحاب الرؤى الفكرية المختلفة في ساحات واحدة دفاعًا عن فلسطين، وهو ما كشف عن
تحول القضية، متجاوزة الحدود الدينية والعرقية، إلى قضية عالمية للعدالة.
وهؤلاء الشباب
سيكون بعضهم أكاديميي الغد وصحفييه وقانونييه ودبلوماسييه ونوابه وقادته
السياسيين؛ ولذلك ربما لا نرى النتائج السياسية الحقيقية للوعي الفلسطيني الذي
يتشكل اليوم في ساحات الجامعات إلا بعد عشر سنوات أو عشرين سنة.
المقاطعة تعود فعلًا أخلاقيًّا عالميًّا
ومن آثار حرب
غزة أنها منحت حركة المقاطعة القائمة منذ سنوات زخمًا جديدًا، فقد حوّل ملايين
البشر في مناطق مختلفة من العالم اختياراتهم الاستهلاكية إلى موقف سياسي وأخلاقي،
وتعرضت الشركات التي يُنظر إليها بوصفها داعمة لإسرائيل أو مرتبطة باقتصادها لضغوط
شعبية، وأعلنت بعض الشركات الدولية أن حملات المقاطعة، ولا سيما في البلدان
الإسلامية، أثرت في مبيعاتها، وهكذا وجد الإنسان العادي جوابًا جديدًا عن سؤال:
"ماذا أستطيع أن أفعل؟".
وأصبح يدرك أن
السلعة التي يشتريها، والعلامة التجارية التي يستخدمها، والصندوق الذي يستثمر فيه،
والعلاقات التي تقيمها جامعته، بل حتى اختياراته الثقافية، يمكن أن تحمل دلالة
سياسية وأخلاقية، وبذلك خرجت فلسطين من كونها مجرد ملف في السياسة الخارجية
للحكومات، وأصبحت جزءًا من الاختيار الأخلاقي اليومي لملايين البشر.
قطار التطبيع غيّر مساره
قبل السابع من
أكتوبر كان المشهد الذي يراد تشكيله في المنطقة واضحًا إلى حد بعيد: تُدفع القضية
الفلسطينية تدريجيًّا إلى الهامش، وتتوسع دائرة التطبيع العربي الإسرائيلي، ومع
مرور الزمن تتراجع فلسطين في ذاكرة شعوب المنطقة واهتماماتها.. جاء طوفان الأقصى
فوجه ضربة شديدة لهذا السيناريو.
فقد تعطل، على
وجه الخصوص، مسار التطبيع الذي كان متوقعًا بين بعض البلاد العربية وإسرائيل،
واتضح أن بناء منظومة إقليمية شاملة تتجاوز القضية الفلسطينية أو تتجاهل حقوق
الشعب الفلسطيني ليس أمرًا بالسهولة التي كان يُتصور بها.
كما ظهر أن
التطبيع لا يكتمل بمجرد توقيع الاتفاقيات بين الدول؛ فالحكومات تستطيع إقامة
علاقات دبلوماسية، لكنها لا تستطيع بالسهولة نفسها التحكم في ذاكرة الشعوب
وضمائرها ووعيها التاريخي.
لقد أعادت غزة
فلسطين إلى مقدمة المشهد العربي والإسلامي، بعد أن سعت مشروعات كثيرة إلى إخراجها
منه.
الفنانون والرياضيون والشخصيات العالمية
وفي هذه المرحلة
كسر كثير من الأشخاص العاملين خارج المجال السياسي حاجز الصمت، فاتخذ فنانون
وممثلون وكتاب ورياضيون وأكاديميون وشخصيات يتابعها الملايين مواقف واضحة تجاه
غزة، ودفع بعضهم ثمن ذلك في مسيرته المهنية، أو في عقود الرعاية، أو نتيجة ضغوط
إعلامية، ومع ذلك ظهر العلم الفلسطيني في الملاعب، والفعاليات الفنية، والمهرجانات
السينمائية، والحفلات الموسيقية، والميادين الكبرى في العالم.
وليس المهم هنا
أسماء الأشخاص بقدر أهمية التحول الثقافي نفسه: لقد أخذ التضامن مع فلسطين يخرج من
كونه موقفًا سياسيًّا هامشيًّا ليصبح واحدًا من أبرز قضايا الضمير العالمي.
دولة فلسطين تعود إلى قلب الأجندة الدولية
ومن النتائج
الاستراتيجية المهمة أيضًا التحول في المكانة الدولية لدولة فلسطين، ففي مايو/أيار
2024 أقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة، بأغلبية كبيرة، أن دولة فلسطين مؤهلة
لعضوية الأمم المتحدة، ودعت مجلس الأمن إلى إعادة النظر إيجابيًّا في مسألة
عضويتها، ثم اتسعت بعد ذلك الحركة الدبلوماسية باتجاه الاعتراف بدولة فلسطين.
وهكذا، وفي
الوقت الذي حاولت فيه إسرائيل سحق غزة بالقوة العسكرية، ازدادت - على نحو يحمل
مفارقة تاريخية واضحة - الرؤية السياسية والدبلوماسية لفلسطين على المستوى الدولي،
وتلك إحدى مفارقات التاريخ الكبرى: الحرب التي كان من شأنها تصفية القضية
الفلسطينية أعادت فلسطين إلى مركز السياسة الدولية.
سورية.. إحدى النتائج الكبرى للزلزال الإقليمي بعد طوفان الأقصى
ومن الخطأ أيضًا
حصر نتائج طوفان الأقصى داخل حدود غزة؛ فقد تعرض ميزان القوى في الشرق الأوسط كله
لاضطراب واسع بعد السابع من أكتوبر، فمن غزة إلى لبنان، ومن البحر الأحمر إلى
إيران، ومن سورية إلى منظومات التحالفات الدولية، بدأت بنية الإقليم تعيد تشكيل
نفسها، وكان أحد أهم التحولات التي وقعت في هذا السياق ما حدث في سورية.
ولا شك أن ربط
سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024 بطوفان الأقصى وحده لا يكون
تفسيرًا علميًّا دقيقًا؛ فالثورة السورية لها تاريخها الطويل، وكان هناك التآكل
الداخلي للنظام، واستعداد المعارضة، وانشغال روسيا بحرب أوكرانيا؛ فضلًا عن عوامل
أخرى كثيرة.
لكن من الصعب
كذلك إنكار أن الحرب الإقليمية التي أعقبت السابع من أكتوبر أحدثت تغيرًا كبيرًا
في موازين القوى الخارجية التي كانت تسند نظام الأسد، فقد أدى استنزاف قدرات
إيران، ولا سيما حزب الله، على جبهات أخرى إلى إضعاف جزء من البنية الإقليمية
الأمنية التي كان النظام يعتمد عليها.
ولهذا قرأت
تحليلات استراتيجية دولية سقوط نظام الأسد باعتباره أحد أبرز الارتدادات
الجيوسياسية الكبرى للزلزال الذي بدأ في المنطقة بعد السابع من أكتوبر، ومن هذه
الزاوية، لا يمكن قراءة تحرر الشعب السوري من النظام بمعزل كامل عن التحول
الإقليمي الكبير الذي انطلق بعد طوفان الأقصى.
تحولات في الاجتماع السياسي الأمريكي
وثمة تحول آخر
يجري على مستوى أعمق، ويتمثل في تغير الاجتماع السياسي في المجتمعات الغربية، ولا
سيما في الولايات المتحدة الأمريكية؛ فالمسلمون الذين ظلوا عقودًا طويلة على هامش
الحياة السياسية الأمريكية أصبحوا اليوم أكثر حضورًا بوصفهم فاعلًا سياسيًّا،
بدءًا من المجالس البلدية وإدارات الولايات، وصولًا إلى الكونغرس وإدارة المدن
الكبرى.
وكان من النماذج
اللافتة لهذا التحول انتخاب زهران ممداني عام 2025 أول عمدة مسلم لمدينة نيويورك،
وتحقيق غزالة هاشمي إنجازًا سياسيًّا مهمًا في فرجينيا بوصفها أول امرأة مسلمة
تفوز بمنصب منتخب على مستوى الولاية، وقبل ساعات حدث زلزال في أمريكا؛ حيث إن
المسلمة إلهان عمر تفوز بانتخابات الحزب الديمقراطي في مينيسوتا بنسبة تتجاوز 80%،
وترمب ينفجر غضبًا ويصرح أن الجهاديين يُنتخبون في كل مكان في بلدنا.
وبالطبع لا يصح
عدُّ هذه التطورات نتائج مباشرة لطوفان الأقصى؛ فالجاليات المسلمة في أمريكا راكمت
حضورها الاجتماعي والسياسي على مدى عقود، لكن من الواضح أيضًا أن قضية غزة كان لها
أثر كبير في الشباب والمسلمين والعرب والدوائر التقدمية، وأسهمت في تشكيل تحالفات جديدة
وإثارة أسئلة جديدة في السياسة الأمريكية، فلم يعد ممكنًا الحديث عن فلسطين في
السياسة الأمريكية بالطريقة نفسها التي كان يجري بها الحديث عنها من قبل.
المعركة الكبرى هي أيضًا معركة الرواية
لم يكن الجيش
وحده مصدرًا لقوة إسرائيل طوال العقود الماضية؛ بل كانت قدرتها على رواية قصتها
للعالم أحد أهم عناصر قوتها الاستراتيجية، وقد وقع بعد السابع من أكتوبر تحول كبير
في هذا المجال.
فوسائل التواصل
الاجتماعي، والصحافة المستقلة، والصور المباشرة القادمة من غزة أضعفت احتكار وسائل
الإعلام التقليدية للمشهد، وأصبح الناس يشاهدون القصف والبيوت المدمرة والأطفال
المنتشلين من تحت الأنقاض وصور الجوع مباشرة عبر هواتفهم.
وهكذا لم تعد
الحرب تجري في شوارع غزة وحدها، بل أصبحت تدور كذلك داخل عقل العالم وضميره، وفي
هذه الحرب، وعلى الرغم من التفوق العسكري الإسرائيلي الكبير، واجهت إسرائيل أزمة
عميقة في ميدان الرواية والشرعية الأخلاقية.
كيف نحسب حصيلة معركة تاريخية؟
وهنا نصل إلى
السؤال الجوهري: كيف نحسب مكاسب الصراعات التاريخية الكبرى وخسائرها؟ هل نحسبها
بعدد المباني التي دُمرت فقط؟ أم بعدد القتلى؟ أم بمليارات الدولارات التي ضاعت؟
كل ذلك يجب أن
يدخل في الحساب بالطبع؛ فالإنسان لا يجوز أن يتحول إلى هامش في الحسابات
الاستراتيجية، ولا يجوز أخلاقيًّا ولا علميًّا التقليل من حجم الثمن الفادح الذي
دفعته غزة، لكن التاريخ لا يُقرأ بأرقام اللحظة وحدها.
فإذا كانت معركة
قد أعادت إلى شعب إرادته، وأعادت قضية كان يراد لها أن تُنسى إلى قلب الاهتمام
العالمي، وزعزعت شرعية الاحتلال، وحركت آليات القانون الدولي، وجعلت جيلًا جديدًا
في مئات الجامعات يكتشف فلسطين، ونشرت آلاف المظاهرات في أنحاء العالم، وحولت
المقاطعة إلى حركة عالمية، وأوقفت مشروعات التطبيع، وأعادت الاعتراف بدولة فلسطين
إلى صدارة الأجندة الدولية، وأحدثت تغييرات عميقة في الموازين الاستراتيجية
للمنطقة؛ فإن هذه كلها يجب أن تدخل كذلك في ميزان المعركة، بل إن بعضها قد يكون
على المدى البعيد أكثر تأثيرًا من أعداد الدبابات والطائرات.
ويفتح لنا رسول
الله صلى الله عليه وسلم أفقًا مهمًا في النظر حين يقول: "عجبًا لأمر المؤمن،
إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن؛ إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له،
وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له". (رواه مسلم، كتاب الزهد والرقائق، رقم
2999).
ولا يعني الحديث
تجميل الألم أو تحويل المأساة إلى مشهد رومانسي، وإنما يعلم المؤمن ألا يحصر
مفهومي النصر والهزيمة في النتائج المادية الآنية وحدها.
"أيام الله" قد لا نفهمها إلا بعد سنوات
يقول الله تعالى
في الأمر الذي وجهه إلى موسى عليه السلام: ﴿وَذَكِّرْهُم بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾
[إبراهيم: 5]. ففي التاريخ أيام لا يتضح معناها الكامل ساعة وقوعها؛ لأن نتائج ما
يقع فيها تمتد سنوات، وربما أجيالًا، وقد يكون طوفان الأقصى واحدًا من هذه
المنعطفات التاريخية.
إن من ينظر
اليوم إلى الأنقاض وحدها قد لا يرى الغد، ومن يحصي الخسائر وحدها قد لا ينتبه إلى
التحول الأخلاقي الجاري في الرأي العام العالمي، ومن ينظر إلى خريطة غزة وحدها قد
لا يرى التحولات التي تجري في الجامعات والمحاكم والبرلمانات وصناديق الاقتراع
والسلوك الاستهلاكي وعقول الأجيال الجديدة.
والقرآن يعلمنا
ألا نتعجل الحكم على نتائج الأحداث الكبرى، فيقول تعالى: ﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا
شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ
لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 216].
حساب التاريخ لم يُغلق بعد
ولهذا ينبغي لكل
من يزعم اليوم أنه يستطيع تقديم الحصيلة النهائية لطوفان الأقصى أن يكون أكثر
احتياطًا؛ واهمٌ من يحسب المعركة بالخسائر المادية والآنية وحدها؛ فهناك خسائر
مادية، ولكن هناك أيضًا مكاسب مادية، وهناك أثمان فادحة تُدفع اليوم، ولكن هناك
نتائج استراتيجية للمستقبل، وهناك نتائج عسكرية، ولكن هناك كذلك نتائج سياسية
وقانونية واجتماعية وثقافية وأخلاقية.
إن الثمن الذي
دفعته غزة عظيم، ومن ينكره ينكر الحقيقة، لكن التحول الذي أحدثته غزة في العالم
عظيم كذلك، ومن لا يراه إنما يقرأ التاريخ من خلال صورة اللحظة وحدها؛ فلقد أعاد
طوفان الأقصى فلسطين إلى ضمير الإنسانية، وزعزع حصانة إسرائيل المعنوية، وأنشأ في
جامعات العالم جيلًا جديدًا واعيًا بفلسطين، وحول المقاطعة إلى حركة ضمير عالمية،
وأعاد القضية الفلسطينية شرطًا لا يمكن تجاوزه في مشروعات التطبيع، وحرك مؤسسات
القانون الدولي، وأعاد دولة فلسطين إلى قلب الأجندة الدبلوماسية، وأثر بعمق في
موازين القوى في بلادنا، ولم نرَ بعد جميع نتائج ذلك.
وربما يكتب
المؤرخون بعد سنوات عن السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 لا باعتباره اليوم الذي
بدأت فيه حرب كبرى فحسب، وإنما باعتباره واحدًا من الأيام التي بدأ فيها اتجاه
التاريخ يتغير من جديد، في لحظة كان يراد فيها تصفية القضية الفلسطينية وإخراجها
من التاريخ.
ولهذا فإن خلاصة
ما أراه هي: إن الحساب التاريخي لطوفان الأقصى لم يُغلق بعد، وما نشاهده اليوم
ربما لا يمثل إلا الحلقات الأولى من تحول أطول مدى. وسوف نرى في المستقبل القريب،
لا البعيد، مزيدًا من آثار هذا التحول في القضية الفلسطينية، وفي موازين المنطقة،
وفي الرأي العام الغربي، وفي الاختيارات السياسية للأجيال الجديدة، وفي الموقع
الدولي لإسرائيل.
فالتاريخ لا
يكتب حصيلة الحروب بعدد المباني التي تهدمت وحدها، وإنما يكتبها أيضًا بعدد
المخاوف التي تحطمت، والوعي الذي تغير، والروايات التي سقطت، والإرادات الجديدة
التي وُلدت، وأحيانًا يكون من أعظم مكاسب شعب لم يصل بعد إلى حريته الكاملة أن
يصبح العالم غير قادر على التعامل مع استعباده واحتلاله بوصفهما أمرًا طبيعيًّا
كما كان يفعل من قبل.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً