بين زاد الجسد وأثر العالم
سالم بن عبد الله.. عاش بالقليل وترك الكثير
يروي الإمام
الذهبي، في «سير أعلام النبلاء»، خبرًا عن سالم بن عبد الله بن عمر(1)؛
فقد قَالَ أَبُو ضَمْرَةَ اللَّيْثِيُّ: حَجَّ هِشَامُ بْنُ عبدالملك فِي سَالِمِ
بْنِ عبدالله، فَأَعْجَبَتْهُ سِحْنَتُهُ، فَقَالَ: أَيَّ شَيْءٍ تَأْكُلُ؟
فَقَالَ: الْخُبْزَ وَالزَّيْتَ، قَالَ: فَإِذَا لَمْ تَشْتَهِهِ؟ قَالَ:
أُخَمِّرُهُ حَتَّى أَشْتَهِيَهُ، فَعَانَهُ هِشَامٌ، فَمَرِضَ وَمَاتَ،
فَشَهِدَهُ هِشَامٌ وَأَجْفَلَ النَّاسُ فِي جِنَازَتِهِ، فَرَآهُمْ هِشَامٌ
فَقَالَ: إِنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ لَكَثِيرٌ، فَضَرَبَ عَلَيْهِمْ بَعْثًا
أَخْرَجَ فِيهِ جَمَاعَةً مِنْهُمْ، فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْهُ أَحَدٌ، فَتَشَاءَمَ
بِهِ أَهْلُ الْمَدِينَةِ، فَقَالُوا: عَانَ فَقِيهَنَا، وَعَانَ أَهْلَ بَلَدِنَا(2).
تكشف هذه
الرواية عن سالم بن عبد الله في لحظتين تبدوان متباعدتين، لكنهما تكشفان حقيقة
واحدة: لحظة كان فيها حيًا، فسأل الخليفة عن طعامه، ولحظة أصبح فيها ميتًا، فكشفت
جنازته مقدار ما كان يمثله في نفوس أهل المدينة.
في اللحظة
الأولى، كان السؤال عما يدخل جوف سالم بن عبد الله؛ وفي اللحظة الثانية، كشفت الجنازة عما كان
يخرج من سالم إلى الناس؛ علمًا وفقهًا وقدوةً جعلت المدينة تخرج وراءه.
ومن هنا يمكن
قراءة القصة من زاوية أعمق من مجرد الزهد في الطعام، فسالم لم يكن يقيس جودة
الحياة بكثرة ما يدخل البدن، بل كان يعيش في عالم كانت فيه قيمة الإنسان بما يحمله
من علم وتقوى، ولذلك لم يكن خبز وزيت نهاية القصة، بل كانا علامة على أن الجسد
عنده يأخذ قدر حاجته، بينما ينصرف العمر إلى ما يبني العقل والقلب.
لماذا ترك سالم بن عبد الله الطعام حتى تطلبه نفسه؟
أعجب هشام بن عبدالملك
بسحنة سالم بن عبد الله ، أي بحسن منظره ونضارته، فسأله سؤالًا يبدو في ظاهره بسيطًا: ماذا
تأكل؟ وكان المتوقع أن تكون وراء هذه النضارة موائد واسعة أعدت له، لكن الجواب جاء
مختصرًا: «الخبز والزيت».
ثم جاء السؤال
الثاني: فإذا لم تشتهه؟ فكان الجواب: «أخمّره حتى أشتهيه».
لا ينبغي أن
نحمل هذه الإجابة أكثر مما تحتمل؛ فلا النص يجعل الخبز والزيت وصفة صحية، ولا يصح
أن نستخرج منه قاعدة طبية، لكن قيمتها تكمن في أنها تكشف طريقة سالم في التعامل مع
الطعام؛ لا يأكل لمجرد وجود الطعام، ولا يجعل الشهية خادمًا للترف، بل يترك الطعام
حتى تطلبه نفسه.
وهنا تظهر شخصية
الإنسان الذي لا يعيش أسير الاستهلاك، فالجسد عند سالم له حقه، لكنه ليس مركز
الحياة كلها.
وكان أمير
المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه في عام الرمادة لا يأكل إلا الخبز المثرود
بالزيت، ولما قرقر بطنه، نقر بطنه بإصبعيه وقال: «تَقَرْقَرَ تَقَرُقُرُكَ،
إِنَّهُ لَيْسَ لك عِنْدَنَا غَيْرُهُ حَتَّى يَحْيَا النَّاسُ»(3).
كيف يعيد الرسوخ العلمي ترتيب أولويات الإنسان؟
إذا أردنا أن
نفهم جواب سالم بن عبد الله ، فعلينا أن نضعه داخل سيرته؛ هذا هو الرجل الذي كان من كبار فقهاء
المدينة، ومصدرًا للعلم لمن بعده.
كان لسالم زاد
آخر غير زاد الجسد؛ كان له زاد العلم والفقه والعبادة والورع، فالإنسان الذي تمتلئ
حياته بالمعاني لا يحتاج إلى أن يجعل الطعام وسيلة دائمة للمتعة.
وهذا لا يعني
تجويع النفس، بل يعني أن الإنسان يستطيع أن يضع كل حاجة في حجمها الصحيح، ليكون
الطعام وسيلة للحياة، لا أن تتحول الحياة كلها إلى البحث عن الطعام والراحة؛ (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ
الزَّادِ التَّقْوَى) (البقرة: 197)، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم»(4).
وكان أبو هريرة
رضي الله عنه يكتفي باليسير من القوت ويلزم المسجد ليتلقى الحديث عن النبي صلى
الله عليه وسلم، ويقول: «إن إخواني من المهاجرين كان يشغلهم الصفح بالأسواق، وإن
إخواني من الأنصار كان يشغلهم الصفق بالأسواق وإن إخواني من الأنصار كان يشغلهم
القيام على نخلهم وكنت امرءا مسكينا أصحب رسول الله صلى الله عليه وسلم على ملء
بطني»(5).
الفارق بين ضبط الشهوة وتحريم الطيبات شرعًا
في جواب سالم بن عبد الله معنى دقيق؛ فهو لم يقل إنه لا يأكل اللحم، بل نُقل عنه في أخبار أخرى أنه إذا وجده
أكله، ولم يجعل الزهد رفضًا للطيبات، إنما كانت القضية في علاقته بالطعام، فإذا
اشتهى أكل، وإذا لم يشته ترك الطعام حتى تتهيأ نفسه له.
وهذه صورة من
صور ضبط النفس؛ ألا يكون الإنسان مدفوعًا بما تعرضه عليه الدنيا، فالذي يستطيع أن
يقول للطعام: ليس الآن، يستطيع أن يقول لغيره: ليس كل ما أستطيع الوصول إليه أحتاج
إليه، وهذه القدرة تمتد إلى المال واللباس والجاه ومدح الناس.
وقد مر الجزار
بالإمام أبي حازم سلمة بن دينار فقال له: «يا أبا حازم هذا لحم سمين فاشتري منه
قال ما عندي ثمنه فقال أنا أعطيك وأنظرك ففكر ساعة ثم قال أنا أنظر نفسي إلى
الآخرة»(6).
كيف كشفت جنازة سالم بن عبد الله مكانته في النفوس؟
لو انتهت
الرواية عند حوار الطعام، لبقيت قصة زاهد يأكل الخبز والزيت، لكن الرواية تستمر،
يموت سالم، فيشهد هشام جنازته، ثم «أجفل الناس في جنازته».
هذه العبارة
تكشف حجم سالم بن عبد الله الحقيقي، فحين كان حيًا، كان يعيش ببساطة لا تلفت النظر، وحين مات،
ظهر مقدار المساحة التي كان يحتلها في قلوب الناس، إذ خرجت المدينة خلف العالم
الذي لم يكن يملك قصرًا ولا جيشًا ولا منصبًا تنفيذيًا.
وهنا تظهر إحدى
أعظم سنن التاريخ: بعض الرجال لا تعرف أوزانهم وهم أحياء إلا بعد أن يغيبوا؛ (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى
وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ) (يس: 12).
وكان الإمام علي
بن الحسين زين العابدين يعول مائة أهل بيت بالمدينة يأتيهم بطعامهم وسرهم ليلاً،
فلما توفي فقدوا ذلك الطعام والصلة(7)، وعلم أهل المدينة بحقيقة قيمته
الخالدة.
كيف تتفوق هيبة القدوة على سلطان الدولة؟
كان هشام بن عبدالملك
خليفة يملك الأمر والنهي والجيوش والأموال، لكن جنازة سالم بن عبد الله كشفت نوعًا مختلفًا من
القوة: قوة لا تصدر أمرًا للناس بالخروج، ولا تدفع لهم مالًا، ولا تجمعهم تحت راية
عسكرية، إنها قوة المحبة والقدوة.
وهنا نفرق بين
نوعين من التأثير؛ تأثير السلطة الذي يحشد الناس بأدوات الدولة، وتأثير القدوة
الذي يجعل الناس يتحركون من داخلهم.
وكان أنَ قَدْ
حَجَّ هِشَامُ بْنُ عبدالملك فَاجْتَهَدَ أَنْ يَسْتَلِمَ الْحَجَرَ فَلَمْ
يُمْكِنْهُ مِنَ الزِّحَامِ فَجَاءَ زَيْنُ الْعَابِدِينَ فَوَقَفَ النَّاسُ لَهُ
وَتَنَحَّوْا عَنِ الْحَجَرِ حَتَّى اسْتَلَمَهُ، وَلَمْ يَبْقَ عِنْدَ الْحَجَرِ
سِوَاهُ، فَقَالَ هِشَامُ (بْنُ عبدالملك): مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ الْفَرَزْدَقُ:
هَذَا الَّذِي
تَعْرِفُ الْبَطْحَاءُ وَطْأَتَهُ ... وَالْبَيْتُ يَعْرِفُهُ وَالْحِلُّ
وَالْحَرَمُ
هَذَا ابْنُ
خَيْرِ عِبَادِ اللَّهِ كُلِّهِمُ ... هَذَا التَّقِيُّ النَّقِيُّ الطَّاهِرُ
الْعَلَمُ
يَكَادُ
يُمْسِكُهُ عِرْفَانَ رَاحَتِهِ ... رُكْنُ الْحَطِيمِ إِذَا مَا جَاءَ يَسْتَلِمُ(8)
لماذا اختلف منظور الحاكم عن مشاعر الرعية؟
بعد جنازة سالم بن عبد الله ،
نظر هشام إلى كثرة الناس فقال: «إن أهل المدينة لكثير».
وهنا تقع
المفارقة الأهم؛ أهل المدينة خرجوا لتشييع فقيههم، لكن الخليفة قرأ كثرتهم بعين
رجل الدولة، فرأى عددًا كبيرًا من الرجال، أما هم فرأوا فقدًا كبيرًا.
هذا التباين
يكشف الفرق بين لغة السلطة ولغة المجتمع، السلطة تسأل: كم عددهم؟ وما حجمهم؟ أما
المجتمع فيسأل: من فقدنا؟ ومن كان يجمعنا حوله؟
وكان التابعي
الجليل أبو العالية الرياحي إذا جلس غليه أكثر من أربعة قام(9).
الفارق بين الوقائع التاريخية وتأويلات الذاكرة الشعبية
تقول الرواية إن
هشامًا ضرب عليهم بعثًا، فأخرج جماعة منهم، ثم لم يرجع منهم أحد، ونقلت أن أهل
المدينة قالوا: «عان فقيهنا، وعان أهل بلدنا».
وهذا التعبير يكشف
الحالة النفسية التي نشأت بعد وفاة سالم وما تبعها من خروج الرجال، فوفاة الفقيه،
ثم إخراج الرجال، ثم عدم عودتهم، اجتمعت في الذاكرة الشعبية حتى ارتبطت عندهم
رمزيًا.
ولما توفي
الإمام سالم بن عبد الله ورأى الخليفة هشام الجمع الحاشد في جنازته بالبقيع، أمر
واليه على المدينة إبراهيم بن هشام المخزومي بأن يضرب على أهل المدينة بعث أربعة
آلاف رجل إلى السواحل والصوائف، فخرجوا ولم يرجع منهم أحد، فارتبط ذلك في الذاكرة
الشعبية بالأسى المتزامن مع فقد الفقيه.
وقال أمير
المؤمنين عمر بن عبد العزيز لابنه عبدالملك: «وَإِنَّي أَخَافُ أَنْ أَحْمِلَ
الْحَقَّ عَلَى النَّاسِ جُمْلَةً، فَيَدْفَعُوهُ جملة، ويكون من ذا فتنة»(10).
لماذا شكل موت سالم بن عبد الله خسارة للذاكرة الفقهية؟
لأن سالم لم يكن
مجرد فرد، بل كان يحمل شيئًا من ميراث الصحابة، وكان أحد فقهاء المدينة المرجوع
إليهم، وحضوره يمثل استمرارًا لسلسلة نقلت العلم عبر الأجيال.
ولهذا كان موته
خسارة لجزء من الذاكرة العلمية للمدينة، فقد العالم الكبير يشبه سقوط عمود في
بناء؛ قد يبقى البناء قائمًا، لكنه يفقد شيئًا من توازنه.
وكان الصحابي
الجليل عبدالله بن مسعود رضي الله عنه يقول: «مَوْتُ الْعَالِمِ ثَلْمَةٌ فِي
الْإِسْلَامِ لَا يَسُدُّهَا شَيْءٌ مَا اخْتَلَفَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ»(11).
كيف يبني العالم أثرًا باقيًا عبر الأجيال؟
مات سالم، لكن
جنازته كشفت أثره، ثم بقي علمه في الرواية والفقه، وبقي اسمه في طبقات العلماء،
وسيرته نموذجًا في الزهد والورع والاستقلال.
وهنا تتجاوز
قيمة الإنسان حياته الشخصية؛ قد يموت الجسد، لكن ما يغرسه في عقول الناس وقلوبهم
يعيش بعده.
وقال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: «إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا
مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أو
ولد صالح يدعو له»(12).
وقد توفي أمير
المؤمنين عمر بن الخطاب وابنه عبدالله بن عمر، وظل فقههما وسيرتهما حيين في الأمة
ينقلهما التابعون كسالم بن عبدالله ونافع مولى ابن عمر لفقهاء الأمصار.
الفارق بين نضارة البدن وأثر الفضل الاجتماعي
كان هشام قد
أعجب بسحنة سالم بن عبد الله، وهو أمر طبيعي لحسن هيئته، لكن جمال سحنة سالم لم يكن أعظم ما
فيه، فحين مات، لم تبكِ المدينة وجهًا جميلًا، وإنما فقدت عالمًا وفقيهًا وقدوة.
كان الخليفة
يسأل: ماذا يأكل هذا الرجل حتى يبدو بهذه النضارة؟ أما التاريخ فيجيب عن سؤال
أعمق: ماذا كان يعطي هذا الرجل للناس حتى خرجت المدينة كلها وراءه؟ الأول سؤال عن
غذاء البدن، والثاني سؤال عن غذاء المجتمع؛ (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ
أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ) (المجادلة: 11)، وكان الإمام سالم بن عبدالله
يرتدي ثوبًا بدرهمين ويشتري حوائجه بنفسه من السوق، متخففًا من المظاهر، بينما
ملأت هيبته وعلمه قلوب أهل المدينة.
كيف يوازن العالم بين الكفاف والرسالة العلمية؟
يحتاج الإنسان
إلى نوعين من الزاد؛ زاد يحفظ جسده في الدنيا، وزاد يجعل حياته ذات معنى، الأول
طعام وشراب، والثاني علم وإيمان وعمل صالح وأثر نافع، سالم كان يأكل ليعيش، لكنه
عاش للعلم والعبادة والفتيا، ولهذا كان طعامه بسيطًا، بينما كان أثره واسعًا، وقال
الإمام أبو حازم سلمة بن دينار: «انظر كل عمل كرهت الموت من أجله فاتركه ثم لا
يضرك متى مت»(13).
لماذا تعجز أجهزة الدولة عن فرض المحبة؟
تضع الرواية
أمامنا صورتين متجاورتين؛ هشام بن عبدالملك الخليفة الذي يملك الدولة والقرار،
وسالم بن عبدالله العالم الذي لا يملك أدوات السلطة، ومع ذلك خرج الناس في جنازته،
السلطة تستطيع أن تأمر الناس في حياتهم العامة، لكنها لا تستطيع أن تأمر القلوب
بالمحبة، والعالم يملك ما هو أبقى في الذاكرة: الثقة والقدوة.
ودخل الإمام
سالم بن عبدالله بن عمر الكعبة، فلقيه الخليفة هشام بن عبدالملك فقال له: «سلني
حاجة»، فقال سالم: «إني لأستحيي من الله أن أسأل في بيت الله غير الله»، فلما خرجا
قال له هشام: «الآن خرجت فسلني حاجة»، فقال له سالم: «من حوائج الدنيا أم من حوائج
الآخرة؟» قال: «من حوائج الدنيا»، فقال سالم: «والله ما سألت الدنيا ممن يملكها، فكيف
أسألها ممن لا يملكها!»(14).
مسؤولية العالم في توريث العلم وصناعة الأثر
لأن العلم ليس
ملكًا لصاحبه، العالم الذي يفهم رسالته لا يسأل فقط كم حفظ وألف، بل يسأل: ماذا
بقي بعدي؟ هل تركت علمًا ينتفع به وأثرًا يجمع الناس على الحق؟
كان سالم واحدًا
من سلسلة نقلت العلم من الصحابة إلى من بعدهم، فلم ينته أثره بانتهاء عمره، وكان
الصحابي الجليل سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه يُعَلِّمُ بنيه المأثور ويقول: «يا
بني هذه مآثر آبائكم، فلا تضيعوا ذكرها»(15).
تكتمل صورة هذه السيرة العلمية والتربوية العميقة؛ إذ بدأت الرواية بسؤال بسيط عن طعام البدن، وانتهت بمهابة جنازة هزت أركان المدينة المنورة ورجل الدولة الأول فيها، لقد أجاب سالم بن عبدالله بعفويته وزهده عن سؤال الخبز والزيت، لكن جوهر حياته أظهر أن النضارة الحقيقية لم تكن نتاج أطعمة فاخرة، بل كانت ثمرة إيمان وعلم وفقه راسخ، كشفت جنازة سالم أن السلطة المادية، بجيوشها وأموالها، قد تحشد الأجساد، لكنها تقف عاجزة أمام سلطة العلم والقدوة والمحبة التي تستقر في القلوب، إن القيمة الخالدة للعالم لا تكمن فيما يستهلكه في سنين حياته، بل فيما يتركه خلفه من إرث معرفي وخلقي، ليظل زاد روح المجتمع متدفقًا بآثاره الراسخة بعد أن يغيب جسده.
الهوامش
- 1 سالم بن عبدالله بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي، ولد بالمدينة المنورة في خلافة عثمان بن عفان، وهو تابعي جليل ومن كبار فقهاء المدينة المنورة السبعة، اشتهر برواية الحديث والفقه والزهد والورع والتأسّي بالسنّة على طريق أبيه وجده، وسكن المدينة المنورة وتوفي بها سنة 106هـ.
- 2 سير أعلام النبلاء (4/ 458).
- 3 جمع الجوامع (15/ 636) (2/ 1825).
- 4 صحيح مسلم (8/ 11/ 2564).
- 5 الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة (2/ 528).
- 6 تاريخ دمشق لابن عساكر (22/ 58/ 2613).
- 7 منهاج السُّنة النبوية (4/ 11).
- 8 المرجع السابق (4/ 8).
- 9 صفة الصفوة (2/ 124).
- 10 الموافقات (2/ 148).
- 11 الزهد لأحمد بن حنبل (212/ 1473).
- 12 صحيح مسلم (3/ 1255/ 1631).
- 13 المصنف، ابن أبي شيبة (19/ 553/ 38001).
- 14 صفة الصفوة (1/ 353).
- 15 مختصر تاريخ دمشق (2/ 186).
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً