أثر الحرب والنزوح على الأسرة في غزة.. زواج مؤجل

إياد القطراوي

21 سبتمبر 2026

25

أثر الحرب والنزوح على الأسرة في غزة.. زواج مؤجل

لم تعد حرب الإبادة في غزة تؤجل موعداً أو حلماً أو مشروعاً فردياً فحسب، بل امتد أثرها إلى الأسرة الفلسطينية نفسها، لتطال قرارات الزواج وتكوين الأسرة والإنجاب والاستقرار في منزل يجمع أفرادها.

ويكشف أثر الحرب والنزوح على الأسرة في غزة حجم التغيرات التي فرضتها ظروف النزوح المتكرر، وفقدان أفراد الأسرة، وتدمير المنازل، وانقطاع سبل العمل والتعليم.

ففي ظل هذه الظروف، وجد كثير من الشباب أنفسهم أمام واقع يفرض عليهم تأجيل الزواج إلى أجل غير معلوم، فيما تواجه الأسر القائمة أصلاً تحديات غير مسبوقة تهدد تماسكها وقدرتها على الاستمرار.

الحرب لم تترك للأسرة مكاناً آمناً تستقر فيه، ولا وقتاً كافياً للتخطيط للمستقبل، وبين محاولة النجاة من القصف، والبحث عن مأوى، وتوفير الطعام والماء، أصبح التفكير في الزواج وتكوين أسرة جديدة بالنسبة إلى كثيرين أمراً مؤجلاً إلى حين استعادة الحد الأدنى من الاستقرار.

لكن التأجيل لا يطال المقبلين على الزواج وحدهم؛ فالأسر التي كانت قائمة قبل الحرب تعرضت هي الأخرى لصدمات عميقة بفعل النزوح والفقد والانفصال القسري بين أفرادها.

الزواج في غزة.. بداية جديدة وسط أنقاض الحرب

لم تنتهِ معاناة الشاب أحمد حمدان عند فقدان زوجته وابنه في قصف طال منزله خلال الحرب، بل وجد نفسه لاحقاً أمام قرار شاق: محاولة استئناف حياته والزواج من جديد، في وقت لم تعد فيه مقومات الحياة التي عرفها قائمة.

يقول حمدان لـ«المجتمع»: الزواج الذي كان يفترض أن يكون بداية لحياة مستقرة تحول بعد الحرب إلى مسؤولية ثقيلة تبدأ من الصفر، اضطررت إلى البحث عن مكان جديد للسكن وتأمين أثاث جديد، بعدما فقدت منزلي وما فيه، وفي الوقت نفسه خسرت مصدر عملي الذي كنت أعتمد عليه في تأمين احتياجاتي.

ولم يكن تأمين المسكن والأثاث التحدي الوحيد؛ فقد وجد حمدان نفسه أمام غلاء حاد رفع كلفة أبسط متطلبات الحياة، بينما تراجعت قدرته على الإنفاق بعد فقدان مصدر دخله.

وهكذا، أصبح الإقدام على الزواج في ظل الحرب أشبه بمحاولة بناء بيت فوق أنقاض بيت سابق، ليس مادياً فحسب، وإنما نفسياً وإنسانياً أيضاً، فالشاب الذي فقد زوجته وطفله لم يكن يبدأ حياته من الصفر فقط، بل يحمل معه تجربة فقد قاسية وذاكرة حرب، إلى جانب أعباء اقتصادية وسكنية جديدة.

وتصبح إعادة بناء الأسرة في مثل هذه الظروف عملية مركبة، تتطلب أكثر من عقد زواج أو تأمين منزل؛ فهي تعني محاولة استعادة الشعور بالأمان، وإعادة تنظيم الحياة اليومية، والتعامل مع آثار الفقد، ثم تحمل تكاليف السكن والأثاث والمعيشة في اقتصاد أنهكته الحرب.

أثر الحرب والنزوح.. الأسرة في غزة تبحث عن النجاة

يروي د. إبراهيم حبيب تجربة النزوح المتكرر التي عاشها خلال الحرب، والتي لم تكن مجرد انتقال جغرافي من مكان إلى آخر، بل سلسلة متواصلة من الخوف والفقد والإرهاق النفسي، انعكست على الأسرة وقدرتها على ممارسة حياتها بصورة طبيعية.

ويقول لـ«المجتمع»: في هذه الحرب اللعينة نزحنا أكثر من إحدى وأربعين مرة، وكنا نعيش الموت في كل لحظة، واضطررت تحت وطأة الجوع، وأنا رجل ذو مكانة كبيرة ودكتور جامعي وأكاديمي، إلى الذهاب إلى مراكز الموت التي كانوا يسمونها زوراً مراكز المساعدات، وأنا أعلم أن الموت قد يكون قريباً أو قد أكون إحدى ضحاياه.

ويضيف: هذا النوع من النزوح المتكرر لا يقتصر أثره على فقدان المنزل أو الممتلكات، بل يهز البنية الداخلية للأسرة، فكل عملية نزوح تعني إعادة ترتيب للحياة، وفقداناً جديداً لشعور الأمان، وتغييراً في أدوار أفراد الأسرة، وأحياناً انفصال بعضهم عن بعض أثناء محاولات الوصول إلى مكان أكثر أمناً.

ومع تكرار النزوح بحثاً عن النجاة وغياب مقومات الحياة، يصبح الأب والأم منشغلين بتأمين البقاء يوماً بيوم، بدلاً من التخطيط لمستقبل الأسرة، أما الأبناء، فيكبرون في بيئة تفتقر إلى الاستقرار وإلى الإحساس الطبيعي بالبيت والأمان.

وتشير دراسة حديثة(1) شملت 933 طفلاً نازحاً في غزة إلى أن الأطفال تعرضوا في المتوسط لنحو 6.7 عمليات نزوح قسري، فيما سجلت الدراسة مستويات مرتفعة من أعراض اضطراب ما بعد الصدمة والصعوبات العاطفية والسلوكية لدى الأطفال ومقدمي الرعاية.

الفقد يخلخل بنية الأسرة في غزة

وفي تجربة أخرى لا تقل قسوة، فقدت الأم صبحية جندية أربعة من أبنائها الشباب، واحداً تلو الآخر، من دون أن تتمكن من رؤيتهم.

وتقول جندية لـ«المجتمع»: إن أكثر ما يؤلمني، إلى جانب فقد أبنائي، أنني حُرمت من أبسط حقوق الأم في تلك اللحظات؛ أن أراهم، وأن أودعهم، وأن أكون إلى جوارهم حين كانوا بأمسّ الحاجة إلي، ومع كل ابن كنت أفقده، كنت أشعر أن جزءاً آخر من أسرتي يُنتزع مني، وأن البيت الذي كان يجمع أبنائي يتحول تدريجياً إلى مساحة يملؤها الغياب.

وتضيف: لا يتوقف أثر الحرب عند الخسارة البشرية؛ فعندما تفقد الأسرة أبناءها، تفقد في الوقت نفسه أدواراً وعلاقات وذكريات تشكلت على مدار سنوات، ويصبح على من بقي من أفرادها أن يتعلموا العيش في واقع جديد من دون أشخاص كانوا جزءاً أساسياً من تفاصيل حياتهم اليومية.

وبالنسبة إلى أم فقدت أربعة أبناء، لا تبدو العودة إلى الحياة الطبيعية أمراً بسيطاً؛ فهي لا تعني إعادة بناء منزل أو تأمين مصدر دخل فقط، وإنما محاولة التعايش مع فراغ لا يمكن ملؤه، ومع النزوح والخوف وصعوبة الوصول إلى الأقارب، يتحول الحزن إلى تجربة جماعية تعيد تشكيل العلاقات داخل الأسرة.

وتؤكد مراجعات ودراسات نفسية(2) حديثة أن آثار الحرب في غزة تتجاوز الحزن العابر، لتشمل الصدمة والقلق واضطراب النوم والصعوبات السلوكية والعاطفية، فيما يزيد التعرض المتكرر للتهديد والنزوح من العبء النفسي على الأطفال ومقدمي الرعاية.

أسر مفككة وهي لا تزال على قيد الحياة

يشرح الأخصائي النفسي والاجتماعي أحمد حمد أن الحرب لا تفكك الأسرة فقط عندما تفقد أحد أفرادها أو تُجبر على النزوح، بل قد تبدأ عملية التفكك النفسي والاجتماعي قبل ذلك بكثير.

ويؤكد في حديثه لـ«المجتمع» أن النزوح المتكرر يضع الأسرة في حالة دائمة من التوتر، ويجعل أفرادها يعيشون تحت ضغط الخوف من فقدان أحد أفرادها أو المأوى أو مصدر الرزق.

ويقول: مع استمرار هذا الضغط، تتغير طبيعة العلاقات داخل الأسرة، ويصبح البقاء أولوية على حساب التواصل والدعم العاطفي والتخطيط للمستقبل.

ويشير حمد إلى أن فقدان عدد من أفراد الأسرة يؤدي إلى إعادة توزيع الأدوار والمسؤوليات؛ فقد يجد طفل نفسه مضطراً إلى تحمل مسؤوليات أكبر من عمره، أو تتحول الأم إلى المعيل والمسؤول عن الأسرة، فيما قد يفقد الأب قدرته على أداء الدور الذي اعتادت الأسرة أن تتوقعه منه نتيجة البطالة أو النزوح أو الصدمة النفسية.

ويضيف: لا تتوقف آثار التفكك عند الأسر التي فقدت أفراداً منها؛ فحتى الأسر التي بقي أفرادها معاً قد تعاني من انفصال نفسي نتيجة الضغوط الاقتصادية والخوف المزمن والإرهاق واضطراب النوم وتراكم مشاعر الحزن والغضب والعجز.

الحرب تعيد تشكيل مفهوم الأسرة في غزة

أصبحت الحرب تعيد تشكيل مفهوم الأسرة في غزة، فقدان الممتلكات، والبطالة، وارتفاع تكاليف المعيشة، والنزوح، وصعوبة الحركة، وتدمير المنازل، كلها عوامل تجعل تأسيس أسرة جديدة أكثر صعوبة، فيما تضع الأسر القائمة أمام اختبار يومي لقدرتها على البقاء متماسكة.

ولم تعد الخسارة مقتصرة على الماضي؛ فالحرب تؤجل أيضاً المستقبل، شباب يؤجلون الزواج، وأسر تعجز عن استعادة استقرارها، وأطفال يكبرون وسط صدمات متراكمة، بينما يحاول الجميع النجاة في ظروف استثنائية.

وتشير «يونيسف» إلى أن آثار الحرب النفسية(3) على أطفال غزة ستستمر لسنوات، فيما أدى النزوح وفقدان أفراد الأسرة إلى زيادة حالات الانفصال والتفتت الأسري.

إن انتهاء الحرب لن يعني بالضرورة انتهاء آثارها، فالأسر التي فقدت أبناءها، والأطفال الذين فقدوا آباءهم وأمهاتهم، والشباب الذين أجّلوا زواجهم، والنازحون الذين فقدوا منازلهم وشبكاتهم الاجتماعية، سيحتاجون إلى ما هو أبعد من إعادة بناء الجدران: سيحتاجون إلى إعادة بناء الشعور بالأمان، واستعادة الروابط الأسرية، ومعالجة آثار الفقد والصدمة، ومنح جيل كامل فرصة لاستعادة حقه في التخطيط للمستقبل.

ويبقى أثر الحرب والنزوح على الأسرة في غزة ممتداً إلى ما بعد لحظة النزوح أو فقدان المنزل؛ إذ يمس قدرة الأفراد على بناء حياتهم من جديد، ويجعل الزواج والاستقرار وتكوين الأسرة أحلاماً مؤجلة إلى حين توفر الظروف التي تسمح بعودة الحد الأدنى من الأمان والحياة الطبيعية.

الهوامش
  • 1 دراسة بعنوان «الصدمات النفسية وعبء الصحة النفسية على الأطفال النازحين في غزة أثناء الحرب»: دراسة مقطعية.
  • 2 دراسة بعنوان «مراجعة سردية للأثر النفسي والاجتماعي للحرب في غزة على الصحة النفسية».
  • 3 «يونيسف»: https://shortlink.win/1yaEO
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة