الكياسة الفقهية في لحظة الخطر
سالم بن عبد الله.. كيف أنقذ الفقه رجلاً من سيف الحجاج؟
يروي الإمام
الذهبي، في «سير أعلام النبلاء»، خبرًا عن سالم بن عبد الله بن عمر(1)؛
حيث قَالَ هَمَّامٌ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ: دَفَعَ الْحَجَّاجُ رَجُلًا
إِلَى سَالِمِ بْنِ عبدالله لِيَقْتُلَهُ، فَقَالَ لِلرَّجُلِ: أَمُسْلِمٌ أَنْتَ؟
قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَصَلَّيْتَ الْيَوْمَ الصُّبْحَ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَرُدَّ
إِلَى الْحَجَّاجِ، فَرَمَى بِالسَّيْفِ، وَقَالَ: ذَكَرَ أَنَّهُ مُسْلِمٌ،
وَأَنَّهُ صَلَّى الصُّبْحَ، وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فَهُوَ فِي ذِمَّةِ اللَّهِ».
فَقَالَ:
لَسْنَا نَقْتُلُهُ عَلَى صَلَاةٍ، وَلَكِنَّهُ مِمَّنْ أَعَانَ عَلَى قَتْلِ
عُثْمَانَ، فَقَالَ: هَاهُنَا مَنْ هُوَ أَوْلَى بِعُثْمَانَ مِنِّي، فَبَلَغَ
ذَلِكَ ابْنَ عُمَرَ فَقَالَ: «مِكْيَسٌ مِكْيَسٌ»(2).
هذه الرواية
التاريخية تضع سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب في واحد من أشد المواقف المعقدة
التي يمكن أن يُبتلى بها عالمٌ أو فقيه؛ رجلٌ يُدفع إليه بسيفٍ صقيل، وأمرٌ مباشر
بالقتل يصدر من صاحب سلطة وقوة كالحجاج بن يوسف الثقفي، ودمٌ بشري معصوم ينتظر
قرارًا في لحظات حاسمة لا تحتمل التردد، لكن سالماً لم يسمح للترهيب أو السيف أن
يفرض منطقه على الفقه، ولم يسمح للسياسة المتقلبة أن تستولي على الحكم الشرعي
النافذ، لقد سأل الرجل سؤالين محددين ومباشرين، ثم أعاده إلى الحجاج دون خضوع أو
مواربة.
وعندما حاول
الحجاج أن ينقل القضية من إقامة الصلاة إلى تهمة المشاركة في فتنة قتل الخليفة
عثمان بن عفان، لم يدخل سالم في جدل تاريخي ولا خصومة سياسية، بل أجاب بكلمة حاسمة
أسقطت عنه تكليفاً لم يكن له ولاية شرعية لإقامته، ثم جاء تقييم أبيه عبدالله بن
عمر في كلمة واحدة اختصرت الموقف كله: «مِكْيَسٌ مِكْيَسٌ»، وهذه الكلمة هي أبلغ وصف لهذا
التصرف الفقهي الفريد؛ إذ لم يكن الموقف مجرد شجاعة ظاهرة في رفض القتل، بل كان
موقف فقهٍ وكياسة وفطنة بالغة في لحظة حاسمة.
لماذا سأل سالم بن عبد الله المحكوم عن صلاة الصبح؟
كان الحجاج يملك
القوة والنفوذ والسلطان الظاهر، وكان سالم بن عبد الله يملك العلم الشرعي والفقه البصير
بالمقاصد، وفي مثل هذه اللحظات الحرجة تظهر الحقيقة الجوهرية لمكانة العلماء في
الأمة: إن العلم لا يكون نافعاً ولا مؤدياً لرسالته إذا بقي حبيس الكتب والمناظرات
النظرية، وإنما تظهر قيمته الوجودية حين يستطيع صاحبه أن يحوله إلى درع واقٍ يحمي
به حقاً أو يمنع مظلمة أو يحقن به دماً معصوماً، مستحضراً القول المأثور عن الإمام
محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب حين سأله المنصور عن عدله فصدع بالحق غير خائف:
«أما إذا نشدتني بالله، اللهم لا، أراك تجور وتستعمل الظلمة وتدع أهل الخير»(3).
لم يبدأ سالم
موقفه بمواجهة سياسية علنية، ولم يرفع شعاراً استعراضياً، ولم يلقِ خطبة مطولة في
نقد السلطة، بل اتجه مباشرة إلى جوهر المسألة وسأل الرجل: «أمسلم أنت؟»، فلما أجاب
بالنفي للشرك والإقرار بالإسلام، سأله: «فصليت اليوم الصبح؟»، هذه الأسئلة القصيرة
تكشف عن عقل فقهي راسخ يمتلك أدوات النظر والتثبت؛ فهو يبحث أولاً عن المعطى
الشرعي اليقيني الذي يترتب عليه الحكم، متمسكاً بالمنطق الإيماني الذي خُلِّد في
القرآن الكريم: (أَتَقْتُلُونَ
رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ
رَبِّكُمْ) (غافر: 28)، فلما أقر الرجل بالإسلام وأداء الصلاة، كان على
سالم أن يتعامل مع هذه الحقيقة الشرعية القاطعة، لا مع الانطباعات أو الشبهات
السياسية المسوقة حول الرجل.
كيف حول سالم بن عبد الله المواجهة السياسية لنص شرعي؟
لو أراد سالم أن
يحول الموقف إلى صراع سياسي شخصي مع السلطة، لكان بإمكانه أن يتوجه للحجاج بالرفض
المباشر قائلاً: لن أقتله لأنك حاكم ظالم، لكنه لم يفعل ذلك ولم يسلك مسار الخصومة
الشخصية الذاتية، لقد جعل القضية قضية احتكام إلى النص وإعمال لحكم شرعي صريح؛ إذ
قال للحجاج إن الرجل أقر بالإسلام وصلى الصبح، ورسول الله صلى الله عليه وسلم
أَمَّنَ من صلى الصبح وجعله في ذمة الله.
بهذا المسلك
الفقهي الذكي، نقل سالم بن عبد الله الموقف برمتِه من دائرة الأهواء والإرادات البشرية إلى
دائرة النص المعصوم، مستحضراً الأدلة الشاهدة على مآلات المتقين والفجار: (إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ {13}
وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ) (الانفطار:13-14)، متأسياً بموقفه الشهير حين قال له هشام بن عبد الملك
في الكعبة سلني حاجة، فرد بسيرة أهل الاستغناء: «إني لأستحيي من الله أن أسأل في
بيت الله غير الله»(4)، فالسيف الذي وُضع في يد سالم لم يعد مجرد أداة
لتنفيذ أمر سلطوي، بل أصبح موضعاً يتوقف عنده السيف وجوباً عندما تظهر حرمة الدم
الشرعية، وهنا تتجلى القوة الحقيقية للعالم: أن يكون قادرًا على الرفض والامتناع
المسند إلى أصل شرعي متين لا يستطيع السلطان نقضه.
تطبيق حديث صلاة الصبح في حماية الأرواح
استشهد سالم بن عبد الله
بالحديث النبوي الشريف: «مَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فَهُوَ فِي ذِمَّةِ اللَّهِ»،
لتقرير الأمان الإلهي الذي حظي به الرجل بصلاته، مؤكداً أن الذمة الشرعية ليست
شعاراً يرفع أو يسقط وفق الأهواء والتوازنات السياسية، إن معيار الاستدلال هنا
يبين أن المسلم الذي دخل في عهد الله وأمانه لا يجوز بحال الاعتداء على دمه أو
المساس بحرمته تحت أي ذرائع مصلحية أو دوافع نفسية، لم يكن سالم يبحث عن مخرج شخصي
يتنصل به من القتل فحسب، وإنما كان يستحضر أصلًا كلياً يتعلق بعصمة الدماء في
الشريعة الإسلامية، متأصلاً بأخلاق الكياسة واليقين التي عبر عنها الإمام أبو حازم
سلمة بن دينار بقوله: «ثقتي بالله عز وجل، ويأسي مما في أيدي الناس»(5).
وهذا يتوج طبيعة
الفقه الذي حمله سالم بن عبد الله؛ فهو فقه عملي يشتغل في لحظات الخطر والابتلاء، ليس فقه
ممتنعاً في أبراج عاجية، بل علم قادر على كف اليد وتجميد السيف حين يوشك أن يقع في
الحرام.
لماذا غيّر الحجاج التهمة إلى قتل عثمان؟
لم يقبل الحجاج
أن تكون الصلاة وورود الحديث الشرعي هما نهاية النقاش، وحاول الالتفاف على النص
الشرعي ببديل آخر؛ فقال إن القتل ليس على أداء الصلاة، وإنما بتهمة تاريخية وهي
الإعانة على قتل الخليفة الراشد عثمان بن عفان، كانت تلك لحظة حاسمة وخطيرة؛ لأن
الانتقال من عنوان شرعي منضبط إلى عناوين سياسية وتاريخية قد يجر الفرد إلى سلسلة
لا تنتهي من المساومات والتبريرات الصورية، لكن سالم بن عبدالله لم يقع في هذا
الفخ المنهجي، ولم يدخل في التفاصيل التاريخية المعقدة للفتنة، ممتثلاً للتوجيه
القرآني الصريح في طي صفحات الماضي؛ (تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ
وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (البقرة: 134).
كما استشهد بفقه
آل البيت في الترفع عن الفتن والتثبت من التهم، كقول الإمام محمد بن علي الباقر
حين حاول البعض استدراجه: «فأبلغهم أني إلى الله منهم بريء، والذي نفس محمد بيده،
لو وليت لتقربت إلى الله بدمائهم، لا نالتني شفاعة محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ إن لم أكن أستغفر لهما وأترحم عليهما، إن أعداء الله عز وجل لغافلون
عنهما»(6)، فلم يدَّعِ سالم معرفة ما لا يملك إثباته بيقين شرعي قاطع،
بل وقف عند الحدود المعرفية والشرعية الدقيقة لموقفه.
كيف أفشل سالم بن عبد الله محاولة توريطه بالدم السياسي؟
عبارة سالم بن عبد الله
الحاسمة «ها هنا من هو أولى بعثمان مني» هي جوهر موقفه والدرة الكامنة في كياسته، فهو
لم ينكر حق عثمان بن عفان رضي الله عنه في المطالبة بدمه، ولم يدافع عن الشبهات،
ولم يتورط في نكء جراح الفتنة التاريخية، متأسياً بالحكمة النبوية القاطعة في سد
أبواب الشبهات والفتن: «دَعْهُ، لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا
يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ»(7).
ومستحضراً جوهر
استغنائه وحسن جوابه حين قال للخليفة هشام عند خروجهما من البيت الحرام: «والله ما
سألتها ممن يملكها فكيف أسألها ممن لا يملكها!»، لقد قال ما معناه: إن كان لهذا
الرجل ثأر أو حق يتصل بدم عثمان، فليست هذه ولايتي ولا مهمتي الفقهية، وهناك
أولياء الدم المستحقون للمطالبة به، وهكذا رفض سالم بعبارة واحدة أن يتحول إلى
منفذ لثأر سياسي لا يملك ولاية شرعية لإقامته، وهذه هي الكياسة البالغة التي فهمها
والده عبدالله بن عمر حين أثنى عليه، فالذكاء هنا ليس مجرد حيلة سريعة، بل هو
الإدراك الدقيق لحدود المسؤولية الشرعية وعدم التجاوز عنها تحت أي ضغط.
حين يمنع الفقه الانجرار خلف السجالات التاريخية
كانت أحداث
الفتنة ومقتل الخليفة عثمان من أكثر القضايا حساسية وشحناً في التاريخ الإسلامي
المبكر، وكان من السهل جداً أن ينزلق أي نقاش حولها إلى خصومة سياسية ممتدة وطعن
متبادل، لكن سالماً اختار منهج الفقه المتزن والعقل الرشيد؛ فلم يناقش تفاصيل
الماضي، ولم يفتح ملفات الخصومات، مقتدياً بالعبارة الخالدة التي أثرت عن أمير
المؤمنين عمر بن عبد العزيز في حسم موقف المسلم من دماء الفتنة: «تلك دماء كف الله
يدي عنها، وأنا أكره أن أغمس لساني فيها»(8).
ومستصحباً
التوجيه المحكم للإمام القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق: «ولأن يعيش الرجل جاهلاً
بعد أن يعرف حق الله تعالى عليه خير له من أن يقول ما لا يعلم»(9)، فلم
ينصب سالم نفسه حكماً على النيات، بل ركز كل انتباهه على السؤال الشرعي المباشر
الذي بين يديه: هل يملك هو شرعاً أهليّة قتل هذا الرجل بناءً على هذا التوجيه؟
وكان الجواب الفقهي عنده بالرفض القاطع، وفي هذا درس بالغ الأهمية في صناعة القرار
وترشيد الموقف: ليس كل موضوع يملك المرء فيه رأياً يسوغ له الخوض فيه، والحكمة
الحقيقية تقتضي تضييق دائرة النقاش للوصول إلى الموقف الشرعي الصحيح والواضح.
ماذا قصد ابن عمر بعبارته "مِكْيَسٌ مِكْيَسْ"؟
حين بلغ الخبر عبدالله
بن عمر رضي الله عنهما، لم يمتدح ابنه بالشجاعة المجردة أو بالورع الظاهر فحسب، بل
كرر عبارته الشهيرة: «مِكْيَسٌ، مِكْيَسْ»، وهذه العبارة تكشف نضج سالم وعمق فهم أبه
لشخصيته؛ فالشجاعة وحدها دون كياسة قد تدفع صاحبها إلى التهور والصدام غير المحسوب
الذي يضيع المصلحة، بينما الكياسة تجعل الشجاعة منضبطة بالشرع والعقل، وهذا النضج
الفطين هو ما يسعد به الآباء الصالحون والعلماء الرشداء في خلفهم، كابتهاج عمر بن عبد العزيز بفطنة ابنه عبد الملك وقوله: «الحمد لله الذي أخرج من صلبي من يعينني
على ديني»(10)، وكتوصية الإمام عروة بن الزبير بن العوام لبنيه: «يا
بني تعلموا فإنكم إن تكونوا صغار قوم عسى أن تكونوا كبارهم»(11).
إن سالماً لم
يهرب من الموقف، ولم يندفع إلى مواجهة استعراضية، ولم يستفز الحجاج، بل أخذ الموقف
من طرفه الشرعي المحكم، وخرج منه بحقن دَم معصوم وأقل قدر من الصدام والشرور.
كيف جمع سالم بين النص وفهم الواقع؟
تكشف هذه
الحادثة التاريخية عن التكوين المتكامل لشخصية سالم بن عبد الله؛ فقد كان عالماً
ثبتاً بالحديث والفقه، وفي الوقت نفسه مدركاً لطبيعة السلطة وموازين عصره، عارفاً
بأثر الكلمة ومآلات التصرفات، لم يكن يعيش في عالم نظري مجرد منقطع عن مجريات واقع
وقته، بل خالط الخلفاء والأمراء وحافظ مع ذلك على استقلال علمه ونزاهة فقهه،
محققاً الأهلية المعرفية العالية التي وصف بها عمر بن عبد العزيز الإمام ابن شهاب
الزهري حين قال: «ائتوه فإنه لم يبق أحد أعلم بسنة ماضية منه»(12).
ومقتفياً إدراك
سلف المدينة الذين حازوا المرجعية الفقهية كالإمام سعيد بن المسيب الذي قال فيه
عمر بن عبد العزيز: «ما كان عالم بالمدينة إلا يأتيني بعلمه، وأوتى بما عند سعيد
بن المسيب»(13).
وهذا هو الفقيه
الذي تحتاجه الأمة في أزماتها؛ فقيه يمتلك النص، ويفهم الواقع، ويدرك عواقب
التصرفات، فلا يسمح للواقع ومتغيراته أن تفسد جلال النص الشرعي، ولا يحول النص إلى
شعار منقطع عن الواقع ومراعاة المقاصد.
كيف انعكس ميراث آل عمر على ثباته؟
عند النظر في
هذا الموقف بجوار سائر المأثور عن سالم بن عبدالله، تتجلى وحدة الشخصية وثبات
المعشر؛ فهو الذي عاش متخففاً من زُخرف الدنيا، وهو الذي صدع بكلمته حين قيل له سل
حاجتك فقال: «لا أسأل أحداً غير الله»(14)، وهو الذي لم يغير من بساطة
عيشه ولا ثيابه تواضعاً واستغناءً، إن كل هذه الشواهد والمواقف تخرج من مشكاة
واحدة؛ الاستغناء التام بالله، والثقة بالحق الشرعي، والامتناع عن بيع المبادئ
خوفاً أو طمعاً.
فمن يتخفف من
حظوظ الدنيا يكون أقدر الناس على الثبات حين يُطلب منه التنازل عن حقٍ أو إراقة دم
معصوم، متمثلاً الثبات الروحي الراسخ للإمام علي بن الحسين زين العابدين الذي لما
سُئل عن سكونه وعدم انشغاله بخوف الدنيا أجاب بعبارته العميقة: «ألهتني عنها النار
الأخرى»(15)، ومحققاً القاعدة التي قررها الإمام أحمد بن عطاء
الروذباري: «العلم موقوف على العمل، والعمل موقوف على الإخلاص، والإخلاص لله يُورث
الفهم عن الله عز وجل»(16).
كيف تحمي الكياسة أصحاب الرأي من المداهنة؟
إن صورة السيف
المصلت والأمر المباشر بالقتل قد تتخذ في زماننا أشكالاً وصوراً أخرى من الضغوط
والابتلاءات المعنوية والوظيفية والاجتماعية؛ فقد يتعرض المعلم أو الباحث أو
المسؤول أو صاحب الرأي لضغوط مكثفة تحثه على تحريف حقيقة أو التنازل عن مبدأ أو
مسايرة موجة سائدة خلاقاً لما يراه حقاً وعدلاً، وهنا يتجلى الدرس العميق من موقف
سالم بن عبدالله: إن معرفة الحق وحدها لا تكفي، بل تحتاج إلى كياسة وفطنة تمكن
صاحبها من حماية الحق والتمسك به بأسلوب حكيم يقلل المفاسد ويدرأ الأضرار؛ إذ إن
المواجهة الهوجاء قد تضيع المقاصد الشرعية، والمداهنة تسقط المبادئ، بينما الفقه
الحقيقي هو الذي يبحث عن الكلمة الجامعة السديدة التي تحفظ الدين وتحمي الحقوق.
وتتأكد التؤدة
والكياسة في وصية الصحابي الجليل عبدالله بن مسعود: «إنها ستكون أمور وشبهات،
فعليكم بالتُّؤَدَةِ؛ فإنك أن تكون تَبَعاً في الخير خيرٌ من أن تكون رأساً في
الشر»(17).
الفقه حين يحمي الروح والمنهج
وقف سالم بن عبدالله
بن عمر بين سيفٍ ينتظر الإهواء ودمٍ بشرِيّ ينتظر القرار، فلم ينظر إلى رهبة السيف
ولا سطوة السلطان، بل نظر إلى هيبة الشريعة وعظمة الذمة الإلهية، سأل عن أصل
الإسلام وفرض الصلاة، واعتصم بالحديث الشريف: «مَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فَهُوَ فِي
ذِمَّةِ اللَّهِ»(18).
ولما حاول
الحجاج جَرّه إلى زاوية الاتهامات التاريخية والسياسية، رد القضية بحكمة وفطنة
قائلاً: «ها هنا من هو أولى بعثمان مني»، ليستحق الثناء الخالد من أبيه عبدالله بن
عمر؛ «مكيس، مكيس».
تتجلى الزاوية المركزية لهذا المقال في أن العلم الشرعي الحقيقي ليس مجرد معلومات محفوظة أو استظهار للنصوص، بل هو سكينة في الروح، وفطنة في العقل، وثبات راسخ في أوقات الأزمات والضغوط؛ لقد أثبت سالم بن عبدالله أن الفقيه البصير هو من يحمي الحق ويحقن الدماء بكياسة منضبطة دون تهور أو مهادنة، لتظل الكياسة الفقهية هي الحصن المنيع والدرع الأخير الذي يحفظ أمان الشريعة وحرمة الذمة الإلهية أمام طغيان السيف.
الهوامش
- 1 سالم بن عبدالله بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي، ولد بالمدينة المنورة في خلافة عثمان بن عفان، وهو تابعي جليل ومن كبار فقهاء المدينة المنورة السبعة، اشتهر برواية الحديث والفقه والزهد والورع والتأسّي بالسنّة على طريق أبيه وجده، وسكن المدينة المنورة وتوفي بها سنة 106هـ.
- 2 سير أعلام النبلاء (4/ 458).
- 3 صفة الصفوة (1/ 395).
- 4 المرجع السابق (1/ 352/ 163).
- 5 المرجع السابق (1/ 386).
- 6 مختصر تاريخ دمشق (23/ 82).
- 7 زاد المعاد في هدي خير العباد (3/ 314).
- 8 تاريخ دمشق لابن عساكر (65/ 133/ 8247).
- 9 صفة الصفوة (1/ 351/ 162).
- 10 سيرة عبدالملك بن عمر بن عبدالعزيز، ص486.
- 11 صفة الصفوة (1/ 349/ 161).
- 12 حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (3/ 360).
- 13 صفة الصفوة (1/ 346).
- 14 سير أعلام النبلاء (4/ 458).
- 15 الكنى والأسماء (3/ 1105/ 1933).
- 16 تاريخ دمشق لابن عساكر (5/ 18/ 8).
- 17 الإبانة الكبرى (1/ 328/ 176).
- 18 صحيح مسلم (1/ 454/ 657).
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً