«نازا» و«صوت هند رجب».. شهادات تهز الكيان الصهيوني

ندى جمال

20 سبتمبر 2026

26

تصميم إخباري يتضمن صورة الطفلة هند رجب، وجدارية  شُوّهت بطلاء أحمر فوق وجهي مخرجي فيلم "نازا"

قبل أن يصل فيلم «نازا» إلى مهرجان البندقية، كانت السينما قد نجحت في نقل مأساة غزة إلى جمهور عالمي من خلال «صوت هند رجب»، الفيلم الذي أعاد بناء الساعات الأخيرة من حياة الطفلة الفلسطينية (5 أعوام)، مستندًا إلى التسجيلات الحقيقية لمكالماتها مع غرفة عمليات الهلال الأحمر الفلسطيني.

ففي 29 يناير 2024م، وفي حيّ تل الهوا غربي مدينة غزة، أطبقت دبابات الاحتلال على سيارة مدنية تُقلّ هند وأقاربها، وأمطرتها بأكثر من 335 رصاصة -وفق تحقيق جنائي أجرته «فورينسك أركيتكتشر» بالتعاون مع «فولت لاينز» ومنظمة «إيرشوت»- استُشهد على إثرها كل من في السيارة عدا هند وابنة عمّها ليان حمادة.

وبقيت الطفلة وحدها بين جثامين عائلتها، محاصرة داخل المركبة المثقوبة، تتوسّل عبر الهاتف: «أنا خايفة.. حدا يجي ينقذني»، وحين تحرّكت سيارة الإسعاف لانتشالها، استُهدفت هي الأخرى، واستشهد المسعفان يوسف زينو، وأحمد المدهون، ولم يُعثر على هند إلا في 10 فبراير، بعد 12 يومًا، في المكان نفسه الذي انقطع فيه صوتها.

وعند عرضه الأول في البندقية في 3 سبتمبر 2025م، ظلّ الجمهور واقفًا يصفّق للفيلم أكثر من 20 دقيقة، قبل أن يفوز بجائزة لجنة التحكيم الكبرى «الأسد الفضي» في الدورة الـ82.

لكن بعد عام واحد، عادت غزة إلى شاشة البندقية من زاوية مختلفة تماماً، هذه المرة لم يكن الصوت صوت طفلة فلسطينية محاصرة تطلب النجدة، بل أصوات القتلة أنفسهم.

«نازا» اختصار عبري لعبارة «نيزك أغابي» (الضرر الجانبي)؛ وهو مصطلح تقني بارد يشير إلى عدد المدنيين الذين تتوقع الاستخبارات «الإسرائيلية» مقتلهم في غارة بعينها، قبل أن تقر تنفيذها.

يستند الفيلم إلى شهادات 24 شخصاً من داخل المؤسسة العسكرية والاستخباراتية، اشترطوا جميعاً عدم الكشف عن هوياتهم، يتحدثون عن آليات اختيار الأهداف في القطاع وعن أنظمة استهداف مدعومة بالذكاء الاصطناعي، ووفق ما نقله المخرجان عن مصادرهما، فإن بعض الشهادات تصف تشغيل هذه الأنظمة كما لو كان العمل يجري داخل «مصنع» للقتل، أو في لعبة فيديو!

والأكثر إثارة للجدل أن الفيلم أخرجه صحفيان «إسرائيليان»، هما يوفال أبراهام، وراحيل شور، الحائزان على جائزة «الأوسكار» عن «لا أرض أخرى»، وعند عرضه الأول في الدورة الـ83 من المهرجان في 10 سبتمبر الجاري، ظل الجمهور واقفاً يصفق نحو 25 دقيقة قبل أن يفوز بجائزة لجنة التحكيم الخاصة.

فماذا قال أصحاب هذه الشهادات حتى استحق الفيلم كل هذا؟

لم يكن الرد «الإسرائيلي» نقداً فنياً ولا تشكيكاً في المصادر، بل كان مطالبات بسحب الجنسية من المخرجين، ثم تصاعد الأمر إلى ما هو أبعد؛ ففي 16 الجاري، أعلن رئيس الوزراء «الإسرائيلي» بنيامين نتنياهو في كلمة مصورة عزمه الدفع بحزمة تشريعات أطلق عليها اسم «قوانين نازا»، أحدها يقضي بإسقاط الجنسية عن كل من «يشوه سمعة» جنود الجيش أو الدولة في أي مكان في العالم.

24 شهادة من داخل المؤسسة العسكرية تكشف كيف تدار عمليات الاستهداف

لم يعتمد فيلم «نازا» على شهادات فلسطينية أو روايات من خارج المؤسسة العسكرية، بل بني كلياً على مقابلات سرية مع 24 جندياً وعنصر استخبارات «إسرائيليا» شاركوا، بحسب صناع الفيلم، في الحرب على غزة، بينهم من خدموا في الوحدة الاستخباراتية «8200»، أجريت المقابلات على مدى نحو 3 سنوات، وصورت سراً وليلاً على أسطح مبانٍ متفرقة في تل أبيب، مع إخفاء هويات المشاركين وتعديل أصواتهم لحمايتهم.

وتتناول الإفادات أنظمة جمع المعلومات وتحديد الأهداف، بما في ذلك أدوات تعتمد على الذكاء الاصطناعي، وتقديرات مسبقة لعدد المدنيين المتوقع سقوطهم في غارات بعينها، ويزعم أحد المصادر في الفيلم أن الموافقة صدرت مرة على ضربة كان يتوقع أن تودي بحياة 500 مدني مقابل استهداف عنصر واحد من «حماس».

في المقابل، رفض الجيش «الإسرائيلي» رواية الفيلم جملة وتفصيلاً، وقال: إن الاعتماد على مصادر مجهولة الهوية يجعل التحقق من صحة الشهادات مستحيلاً، وشكك في قدرة بعض المصادر على الإلمام بتفاصيل إستراتيجية بهذا المستوى، كما نفى تحديداً التخطيط لأي ضربة كان يتوقع أن تودي بحياة 500 مدني أو عدد قريب من ذلك، وأكد أن قرارات اختيار الأهداف والموافقة على الضربات تظل بشرية بالكامل، وأن الذكاء الاصطناعي لا يتخذ قرار القصف بصورة مستقلة.

«نازا» لم يأت من خارج «إسرائيل».. مخرجاه يواجهان المؤسسة التي ينتميان إليها

تكتسب القضية بعداً إضافياً من هوية صانعي الفيلم، فقد أخرج «نازا» الصحفيان «الإسرائيليان» يوفال أبراهام، وراحيل شور، وأنتج الفيلم بالتعاون مع صحيفة «الغارديان»، وعرض ضمن المسابقة الرسمية لمهرجان البندقية في دورته الـ83 لعام 2026م.

ويختلف الفيلم في زاويته عن معظم الأعمال التي تناولت الحرب عبر شهادات الضحايا أو الصور القادمة من غزة؛ إذ يقلب مخرجاه الكاميرا نحو الداخل، ليرويا القصة بلسان من نفذوها لا من عاشوها، وقال أبراهام: إن الهدف كان إفساح المجال أمام الجنود والضباط للحديث عما فعلوه، مضيفاً: «أردنا أن نسمع، وبأكبر قدر ممكن من التفاصيل، كيف كانت تبدو منظومات القتل في غزة وكيف كانت تعمل».

من جائزة البندقية إلى نتنياهو.. كيف دخل سحب الجنسية على خط الأزمة؟

لم تتوقف تداعيات الفيلم عند المهرجان، فبعد فوزه مباشرة، نشر وزير الثقافة والرياضة ميكي زوهار بياناً غاضباً وصف فيه الفيلم بـ«الحقير»، واتهم مخرجيه بـ«كراهية الذات» والسعي إلى نيل تصفيق معادين للسامية حول العالم، معلناً عزمه التحرك فوراً لسحب جنسيتهما بتهمة «الخيانة العظمى»، ورد أبراهام بأن الفيلم كشف حقائق لا يجوز لصاحب ضمير إخفاءها.

ثم انتقلت القضية إلى مستوى أعلى حين أعلن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، في 16 سبتمبر، عزمه الدفع بمشروعي قانون في الكنيست؛ أحدهما يقضي بسحب الجنسية من أي شخص «يشوه سمعة» الجيش أو الدولة في أي مكان في العالم، والآخر يرفع سقف التعويضات المالية في دعاوى التشهير.

وهكذا تحولت القضية، خلال أيام معدودة، من نقاش حول فيلم وثائقي وشهاداته، إلى مواجهة سياسية حول حدود ما يمكن عرضه وانتقاده داخل «إسرائيل» نفسها.

لم تكن غزة يوماً بعيدة عن الأضواء الكبرى، لكنها في موسمين متتاليين من مهرجان البندقية تحولت إلى الحدث نفسه لا الهامش، فمن «صوت هند رجب» الذي أعاد صوت طفلة محاصرة إلى العالم، إلى «نازا» الذي فتح خزانة الاعترافات من الداخل، صار المهرجان الأعرق في العالم منصة لسؤال واحد: من يملك الحق في أن يروى؟ ومن يعاقب على أنه روى؟

ولم تقف القضية عند صناع الأفلام وحدهم، فبين الصالات ذاتها، ظهرت الممثلة الأمريكية سوزان ساراندون، الحائزة على الأوسكار، مرتدية دبوساً أحمر يحمل شعار حملة «Artists4Ceasefire» دعماً لوقف إطلاق النار في غزة، في مشهد ليس الأول لها؛ فقد خسرت تمثيل وكالة المواهب الكبرى «UTA» منذ عام 2023م بسبب مواقفها، وقالت صراحة: إنها ما زالت تخسر أدواراً حتى اليوم لأن وكالات في هوليوود تطلب من الناس عدم توظيفها، ومع ذلك، وقفت في فينيسيا لتقول: إن الرأي العام العالمي تحول تماماً تجاه فلسطين، وإنها وجدت بين المتضامنين معها عائلتها وشعبها.

من كوثر بن هنية التي أهدت جائزتها للهلال الأحمر الفلسطيني، إلى أبراهام، وشور، اللذين واجها تهمة الخيانة من حكومة بلادهما، إلى ساراندون التي دفعت ثمن موقفها من رصيدها المهني نفسه، يرسم هؤلاء جميعاً خريطة واحدة؛ أن الفن، حين يقترب من الحقيقة، لا يبقى محايداً طويلاً، وبقدر ما حاولت السلطة في «إسرائيل» إسكات هذه الأصوات بسحب الجنسيات والتهديد بالملاحقة، بقدر ما بدا أن الشاشة الكبرى وحدها كانت قادرة على أن تجعل العالم يستمع لما رفض كثيرون طويلاً أن يسمعوه.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة