من العلم إلى حرية القلب
سالم بن عبد الله.. العالِم الذي أغناه التوحيد عن سؤال الخلق
يروي الإمام الذهبي، في «سير أعلام النبلاء»، خبرًا عن سالم بن عبد الله(1)؛ حيث قَالَ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِاللَّهِ الْعِجْلِيُّ: سَالِمُ بْنُ عبدالله تَابِعِيٌّ ثِقَةٌ.
وَقَالَ
أَحْمَدُ وَابْنُ رَاهَوَيْهِ: أَصَحُّ الْأَسَانِيدِ؛ الزُّهْرِيُّ، عَنْ
سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ.
وَرَوَى
عَبَّاسٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ، قَالَ: سَالِمٌ وَالْقَاسِمُ حَدِيثُهُمَا
قَرِيبٌ مِنَ السَّوَاءِ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ -أَيْضًا- قَرِيبٌ
مِنْهُمَا، وَإِبْرَاهِيمُ أَعْجَبُ إِلَيَّ مُرْسَلَاتٍ مِنْهُمْ، قَالَ
عَبَّاسٌ: قُلْتُ لِيَحْيَى: فَسَالِمٌ أَعْلَمُ بِابْنِ عُمَرَ أَوْ نَافِعٌ؟
قَالَ: يَقُولُونَ: إِنَّ نَافِعًا لَمْ يُحَدِّثْ حَتَّى مَاتَ سَالِمٌ.
وَقَالَ
الْبُخَارِيُّ: لَمْ يَسْمَعْ سَالِمٌ مِنْ عَائِشَةَ.
وَقَالَ ابْنُ
سَعْدٍ: كَانَ سَالِمٌ ثِقَةً، كَثِيرَ الْحَدِيثِ، عَالِيًا مِنَ الرِّجَالِ،
وَرِعًا.
قَالَ
جُوَيْرِيَةُ بْنُ أَسْمَاءَ: حَدَّثَنِي أَشْعَبُ الطَّمَعِ، قَالَ: قَالَ لِي
سَالِمٌ بن عبد الله: «لَا تَسْأَلْ أَحَدًا غَيْرَ اللَّهِ تَعَالَى»(2).
تكشف هذه النصوص
عن اجتماع أمرين في شخصية سالم بن عبد الله: إمامٌ وثق به نقاد الحديث، وعابدٌ ترجم
العلم عنده إلى استقلال عن الخلق، فليس سالم بن عبدالله في هذه الصورة مجرد راوٍ
كثير الحديث، ولا مجرد رجل صالح متخفف من الدنيا؛ وإنما هو نموذج للعالم الذي
التقت عنده قوة الموروث العلمي بقوة التوحيد العملي.
ولذلك، فإن
عبارة سالم لأشعب: «لا تسأل أحدًا غير الله تعالى» لا ينبغي أن تُقرأ منفصلة عن
سيرته، إنها كلمة قصيرة، لكنها تلخص مبدأً عاشهُ سالم بن عبد الله في علاقته بالناس
والسلطة والمال والجاه: أن قلب العالم إذا تعلق بالله لم يعد مضطرًا إلى استمداد
قيمته أو حاجاته من أبواب الخلق.
كيف صنعت أمانة النقل ريادة سالم الحديثية؟
حين يقول الإمام
أحمد وإسحاق بن راهويه عن السلسلة: «الزهري، عن سالم، عن أبيه» إنها من أصح
الأسانيد، فإننا أمام شهادة علمية شديدة الدلالة، فهذا يعني أن سالم لم يكن مجرد
ابن صحابي يروي عن أبيه بحكم القرابة، بل أصبح واسطة علمية موثوقة بين جيل الصحابة
ومن بعدهم.
وكانت قيمة هذه
السلسلة في اجتماع عناصر متعددة: قرب سالم من أبيه عبدالله بن عمر، وطول ملازمته
له، وضبطه لما ينقل عنه، ثم مكانته عند أئمة النقد، ومن هنا نفهم أن النسب الذي
فتح له باب التلقي لم يكن كافيًا وحده لصناعة هذه المنزلة؛ فالثقة الحديثية لا
تُمنح بالقرابة، وإنما تُبنى بالضبط والصدق والعدالة، ولهذا قال ابن سعد: «كان
سالم بن عبد الله ثقة، كثير الحديث، عاليًا من الرجال، ورعًا».
فاجتمعت في
العبارة أربع خصال: الثقة، وكثرة الرواية، وعلو المكانة، والورع، وهذه الصورة
مهمة؛ لأن العلم في مدرسة السلف لم يكن منفصلًا عن أخلاق العالم، فكلما ارتفع
العلم، ازدادت الحاجة إلى ورع يحميه من الهوى.
(إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ)
(فاطر: 28)، كما
تجسدت هذه الدقة المتناهية في عبدالله بن عمر رضي الله عنهما، حيث كان لا يزيد في
حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمة ولا ينقص كلمة.
أثر الملازمة الأسرية في نقل الموروث العلمي
كان سالم بن عبد الله
في قلب البيت العمري؛ فهو ابن عبدالله بن عمر، الذي كان بدوره من أكثر الصحابة
عناية بالاتباع والنقل، ولذلك لم يكن سالم يتلقى روايات متناثرة فقط، بل عاش
قريبًا من مصدر علمه، وشاهد حياة أبيه وسننه وطريقته.
ومن هنا كانت
معرفته بابن عمر عميقة إلى درجة أن يذكر يحيى بن معين ما نُقل من أن نافعًا لم
يبدأ بالتحديث حتى مات سالم، ومهما كان مقدار ما يمكن إثباته تفصيلًا في هذه
العبارة، فإن السياق العام يكشف بوضوح أن سالمًا كان أحد أبرز ورثة علم أبيه.
فالموروث الذي
حمله سالم بن عبد الله لم يكن مجموعة أحاديث فحسب، بل كان منهجًا في العبادة والورع
والاستغناء، وهنا تبدأ الصلة بين الحديث والتوحيد؛ فالعلم الذي أخذه سالم عن أبيه
لم يبق في ذاكرته، بل ظهر في طريقة حياته.
وهو المعنى الذي
تجسد في صناعة التابعين؛ كما قال الإمام عكرمة مولى ابن عباس انه كان : «يَضَعُ
فِي رِجْلَيَّ الْكَبْلَ، وَيُعَلِّمُنِي الْقُرْآنَ وَالسُّنَنَ»(3).
كيف تعزز أمانة السلوك ثقة نقاد الحديث؟
قد يبدو لأول
وهلة أن الحديث عن صحة الأسانيد شيء، والحديث عن التوحيد شيء آخر، لكن سيرة سالم بن عبد الله تجمع بينهما بطريقة لافتة، فالعلم الحديثي يحتاج إلى صدق وأمانة وضبط، والتوحيد
يحتاج إلى صدق مع الله وتجريد القلب له، والورع يحفظ الاثنين معًا.
ولهذا كان سالم
بن عبد الله في نظر أئمة الحديث «ثقة»، وفي نظر أهل عصره رجلًا «ورعًا»، وهذا يقود
إلى معنى مهم: الثقة العلمية لا تنفصل تمامًا عن الثقة الأخلاقية، فالعالم الذي لا
يأمن الناس طمعه أو هواه لا يكون نقل العلم عنده في مأمن كامل.
أما حين يرى
الناس في العالم استغناءه عنهم، وصدقه معهم، وعدم تطلعه إلى ما في أيديهم، فإن ذلك
يرفع الثقة بكلامه.
وقال أمير
المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «لَا يَغُرَّنَّكُمْ صَلَاةُ امْرِئٍ، وَلَا
صِيَامُهُ، وَلَكِنِ انْظُرُوا مَنْ إِذَا حَدَّثَ صَدَقَ، وَإِذَا ائْتُمِنَ
أَدَّى، وَإِذَا أَشْفَى وَرَعَ»(4).
وقال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ،
وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ، وَأَعْمَالِكُمْ»(5).
لماذا رفض سالم بن عبد الله عرض الخليفة في صحن الكعبة؟
تأتي العبارة في
موضع شديد الدلالة؛ فقد خاطب سالم أشعب، الرجل الذي اشتهر في الأدب والآثار بالطمع
وكثرة التطلع إلى ما عند الناس، فلم يقل له سالم كلامًا نظريًا طويلًا عن التوحيد،
وإنما وضع يده على أصل الداء: «لا تسأل أحدًا غير الله تعالى».
إنها تربية على
نقل مركز التعلق من الخلق إلى الخالق، فالإنسان حين يعتاد سؤال الناس يصبح قلبه
معلقًا بأبوابهم؛ ينتظر منهم العطاء، ويراقب رضاهم، ويخشى غضبهم، ويحسب حساب
مكانته عندهم، أما حين يتعلم أن يسأل الله أولًا، فإنه يتحرر من هذا الاستعباد
النفسي، وهنا يصبح التوحيد قوة تحرير، لا مجرد قضية معرفية.
ودخل الإمام
سالم بن عبد الله بن عمر الكعبة، فلقيه الخليفة هشام بن عبد الملك فقال له: «سلني
حاجة»، فقال سالم: «إني لأستحيي من الله أن أسأل في بيت الله غير الله»، فلما خرجا
قال له هشام: «الآن خرجت فسلني حاجة»، فقال له سالم: «من حوائج الدنيا أم من حوائج
الآخرة؟» قال: «من حوائج الدنيا»، فقال سالم: «والله ما سألت الدنيا ممن يملكها،
فكيف أسألها ممن لا يملكها!»(6).
وفي صحيح مسلم
عن عوف بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم بايع طائفة من أصحابه وأسرَّ إليهم
كلمة خفية: ألا تسألوا الناس شيئاً، قال عوف: فلقد رأيت بعض أولئك النفر يسقط
السوط من يده فلا يقول لأحد ناولني إياه(7)، وقيل لأبي حازم ما مالُك؟
قال: ثقتي بالله عز وجل ويأسى مما في أيدي الناس(8).
كيف يتجسد التوحيد في الترفع عن الخلق؟
تزداد العبارة
قوة حين نقارنها بمواقف سالم بن عبد الله الأخرى، فقد عُرف عنه أنه لم يكن يتطلع إلى ما في
أيدي الخلفاء، وأنه استطاع أن يقف أمامهم بعزة العالم المستغني.
فإذا جمعنا
موقفه مع هشام مع قوله لأشعب، ظهرت وحدة واضحة في شخصيته: لا تسأل الناس، ولا تجعل
حاجتك إليهم مصدرًا لضعفك، واجعل قلبك متعلقًا بالله، لم يكن ذلك موقفًا يخص أشعب
وحده، بل مبدأً عاشه سالم؛ (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ
مَخْرَجاً {2} وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى
اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ) (الطلاق:2-3).
وكان عبدالله بن
عمر رضي الله عنهما يُعرض عليه المال والجوائز فيأبى أخذها ويقول: «لا أَسْأَلُ
أَحَدًا شَيْئًا، وَلا أَرُدُّ مَا رَزَقَنِي اللَّهُ تَعَالَى»، وأقسم الصحابي
الجليل حكيم بن حزام رضي الله عنه ألا يأخذ من أحد شيئاً بعد رسول الله صلى الله
عليه وسلم حتى فارق الدنيا، وقال الإمام أبو جعفر محمد بن علي الباقر: «الْغِنَى
وَالْعِزُّ يَجُولانِ فِي قَلْبِ الْمُؤْمِنِ، فَإِذَا وَصَلا إِلَى مَكَانٍ فِيهِ
التَّوَكُّلُ أَوْطَنَاهُ»(9).
كيف يصنع التخفف المادي هيبة العالم واستقلاله؟
هناك علاقة
واضحة بين قلة طلب الإنسان من الناس وبين استقلاله عنهم، من يحتاج إلى شخص، قد
يخشى أن يخالفه، ومن ينتظر من شخص عطية، قد يتردد في نقده، ومن يجعل منزلته مرتبطة
برضا الناس، قد يغير مواقفه حتى لا يخسرهم.
أما العالم الذي
لا يطمع فيما عند الناس، فإنه يمتلك مساحة واسعة من الحرية الداخلية، ولهذا يمكن
فهم جانب من هيبة سالم أمام الخلفاء؛ فلم يكن يدخل عليهم طالبًا، ولذلك لم يكن
مضطرًا إلى أن يجعل كلامه تابعًا لما يريدون، إن الاستغناء هنا ليس مجرد فضيلة
شخصية، بل مصدر للاستقلال العلمي.
وقد قال أمير
المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعد أن فقد رجلاً أياماً فإما دخل عليه أو
لقيه: مِنْ أَيْنَ تُرَى؟ قَالَ: اشْتَكَيْتُ فَمَا خَرَجْتُ لِصَلَاةِ وَلَا
لِغَيْرِهَا، فقال له عمر: إِنْ كنتَ مُجيبًا شَيْئًا فَأَجِبِ الْفَلاحَ»، في إبراز
لذات المعنى الذي فهمه سالم انه لا حاجة لك لشيء سوى لله، فان كنت خارجا في مرضك
فلا تخرج إلا لإجابة الله حين يناديه حي على الفلاح(10)، وقال معاوية
بن أبي سفيان رضي الله عنه: «إِنَّ الدُّنْيَا لَمْ تُرِدْ أَبَا بَكْرٍ وَلَمْ
يُرِدْهَا، وَأَرَادَتِ ابْنَ الْخَطَّابِ وَلَمْ يُرِدْهَا»(11)، وحين
حج الأمير هشام بن عبد الملك لم يقدر على استلام الحجر الأسود لشدة الزحام، فلما
أقبل علي بن الحسين زين العابدين تنحى له الناس وانفرجوا هيبةً وتوقيراً دون أمر
سلطاني حتى استلم الحجر.
كيف يحمي الاستغناء كلمة الحق لدى العلماء؟
العلم يحتاج إلى
حرية، والحرية تحتاج إلى قدر من الاستغناء، ولهذا فإن علاقة سالم بالدنيا كانت
جزءًا من علاقته بالعلم، فالعالم الذي لا يحتاج إلى المال والجاه حتى يشعر بقيمته
يكون أقدر على أن يقول: لا.
ولا يعني ذلك أن
كل من طلب حاجة من الناس فقد نقص توحيده؛ فالأسباب المشروعة والحاجات البشرية باب
آخر، لكن سالم كان يربي على مقام أعلى؛ ألا يصبح القلب أسيرًا للمخلوق، وهذا فرق
مهم بين الأخذ بالأسباب وبين التعلق بالأسباب، قد يأخذ الإنسان بسبب مشروع، لكن
قلبه يعلم أن النفع والضر بيد الله.
وسُئل الإمام
محمد بن عبدالرحمن بن أبي ذئب من قبل الخليفة أبي جعفر المنصور: «أتراني أعدل؟»،
فقال له دون مداهنة: «أما إذا نشدتني بالله فأقول اللهم لا ما أراك تعدل وانك
لجائر وأنا لتستعمل الظلمة وتدع أهل الخير»(12).
ولما أمر
الخليفة سليمان بن عبد الملك بَعَثَ إِلَى أبي حازم بِمِائَةِ دِينَارٍ وَكَتَبَ
إِلَيْهِ أَن أَنْفِقْهَا وَلَكَ عِنْدِي مِثْلُهَا كَثِير، فَرَدَّهَا عَلَيْهِ
وَكَتَبَ إِلَيْه: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ أُعِيذُكَ بِاللهِ أَنْ يَكُونَ
سُؤَالُكَ إِيَّايَ هَزْلاً، أَوْ رَدِّي عَلَيْكَ بَذْلاً -أَيْ أَعُوذُ بِاللهِ
أَنْ يَكُونَ كَلاَمُنَا في الزُّهْدِ عَبَثَاً- وَمَا أَرْضَاهَا لَكَ فَكَيْفَ
أَرْضَاهَا لِنَفْسِي»(13)، ثم إنَّ أوَّلَ من بدَأ بالخُطبةِ يومَ
العيدِ قبلَ الصَّلاةِ مروانُ، فقامَ إليه رجُلٌ، فقال: الصَّلاةُ قبلَ الخُطبةِ؟
فقال: تُرِكَ ما هُنالكَ، فقال أبو سعيدٍ: أمّا هذا فقد قَضى ما عليه، سمِعتُ
رسُول الله صلى الله عليه وسلم يقولُ: «من رأى مِنكُم مُنكرًا فليُغيِّرهُ بيدِهِ،
فإن لم يَسْتطِعْ فبِلِسانِهِ، فإن لم يَسْتطِع فبقَلبِهِ، وذلك أضعفُ الإيمانِ»(14).
أسباب اجتماع ثناء النقاد والجمهور على سالم بن عبد الله
إذا جمعنا
شهادات الأئمة في سالم بن عبد الله، ظهرت لنا صورة الهيبة من أكثر من جهة، العجلي يقول: «تابعي
ثقة»، وأحمد وإسحاق يضعان روايته في سلسلة من أصح الأسانيد، وابن سعد يصفه بالثقة
وكثرة الحديث والورع، ويحيى بن معين يناقش منزلته العلمية مقارنة بنافع وغيره.
فهذه ليست شهادة
واحدة، بل طبقات من التقدير العلمي، ثم تأتي حياته العملية لتفسر هذه المكانة، فالعلم
وحده يرفع صاحبه، لكن حين يراه الناس مقرونًا بالورع والاستغناء والتوحيد، تتحول
المعرفة إلى هيبة أخلاقية؛ (يَرْفَعِ
اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ) (المجادلة:11).
وقال الصحابي
الجليل جابر بن عبدالله في عبدالله بن عمر: «ما منَّا أحدٌ أدرَكَ الدنيا إلَّا قد
مالَتْ به ومالَ بها، إلَّا عبدالله بنَ عمر»(15)، وأجمع أهل المدينة
والعلماء على إمامة سعيد بن المسيب وعلمه وورعه حتى لُقب بـ «عالم أهل المدينة»
و«سيد التابعين».
تحذير السلف من بذل العلم لأهل الدنيا
من أخطر ما يمكن
أن يصيب العالم أن يتحول العلم عنده إلى وسيلة للوصول إلى الناس، أما سالم فكان
يعلم أن العلم أمانة، وأن العالم ينبغي أن يكون قادرًا على أن يقول الحق دون أن
يحسب حساب عطايا الخلق.
ولهذا، فإن قوله
لأشعب يصلح أن يكون قاعدة تربوية للعلماء وطلاب العلم: كلما تعلق القلب بالله، قلّ
احتياجه إلى تصفيق الناس، وكلما قلّ احتياجه إلى عطاياهم، زادت حريته، وكلما زادت
حريته، أمكنه أن يحفظ علمه من التوظيف لأغراض الدنيا، وهنا تتحول عقيدة التوحيد
إلى قوة عملية تحمي العلم من الاستغلال.
وقال الصحابي
الجليل عبدالله بن مسعود: «لَوْ أَنَّ أَهْلَ العِلْمِ صَانوا العِلْمَ
وَوَضَعُوهُ عِنْدَ أَهْلِهِ لَسَادُوا أَهْلَ زَمَانِهِمْ وَلكِنَّهُمْ وَضَعُوهُ
عِنْدَ أَهْلِ الدُّنْيَا لِيَنَالُوا مِنْ دُنْيَاهُمْ فَهَانُوا عَلَيْهِمْ»(16).
وكتب الإمام أبو
حازم سلمة بن دينار رسالته الشهيرة للإمام الزهري يعظه ويحذره من القرب من السلطان
قائلاً: «اعلم أن أدنى ما ارتكبت واعظم ما احتقبت أن آنستَ الظالم وسهّلت له طريق
الغي بدنوك حين أُدنيت وإجابتك حين دُعيت فما أخلقك أن ينوَّه غداً باسمك مع
الجَرَمة، وان تُسأل عما أردت بإغضائك عن ظُلم الظَلَّمَة، انك أخذت ما ليسَ لمن
أعطاك، جعلوك قطباً تدور عليه رَحى باطِلهم وجسْراً يَعبُرون بك إلى بلائهم
وسلَّمًا إلى ضلالتهم يدخلون بك الشك على العلماء ويقتادون بك قلوب الجهال إليهم،
فلم يبلغ أخص وزرائهم ولا أقوى أعوانهم لهم إلا دون ما بلغت من إصلاح فسادهم
واختلاف الخاصة والعامة إليهم فما ايسرَ ما عَمروا لكَ في جنْب ما خرَّبوا عليك،
وما اقَّل ما أعطوك في قدْر ما اخذوا منك، فانظر لنفسك فانه لا ينظر لها غيرك،
وحاسبها حسابا رجل مسؤول وانظر كيف شكرك لمن غذاك بنعمه صغيراً وكبيراً وانظر كيف
إعظامُك أمر من جعلك بدينهِ في الناس مبجلا، وكيْف صيانتُك لكسْوةِ من جعلك بكسوته
مستترا، وكيف قربك وبُعدك ممن أمرك أن تكون منه قريباً، ما لك لا تتنبه من نعستك»(17).
كيف جمع سالم بن عبد الله بين نقل النص وتطبيقه؟
لم يكن سالم
مجرد حافظ لموروث ابن عمر؛ بل كان جسرًا انتقل عبره ذلك الموروث إلى أجيال لاحقة، فقد
حمل عنه الرواة، ونقل عنه العلماء، وصارت طريقته في العلم والعبادة جزءًا من ذاكرة
المدينة.
وهكذا تتضح
وظيفة العالم في الحضارة الإسلامية؛ أن يكون أمينًا على الموروث، ومثالًا حيًا له
في الوقت نفسه، لو نقل سالم الحديث ولم يظهر أثره في سلوكه، لبقي نصف الرسالة، أما
أن ينقل الحديث ويعيش الورع والاستغناء، فقد جمع بين العلم وتجسيده.
وقال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: «إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة
جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له»(18).
وقال الإمام علي
بن الحسين زين العابدين: «كُنَّا نُعَلَّمُ مَغَازِيَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه
وسلم وَسَرَايَاهُ، كَمَا نُعَلَّمُ السُّورَةَ مِنَ القُرْآنِ»(19)، وكان
الإمام عروة بن الزبير يحث أبناءه على طلب العلم قائلًا: «يا بنّي تعلموا فإنكم إن
تكونوا صغار قوم عسى أن تكونوا كبارهم واسوأتاه ماذا أقبح من شيخ جاهل»(20).
تكتمل في سيرة سالم بن عبد الله المعالم العميقة للتلازم الوثيق بين صحة الرواية وصحة الاعتقاد؛ إذ كشفت حياته أن صحة الأسانيد لم تكن مجرد صناعة حديثية مجردة، بل كانت ثمرة استقامة ورع يقف خلفها توحيد عملي يتجلى في الاستغناء التام عن الخلق والالتجاء بالقلب والحاجة إلى الله وحده، إن موقفه الخالد أمام أشعب حين اختصر له التوحيد في قوله: «لا تسأل أحداً غير الله»، وموقفه الصلب في بيت الله الحرام أمام الخليفة هشام بن عبد الملك، يقدمان أنموذجاً شاهداً على أن العلم النافع هو الذي يورث صاحبه حرية نفسية وعزة إيمانية تترفع عن عطايا الملوك وحظوظ الدنيا الزائلة، وهكذا يظل أثر سالم ممتداً في الذاكرة الإسلامية بوصفه العالم الذي صان كلمته وحفظ أمانة علمه، فلم يبع مبدأه، ولم يمد يده لغير خالقه، ليؤكد أن قوة العالم الحقيقية لا تنبع من تقربه إلى أهل السلطان والمال، وإنما تجري من ينابيع التوكل والاستغناء بالحي القيوم.
الهوامش
- 1 سالم بن عبدالله بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي، ولد بالمدينة المنورة في خلافة عثمان بن عفان، وهو تابعي جليل ومن كبار فقهاء المدينة المنورة السبعة، اشتهر برواية الحديث والفقه والزهد والورع والتأسّي بالسنّة على طريق أبيه وجده، وسكن المدينة المنورة وتوفي بها سنة 106هـ.
- 2 سير أعلام النبلاء (4/ 458).
- 3 مسند الدارمي (1/ 460/ 572).
- 4 الزهد والرقائق، ابن المبارك (357/ 1010).
- 5 صحيح مسلم (8/ 11/ 2564).
- 6 صفة الصفوة (1/ 352/ 163).
- 7 قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (1/ 56/ 159)، وقال ابن تيمية: وفي صحيح مسلم عن عوف بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم بايع طائفة من أصحابه وأسرَّ إليهم كلمة خفية: «أن لا تسألوا الناس شيئاً»، قال عوف: فلقد رأيت بعض أولئك النفر يسقط السوط من يده فلا يقول لأحد ناولني إياه.
- 8 صفة الصفوة (1/ 386/ 185).
- 9 ثلاثة مجالس من أمالي أبي عبدالله الروذباري (41/ 40).
- 10 كتاب جمع الجوامع (16/ 105) (2/ 2416).
- 11 المرجع السابق (14/ 257) (1/ 416).
- 12 صفة الصفوة (1/ 395).
- 13 موسوعة الرقائق والأدب، ص 3345.
- 14 التمهيد لابن عبد البر (7/ 107)، وقال ابن عبد البر في المصنَّف (5736)، ومن طريقه أخرجه مسلم (49) (78)، وأخرجه أحمد في مسنده 18/ 78 (11514)، وابن حبان (356) من طريق وكيع، به، وأخرجه عبد الرزاق في المصنَّف (5649)، وأحمد (18/ 42) (11460)، والترمذي (2172)، والنسائي في المجتبى (8/ 111)، وابن منده في الإيمان (182) من طرق عن سفيان، به، وانظر: المسند الجامع (6/ 240) (241/ 4282).
- 15 المستدرك على الصحيحين وقال الحاكم إسناده صحيح، عبثر: هو ابن القاسم، وحصين: هو ابن عبد الرحمن السُّلمي.
- 16 جمع الجوامع (21/ 542).
- 17 صفة الصفوة (1/ 388).
- 18 صحيح مسلم (3/ 1255/ 1631).
- 19 البداية والنهاية (3/ 297).
- 20 صفة الصفوة (1/ 349).
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً