الحِجر أعلن ما صنعته سنوات الطلب
عروة بن الزبير.. بين الحِجر والطواف بدأت رحلة العالِم
يروي الإمام
الذهبي، في «سير أعلام النبلاء»، خبرًا عن عروة بن الزبير(1)؛ يقول
سُلَيْمَانُ بْنُ مَعْبَدٍ: حَدَّثَنَا الْأَصْمَعِيُّ، عَنِ ابْنِ أَبِي
الزِّنَادِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: اجْتَمَعَ فِي الْحِجْرِ مُصْعَبٌ، وَعَبْدُاللَّهِ، وَعُرْوَةُ بَنُو الزُّبَيْرِ، وَابْنُ عُمَرَ، فَقَالُوا: تَمَنُّوا، فَقَالَ
عَبْدُ اللَّهِ: أَمَّا أَنَا، فَأَتَمَنَّى الْخِلَافَةَ، وَقَالَ عُرْوَةُ: أَتَمَنَّى
أَنْ يُؤْخَذَ عَنِّي الْعِلْمُ، وَقَالَ مُصْعَبٌ: أَمَّا أَنَا، فَأَتَمَنَّى
إِمْرَةَ الْعِرَاقِ، وَالْجَمْعَ بَيْنَ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ، وَسُكَيْنَةَ
بِنْتِ الْحُسَيْنِ، وَأَمَّا ابْنُ عُمَرَ فَقَالَ: أَتَمَنَّى الْمَغْفِرَةَ، فَنَالُوا
مَا تَمَنَّوْا، وَلَعَلَّ ابْنَ عُمَرَ قَدْ غُفِرَ لَهُ.
وَعَنْ أَبِي
الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ، قَالَ: خَطَبْتُ إِلَى ابْنِ عُمَرَ بِنْتَهُ
سَوْدَةَ وَنَحْنُ فِي الطَّوَافِ، فَلَمْ يُجِبْنِي بِشَيْءٍ، فَلَمَّا دَخَلْتُ
الْمَدِينَةَ بَعْدَهُ، مَضَيْتُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: أَكُنْتَ ذَكَرْتَ سَوْدَةَ؟ قُلْتُ:
نَعَمْ، قَالَ: إِنَّكَ ذَكَرْتَهَا وَنَحْنُ فِي الطَّوَافِ يَتَخَايَلُ اللَّهُ
بَيْنَ أَعْيُنِنَا، أَفَلَكَ فِيهَا حَاجَةٌ؟ قُلْتُ: أَحْرَصُ مَا كُنْتُ، قَالَ:
يَا غُلَامُ، ادْعُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، وَنَافِعًا مَوْلَى
عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قُلْتُ لَهُ: وَبَعْضَ آلِ الزُّبَيْرِ؟ قَالَ: لَا، قُلْتُ:
فَمَوْلَى خُبَيْبٍ؟ قَالَ: ذَاكَ أَبْعَدُ، ثُمَّ قَالَ لَهُمَا: هَذَا عُرْوَةُ
بْنُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، وَقَدْ عَلِمْتُمَا حَالَهُ، وَقَدْ خَطَبَ إِلَيَّ
سَوْدَةَ، وَقَدْ زَوَّجْتُهُ إِيَّاهَا بِمَا جَعَلَ اللَّهُ لِلْمُسَلَّمَاتِ
عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ إِمْسَاكٍ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٍ بِإِحْسَانٍ، وَعَلَى
أَنْ يَسْتَحِلَّهَا بِمَا يَسْتَحِلُّ بِهِ مِثْلَهَا، أَقَبِلْتَ يَا عُرْوَةُ؟ قُلْتُ:
نَعَمْ قَالَ: بَارَكَ اللَّهُ لَكَ(2).
في زوايا
التاريخ المنسية، ومقاعد المسجد النبوي الشريف، تتشكل أحياناً ملامح المستقبل
بعيداً عن صخب السياسة وبريق السيوف، تكشف لنا الأخبار المروية عن شخصية التابعي
الجليل عروة بن الزبير أبعاداً من زاوية مختلفة تماماً؛ فهي لا تعرض لنا العالم
الجليل بعد اكتمال منزلته وتوافد الطلاب عليه، وإنما تغوص في الجذر الداخلي العضوي
الذي صنع ذلك العالم وصاغ وجدانه، فالذي أصبح لاحقاً أحد أئمة المدينة المنورة
السبعة، ومشرعاً من مشرعي الفقه ومدرسة في رواية الحديث، لم يبدأ مسيرته من رغبة
في الشهرة أو طموح في المنافسة السياسية، بل انطلق من أمنية صغيرة في ظاهرها،
عظيمة وشاهقة في معناها: «أن يؤخذ عنه العلم».
تكشف هذه
الأخبار عن شخصية عروة بن الزبير من زاوية مختلفة؛ فهي لا تعرض لنا العالم بعد
اكتمال منزلته، وإنما تكشف عن الجذر الداخلي الذي صنع ذلك العالم، فالذي أصبح
لاحقًا أحد أئمة المدينة لم يبدأ من رغبة في الشهرة أو المنافسة السياسية، بل من
أمنية صغيرة في ظاهرها عظيمة في معناها: «أن يؤخذ عنه العلم».
لماذا تمنى عروة بن الزبير بذل العلم؟
كان عبد الله بن
الزبير يرى في الأفق الخلافة الكبرى، وتطمح نفسه لقيادة الأمة وجمع شتاتها، ومصعب
بن الزبير يرى أفق الإمارة والجاه، حيث الجيوش والمناصب في العراق، أما عروة
فاختار أن يكون طريقه طريق العلم المتين، لم يكن هذا الاختيار المغاير هروباً من
واقع الناس أو عجزاً عن التأثير في مساراتهم، بل كان انتقالاً واعياً إلى نوع آخر
من التأثير الأعمق؛ فصاحب السلطان يحكم الناس بأمره في زمنه المحدود، ثم تنطوي
صفحته بوفاته أو زوال ملكه، أما العالم الرباني فيحمل أثراً حياً يمتد بعد زمنه،
ويحكم العقول والقلوب بقوة الحجة ونور البصيرة.
ليست الأماني في
حقيقتها مجرد رغبات عابرة تتفوه بها الألسن، بل هي مرآة دقيقة لما يستقر في غياهب
النفس من تصورات عن القيمة والنجاح ومعاني الخلود، ولهذا كان اجتماع عروة وإخوته
مع عبد الله بن عمر في الحِجْر لحظة كاشفة بامتياز؛ فقد خرجت من كل نفس أمنية
تناسب اتجاهها ومخزونها الداخلي، عبد الله بن الزبير، بما عُرف عنه من طموح جارف
وشخصية قيادية صلبة، تمنى الخلافة، ومصعب بن الزبير اتجهت أمنيته إلى الإمارة وما
يصاحبها من مكانة اجتماعية مرموقة، أما عبد الله بن عمر، فاختار أمنية مختلفة
تماماً تمثل خلاصة الزهد: المغفرة، وهي أمنية من استشعر مقام العبودية الثقيل
والمسؤولية الكبرى أمام الله عز وجل.
وسط هذا
التباين، قال عروة: «أتمنى أن يؤخذ عني العلم»، لم يقل: أتمنى أن أكون مشهوراً، أو
أن يكثر أتباعي، أو أن يعرف الناس اسمي وتُضرب لي أكباد الإبل، بل جعل مركز أمنيته
ومحورها انتقال العلم منه إلى غيره، ليغدو جسراً تعبر عليه المعرفة النبوية إلى
الأجيال، وهنا يظهر الفرق الجلي بين حب العلم الصادق وبين حب الظهور؛ فالعالم الذي
يريد أن يؤخذ عنه العلم لا يطلب مجرد المكانة الدنيوية أو التميز الأكاديمي، بل
يطلب أن يكون وعاءً مباركاً لخير يصل إلى الآخرين.
وقد وجه الخالق
سبحانه وتعالى نبيه الكريم إلى أشرف المطالب حين قال: (وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا) (طه: 114)، فجعل
الزيادة في العلم من أعظم الغايات التي يطلبها العبد من ربه، متجاوزاً بها كل حظوظ
الدنيا من مال أو جاه أو سلطان، بل إن هذا السمو في الأماني هو امتداد طبيعي
لمدرسة النبوة التي ربت هذه الأجيال على تقديم مراد الله، أرسل الله إلى نبيه
ملكاً من الملائكة معه جبريل، فقال الملك: «إِنَّ اللهَ يخبّرك بَيْنَ أَنْ
تَكُونَ عَبْدًا نَبِيًّا، وَبَيْنَ أَنْ تَكُونَ مَلِكًا نَبِيًّا، فَالْتَفَتَ
نَبِيُّ اللهِ، صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِلَى جِبْرِيلَ، عَلَيْهِ
السَّلَامُ، كَالْمُسْتَشِيرِ لَهُ، فَأَشَارَ جِبْرِيلُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ،
إِلَى رَسُولِ اللهِ، صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنْ تَوَاضَعْ، فَقَالَ
رَسُولُ اللهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: بَلْ أَكُونُ عَبْدًا نَبِيًّا، قَالَ:
فَمَا أَكَلَ بَعْدَ تِلْكَ الْكَلِمَةِ طَعَامًا مُتَّكِئًا حَتَّى لَقِيَ
رَبَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ»(3).
هكذا اختار
النبي صلى الله عليه وسلم مقام العبودية المفتقر إلى الله، تاركاً المُلك وسلطانه،
وعلى ذات الدرب سار كبار الصحابة الذين صاغوا أمانيهم بعيداً عن حظوظ النفس، لكني
أتمنى لو أن هذه الدار مملوءة رجالاً مثل أبي عبيدة بن الجراح، وأبي حذيفة بن عتبة،
وسالم مولى أبي حذيفة(4)، وأستعملهم في طاعة الله، تلك كانت أمنية عمر
بن الخطاب، أن يمتلك كنوزاً من الرجال لا كنوزاً من الذهب والفضة، ومن هنا نفهم
بوضوح لماذا تحققت أمنية عروة لاحقاً؛ فقد سار على نهج العبودية والعلم، فصار من
كبار فقهاء المدينة، وأخذ عنه أئمة الحديث.
لماذا أجل ابن عمر إجابة خطبة عروة بن الزبير؟
يكشف لنا موقف
عروة مع الصحابي الجليل عبد الله بن عمر رضي الله عنهما في الطواف حول الكعبة عن
جانب آخر أعمق في شخصيته؛ أن العلم الذي لا يصنع في الصدر قلباً حاضراً خاشعاً،
ليس هو العلم الذي حمله عروة ونشده، خَطَبْتُ إِلَى ابْنِ عُمَرَ بِنْتَهُ
سَوْدَةَ وَنَحْنُ فِي الطَّوَافِ، فَلَمْ يُجِبْنِي بِشَيْءٍ، فَلَمَّا دَخَلْتُ
الْمَدِينَةَ بَعْدَهُ، مَضَيْتُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: أَكُنْتَ ذَكَرْتَ سَوْدَةَ؟
قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: إِنَّكَ ذَكَرْتَهَا وَنَحْنُ فِي الطَّوَافِ يَتَخَايَلُ
اللَّهُ بَيْنَ أَعْيُنِنَا، أَفَلَكَ فِيهَا حَاجَةٌ؟ قُلْتُ: أَحْرَصُ مَا
كُنْتُ.
هذه الحادثة
المهيبة تكشف عن حالة راقية من استحضار عظمة الله جل جلاله في العبادة، فابن عمر
لم يكن يرى الطواف مجرد حركة بدنية حول البيت العتيق، أو طقساً مجرداً يؤدى
بالجسد، بل كان يراه مقاماً إيمانياً يغلب فيه حضور القلب وامتلاؤه بالمهابة، حتى
لا يشغله عن ذكر الله شأن آخر من شؤون الدنيا، مهما كان هذا الشأن مباحاً كالزواج
والمصاهرة، وهنا، يتعلم عروة بن الزبير درساً بليغاً لم يكن مكتوباً في صحيفة حديث
أو كتاب فقهي، بل في مدرسة السلوك والمراقبة: أن العبادة ليست أفعالاً ظاهرة فحسب،
بل حضور ومراقبة وتعظيم مستمر للخالق.
العلماء الذين
أورثهم العلم خشية ومراقبة هم الذين وصفهم الله تعالى في كتابه المبين بقوله: (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ
قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ
السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) (آل عمران: 191)، فالعالم الذي يحمل العلم عن
الله يحتاج، قبل حمل الأقوال وروايتها، إلى حمل المعاني في قلبه؛ لأن العلم إذا
تجرد من الخشية قد يتحول إلى مجرد معلومات جافة وحروف باردة ميتة، أما إذا امتزج
بالتقوى واستحضر فضل الله، صار هداية تشع بالنور، أفلا أكون عبداً شكوراً(5)،
هكذا أجاب المعلم الأول صلى الله عليه وسلم حين تورمت قدماه من طول القيام، مبيناً
أن ثمرة المعرفة المطلقة بالله هي كمال العبودية وكمال الخضوع.
لماذا غابت المظاهر عن زواج بنت ابن عمر؟
في مشهد تزويج
عروة بسودة بنت عبد الله بن عمر، تظهر بجلاء بساطة مجتمع تربى على تقديم حقائق
الدين على المظاهر الاجتماعية الجوفاء، فابن عمر حين وافق على الزواج في المدينة،
لم يستدعِ جماعة من أهل النسب والمكانة وأصحاب الجاه ليعقدوا مجلساً يضج بالتفاخر
والتباهي، بل دعا ابنه عبد الله ونافعاً مولاه فقط، ثم عقد النكاح بكلمات قليلة
واضحة مستمدة من عمق المعنى الشرعي ومن المسؤولية الملقاة على الكواهل: «بِمَا
جَعَلَ اللَّهُ لِلْمُسَلَّمَاتِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ إِمْسَاكٍ بِمَعْرُوفٍ
أَوْ تَسْرِيحٍ بِإِحْسَانٍ».
لم يكن معيار
القبول في هذا البيت النبوي العريق هو كثرة المال أو قوة العصبية والامتداد
العشائري، بل كان حال الرجل وما عُرف عنه من طهر وصلاح واستقامة في دينه وأخلاقه، لقد
دخل عروة بن الزبير هذا البيت المبارك من باب العلم والخلق المتين، لا من باب
المنافسة الاجتماعية أو استعراض الثروات، وكان ذلك امتداداً طبيعياً لطبيعته
الصادقة التي ظهرت منذ أمنيته الأولى في الحِجر، هذا المسلك الواضح في تقديم الدين
على الدنيا، والخلق على المال، هو سمة العظماء من أهل العلم الذين زهدوا في بريق
الزخارف، أين كنت؟ توفيت أهلي فاشتغلت بها استحدثت امرأة؟ ومن يزوجني وما أملك إلا
درهمين أو ثلاثة؟ أنا أزوجك، هكذا زوّج التابعي الجليل سعيد بن المسيب ابنته لطالب
علم فقير(6)، لا يملك سوى دراهم معدودة، بعد أن كان قد خطبها أمير
المؤمنين عبد الملك بن مروان لابنه، مؤثراً الدين والخلق على قصور الخلافة وملكها
الواسع.
كيف شكل تعظيم أمر الله حياة عروة بن الزبير؟
إذا جمعنا بين
حادثة الزواج هذه وبقية أخبار عروة المتناثرة في بطون السير، ظهر لنا خط مستقيم
وواضح في حياته: العلم عنده لم يكن في يوم من الأيام مشروع مكانة للارتقاء على
رقاب العباد، بل كان مشروع عبودية خالصة للخالق، فالغلام الذي كان يسابق الزمن
ليتعلم، هو نفسه الشاب الذي يتمنى أن يؤخذ عنه العلم ليكون وعاء للخير، وهو نفسه
العالم الجليل الذي يخشى أن يضيع ما عنده من المعرفة، إنها شخصية تتشكل وتنمو حول
معنى مركزي واحد: تعظيم أمر الله والخوف من تجاوزه.
وقد جعل الله
هذه الخشية وهذا الورع هو الميزان الحقيقي لمعرفة العلماء، فقال جل شأنه: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ
عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) (فاطر: 28)، فالعلم الذي لا يورث الخشية لا يستحق
صاحبه هذا الوصف القرآني العظيم، ولهذا لم يكن عروة بن الزبير عالماً بكثرة
الرواية وسرد الأحاديث فقط، بل كان عالماً يحمل أثر هذا العلم في كل تفاصيل سلوكه،
وفي نظرته الزاهدة إلى مكاسب الدنيا، مقتدياً في ذلك بالصحب الكرام الذين بلغ بهم
الورع مبلغاً عظيماً، حملني على ذلك الجوع، من أين جئت بهذا؟ مررت بقوم في
الجاهلية فرقيت لهم فوعدوني، فلما كان اليوم مررت بهم فإذا عرْس لهم فأعطوني إن
كدت أن تهلكني(7)! هكذا أدخل الصديق أبو بكر إصبعه في حلقه ليخرج لقمة
طعام دخلت جوفه من كسب به شبهة، ورعاً وخوفاً أن ينبت جسده من سحت، من هذه المدرسة
العظيمة، استقى عروة ورعه ونقاوة سريرته.
كيف يبقى أثر الإنسان بعد رحيل شخصه؟
تكشف هذه
الروايات والمواقف المتضافرة عن سر عظيم من أسرار شخصية عروة بن الزبير؛ فقد بدأ
مسيرته بأمنية نقية في الحِجر، أمنية لا يلتفت إليها كثير من عشاق السلطة
والمناصب، لكنها كانت أعظم وأبقى من أماني الخلافة والإمارة: أن يؤخذ عنه العلم، وقد
منحه الله فوق ما تمنى، فسار عمره كله في اتجاه تلك الغاية السامية؛ فكان علمه
مقترناً بالورع الشديد، وعبادته مقترنة بالحضور القلبي والخشوع المستدام، ومكانته
مبنية على النفع الصادق لا على الشهرة الجوفاء.
كنتُ إذا حدّثني عروة ثمّ حدّثتني عَمْرة، صَدَّقَ عندي حديثُ عَمْرة حديثَ عُروة، فلمّا تَبَحَّرْتُهما إذا عُروةُ بحرٌ لا يُنْزَفُ(8)، هكذا صدق فيه قول تلامذته الأكابر حين نهلوا من معينه الذي لا ينضب، وفي المحصلة، لقد ركزنا في هذه القراءة التاريخية على زاوية محددة: "الخلود المعرفي مقابل الخلود السياسي"، لقد رأى عروة أن الإنسان لا يخلد بما يصل إليه من سلطة تحكم الأجساد لفترة وجيزة، بل بما يتركه من هداية وعلم يحيي العقول ويقوم الأرواح أبد الدهر، ولذلك بقي اسم عروة بن الزبير ساطعاً في طبقات العلماء وصدور المؤمنين، لا مجرد رقم في صفحات أصحاب المناصب الزائلة.
الهوامش
- 1 عروة بن الزبير بن العوام القرشي الأسدي، ولد سنة 23هـ، وهو تابعي جليل وأحد فقهاء المدينة المنورة السبعة، أخذ العلم عن كبار الصحابة ومن أبرز شيوخه خالته أم المؤمنين عائشة، وأبوه الزبير، وأبو هريرة، وابن عباس، واشتهر بالفقه والحديث وتدوين المغازي والعبادة والصبر، وسكن المدينة المنورة وتوفي بها سنة 94هـ.
- 2 سير أعلام النبلاء (4/ 423).
- 3 دلائل النبوة (1/ 334)، وقد قال البيهقي: ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ فِي «التَّارِيخِ الكبير» (1/ 1/ 124).
- 4 الاستيعاب في معرفة الأصحاب (6/ 243/ 2390).
- 5 صحيح البخاري (1/ 380/ 1078).
- 6 مرآة الزمان في تواريخ الأعيان.
- 7 المنتظم في تاريخ الملوك والأمم (4/ 62).
- 8 الطبقات الكبرى (7/ 180/ 1554).
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً