من بشارة الميلاد إلى نفع الآخرين
فرحة المولود تصبح إحساناً.. خبر عبد الله بن بريدة
قال الإمام
الذهبي، في «سير أعلام النبلاء»: قال أَبُو تُمَيْلَةَ: عَنْ رُمَيْحِ بْنِ
هِلَالٍ الطَّائِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ(1) قَالَ: وُلِدْتُ
لِثَلَاثٍ خَلَوْنَ مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَجَاءَ عَبْدٌ
لَنَا، فَبَشَّرَ أَبِي وَهُوَ عِنْدَ عُمَرَ، فَقَالَ: أَنْتَ حُرٌّ، وَوُلِدَ
أَخِي سُلَيْمَانُ بَعْدِي، وَكَانَا تَوْأَمًا، فَجَاءَ غُلَامٌ آخَرُ لَنَا
إِلَى أَبِي وَهُوَ عِنْدَ عُمَرَ، فَقَالَ: وُلِدَ لَكَ غُلَامٌ، قَالَ: سَبَقَكَ
فُلَانٌ، قَالَ: إِنَّهُ آخَرُ، قَالَ: فَقَالَ عُمَرُ: وَهَذَا أَيْضًا، أَيْ: أَعْتِقْهُ(2).
تستوقف القارئ
في خبر عبد الله بن بريدة موازاة تتجاوز فرحة الأب بمولوديه؛ إذ أقبل غلام فبشّره
بمولوده الأول وهو عند عمر بن الخطاب، فقال له أبوه بريدة بن الحصيب: أنت حر، ثم
جاء غلام آخر فبشّره بمولوده التوأم سليمان، فقال عمر: وهذا أيضاً أعتقه، فكأن
الفرح لا يريد أن يبقى داخل حدود الأسرة؛ بل يبحث عن إنسان آخر يفتح له باباً إلى
حياة أوسع وأشرف، نعمتان بالولدين، وإحسان يتجه إلى عتق رقبتين؛ فرحة بمجيء حياة
جديدة، وفرحة بزوال قيد أليم.
والخبر ضعيف
الإسناد بـ رميح بن هلال، كما أن لفظه يصرّح بعتق الأول، ثم يحكي حثّ عمر على عتق
الثاني دون التصريح المباشر بتمام تنفيذه، ولذلك تُقرأ موازاة رقبتين لمولودين في
ترجمة عبد الله بن بريدة بوصفها الصورة الأخلاقية الشاخصة التي يتجه إليها الخبر،
لا واقعة قطعية نثبت جميع جزئياتها الحرفية، أما أصل شكر النعم بالإحسان والصدقة
وفضل العتق، فله أدلته الصحيحة المستقلة في الشريعة.
تحول فرحة الميلاد إلى إحسان متعد للآخرين
ليس جمال
المقابلة في أن الاثنين قابلَهما اثنان فحسب؛ بل في طبيعة ما يتقابل: نعمة يتلقاها
الإنسان، وإحسان يستطيع أن يقدمه، فالأب لا يملك خلق الحياة التي بُشّر بها، لكنه
يملك جعل تلقيه لها سببًا في رفع القيد عن غيره، وهكذا تنتقل النعمة من كونها
باعثًا على سروره إلى كونها باعثًا على نفع إنسان آخر.
في الصورة التي
يحملها الخبر، يبدأ عبد الله بن بريدة وسليمان حياتهما، ويتجه الشكر إلى فتح باب
الحرية أمام البشيرين، وليس العتق خلقًا لحياة جديدة، ولكنه تغيير عظيم في حياة
موجودة؛ فالإنسان المعتَق ليس مجرد شاهد على فرحة الأسرة، بل يصبح صاحب فرحة تتعلق
بمصيره هو.
ويضيء هذا
المعنى قوله تعالى: (وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ) (القصص: 77)، فحين يستحضر المرء إحسان الله إليه، يتسع أمامه
السؤال: ماذا أصنع بما نلت؟ أيبقى أثر النعمة في راحتي وحدها، أم يمتد منها شيء
إلى راحة غيري؟
ويتجلى هذا
المعنى في أسمى صوره حين سمع علي بن الحسين حديث فضل العتق، فلم يتردد في ترجمة
المعنى فوراً؛ إذ قال لسعيد بن مرجانة: أنت سمعت هذا من أبي هريرة؟ قال سعيد: نعم،
فقال لغلام له أفره غلمانه: ادع مطرفاً، فلما قام بين يديه قال: اذهب فأنت حر لوجه
الله عز وجل(3).
ومن هنا تُفهم
مقابلة المولودين برقبتين باعتبارها صورة من تجدد الإحسان مع تجدد النعمة، لا
معادلة حسابية ولا حكمًا يلزم كل والد، فالمقصود ليس أن يجعل الإنسان لكل نعمة
ثمنًا، وإنما أن يجعل لها أثرًا صالحًا، وفي واقع الأسرة اليوم، قد يتغير معنى
المناسبة كلها حين يتقدم سؤال الفرج على سؤال المظاهر.
إكرام البشير بالحرية وفاء يخلد أثر الفرح
يدخل البشير
الأول المشهد حاملًا خبرًا يخص الأب بقدوم عبد الله بن بريدة: لقد وُلد لك ولد، ثم
يسمع جوابًا يخصه هو: «أنت حر»، وهذه الحركة من أجمل ما في الرواية؛ إذ يعود الفرح
إلى من جاء به، ولكن في صورة تمس حياته مباشرة.
لقد كان حاملًا
لبشارة غيره، فإذا به يتلقى بشارته، ولم يعد دوره مقصورًا على نقل السرور إلى
البيت؛ صار له نصيب مستقل من السرور، إن عبارتي البشارة والعتق متقاربتان في
القِصر، لكن كل واحدة منهما تفتح لصاحبها بابًا واسعًا: هذه تخبر بمولود، وتلك
تخبر بانتهاء رق.
ولا يعرض النص
هذا العتق بوصفه أجرًا متفقًا عليه لنقل الخبر، وإنما يحكي إحسانًا جاء في إثر
البشارة، ومن هنا يمكن أن نقرأ فيه معنى الاعتراف بمن كان سببًا في وصول السرور
إلينا؛ فلا تختفي وجوه الناس خلف الخدمات والأخبار التي يحملونها.
وهذا ما صنعته
أم المؤمنين أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان حين بَشَّرتها الجارية «أبرهة» بخطبة
النبي صلى الله عليه وسلم لها؛ فأعطت أبرهة سوارين من فضة وخدمتين كانتا في رجليها
وخواتيم فضة كانت في أصابع رجليها سروراً بما بشرتها، فلما وصل إليها صداقها
(أربعمائة دينار) أرسلت إلى أبرهة فقالت لها: إني كنت أعطيتك ما أعطيتك يومئذ ولا
مال بيدي، فهذه خمسون مثقالاً فخذيها فاستعيني بها(4).
وفي أفراحنا
المعاصرة، قد نذكر أصحاب التهاني وننسى من أسهموا في تيسير المناسبة أو تحملوا
مشقتها، ويمكن لشكر صادق أو مكافأة كريمة أن يعيد إليهم حضورهم الإنساني، وليس
المطلوب مساواة صور الإحسان المختلفة بالعتق، بل ألا يكون الناس في نظرنا وسائل
لفرحتنا ثم ينتهي اعتبارهم بانتهاء حاجتنا إليها.
أثر النفع الجذري يقدم على المظاهر الشكلية
تتفاوت الهدايا
فيما تتركه من أثر، فقد تسعد هدية صاحبها ساعة، وقد ترفع عنه معونة عبئًا مستمرًّا،
والعتق في خبر مولد عبد الله بن بريدة ليس إضافة إلى زينة الاحتفال، بل خروج بإنسان
من حال الرق إلى حال الحرية.
ولهذا لا تنصرف
قوة العبارة إلى مقدار ما أُنفق، وإنما إلى نوع ما تحقق: «أنت حر»، فالمعنى أوسع
من نقل مال إلى يد؛ إنه رفع سلطان الملك عن إنسان، ومن هنا تستمد مقابلة الميلاد
بالعتق عمقها: أن يكون الاحتفاء ببداية حياة مناسبة لتحسين حياة أخرى تحسينًا
جذريًّا.
وقد جاء تعظيم
هذا العمل في قوله تعالى: (فَكُّ
رَقَبَةٍ) (البلد: 13)، وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أَيُّمَا
رَجُلٍ أَعْتَقَ امْرَأً مُسْلِمًا اسْتَنْقَذَ اللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ
عُضْوًا مِنْهُ مِنَ النَّارِ»(5)، ففضل العتق ثابت بنص صحيح، وليس
متوقفًا على ثبوت خبر البشارة.
ويصل العطاء
الجذري أوجه حين يتجاوز مظاهر الفرح المعتادة ليغير مصير الإنسان حتى في أشد
الأوقات حرجاً؛ كما كان عند علي بن الحسين قوم فاستعجل خادماً له بشواء كان له في
التنور، فأقبل به الخادم مسرعاً وسقط السفود من يده على بُنَيّ لعلي أسفل الدرجة
فأصاب رأسه فقتله، فقال علي للغلام: أنت حر، لم تَتَعَمَّدْه، وأخذ في جهاز ابنه(6).
وهذا يفتح أمام
المحسن اليوم باب التفكير في أثر عطائه، لا في حجمه الظاهر وحده، فقد تكون إعانة
أسرة على تجاوز حاجة ملحّة أنفع لها من نفقات كثيرة لا تغيّر شيئًا من ضيقها، فالسؤال
الذي يوقظه المشهد ليس: كم بدا عطائي كبيرًا؟ وإنما: ماذا تغيّر في حياة من وصل
إليه؟
توجيه القيادة إلى توسيع أبواب البر والخير
يحمل البشير
الثاني خبرًا يشبه الأول في العبارة، لكنه يختلف عنه في الحقيقة؛ إذ يخص التوأم
سليمان أخا عبد الله بن بريدة، ولهذا جاء جوابه: «إنه آخر»، فليس الخبر تكرارًا لما
سُمع، بل بشارة بمولود ثانٍ؛ وليست الفرحة الثانية مجرد صدى للأولى، بل نعمة أخرى
تستحق أن تُرى.
ثم تأتي كلمة
عمر في الرواية: «وهذا أيضًا»، وهي عبارة قصيرة تتجه إلى إدخال البشير الثاني في
دائرة الإحسان التي دخلها الأول، وهنا يكتمل معنى الموازاة المقصودة: كما تجددت
البشرى بالولد، يتجدد التوجه إلى عتق من جاء بها.
ولا يلزم من ذلك
أن ننسب إلى عمر حديثًا داخليًّا مفصلًا، أو نجعل كلمته حكمًا قضائيًّا بالمساواة
بين البشيرين؛ فالمنقول هو الحث على عتق الثاني، لكن هذا الحث يكشف، في بنية
المشهد، قيمةَ من يرى باب خير مفتوحًا فيشير إلى توسيعه.
ويشهد لأصل
الدلالة على الخير قول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ فَلَهُ
مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ»(7)، فليس إسهام الإنسان في البر مقصورًا على
ما يبذله بيده؛ قد يكون في تنبيه رفيق إلى حاجة لم يلتفت إليها، أو في اقتراح يزيد
نفع عمل بدأه.
وهذا ما تجلى
حين بعث عمر بن الخطاب بعطاء أم المؤمنين زينب بنت جحش؛ فقسمته كله في أيتامها
وذوي رحمها حتى كاد ينفد، غَفَرَ اللَّهُ لَكِ، وَاللَّهِ لَقَدْ كَانَ لَنَا فِي
هَذَا حَظٌّ قَالَتْ: فَلَكُمْ مَا تَحْتَ الثَّوْبِ قَالَتْ: فَرَفَعْنَا
الثَّوْبَ، فَوَجَدْنَا خَمْسًا وَثَمَانِينَ دِرْهَمًا ثُمَّ رَفَعَتْ يَدَهَا،
فَقَالَتْ: اللَّهُمَّ لَا يُدْرِكْنِي عَطَاءٌ لِعُمَرَ بَعْدَ عَامِي هَذَا
قَالَ: فَمَاتَتْ(8).
وفي الأسرة
والعمل الخيري، نحتاج إلى مثل هذا التذكير اللطيف: أن يساعد أحدنا الآخر على رؤية
من بقي خارج دائرة الاهتمام، فعبارة «وهذا أيضًا» تذكير بأن الخير الذي بدأ يمكن
أن يتسع، وأن الفرح إذا التفت إلى الآخرين وجد أمامه أبوابًا لم يكن يراها.
شكر النعم عمل ينبع من المحبة والامتنان
يلفت ترتيب
المشهد في سيرة عبد الله بن بريدة إلى أن الإحسان جاء بعد البشارة، فلا تحكي
الرواية شرطًا سبق الولادة، ولا نذرًا ينتظر الوفاء، وإنما تعرض خبرًا سارًّا
أعقبته مبادرة إلى العتق، وهذه الصورة تقرّب معنى الشكر الذي يتحول من شعور إلى
عمل.
قال تعالى: (اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا) (سبأ:13)، فالاعتراف بالنعمة لا يبقى محصورًا في وصف الفرح بها؛ بل يمكن أن يظهر
في حسن استعمال ما يملكه الإنسان من قدرة ومال، ومن أجمل ذلك أن يقابل ما وُسّع
عليه فيه بتوسعة على غيره.
وهذه زاوية
تحتاجها حياتنا؛ فقد يسهل علينا تذكر الصدقة حين نخاف فقد نعمة، ثم يقل حضورها حين
تستقر النعمة ونطمئن إليها، أما المعنى الذي يدعونا إليه هذا المشهد فهو أن يكون
الرخاء نفسه باعثًا على الإحسان: لا لأن مكروهًا يهددنا، بل لأن خيرًا قد وصل
إلينا.
وفي بيان مراتب
هذا الشكر المنبعث من الفضل والاعتراف بالنعمة لا المبادلة الشرطية، قال علي بن
الحسين: إن قوماً عبدوا الله عز وجل رهبة فتلك عبادة العبيد، وآخرين عبدوه رغبة
فتلك عبادة التجار، وقوماً عبدوا الله شكراً فتلك عبادة الأحرار(9).
وحين يستقر هذا
المعنى، يتخلص العطاء من الحساب الضيق، يصبح للمناسبة نصيب من الشكر لأنه لائق
بالنعمة، لا لأنه وسيلة لانتزاع وعد لم يثبت، فيفرح الوالدان بالمولود، ويشكران
بما يستطيعان، ويتركان الرجاء مفتوحًا على فضل الله دون ادعاء معرفة ما سيأتي.
صيانة كرامة المستفيد شرط لتمام قيمة الإحسان
من المهم، ونحن
نتأمل جمال مقابلة المولودين بالبشيرين في خبر عبد الله بن بريدة، ألا يختفي
المعتَق خلف الثناء على المعتِق، فالمشهد ليس جميلًا لأن الأب بدا كريمًا فحسب،
وإنما لأن إنسانًا نال حريته في صورة الخبر، والفرق كبير بين إحسان يتخذ صاحبه
مركزًا للصورة، وإحسان يتجه إلى حياة من ينتفع به.
إن النظر إلى
المستفيد بهذه العين يغيّر طريقة العطاء، فلا يكون المحتاج شاهدًا مطلوبًا على
سخاء غيره، ولا تصبح حاجته مادة لزينة المناسبة، ولا يُطالَب بأن يدفع من خصوصيته
وكرامته ثمنًا للمعونة التي تلقاها.
وقد بلغ الحرص
على صيانة كرامة المحتاج وحفظ ماء وجهه مبلغه عند السلف؛ إن عَامِر بن عبد الله
بْنِ الزُّبَيْرِ يَتَحَيَّنُ الْعُبَّادَ وَهُمْ سُجُودٌ، أَبَا حَازِمٍ
وَصَفْوَانَ بْنَ سُلَيْمٍ وَسُلَيْمَانَ بْنَ سُحَيْمٍ، وَأَشْبَاهَهُمْ
فَيَأْتِيهِمْ بِالصُّرَرِ فِيهَا الدَّنَانِيرُ وَالدَّرَاهِمُ فَيَضَعُهَا
عِنْدَ نِعَالِهِمْ حَيْثُ يَحُسُّونَ بِهَا وَلَا يَشْعُرُونَ بِمَكَانِهِ
فَيُقَالُ: مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تُرْسِلَ بِهَا إِلَيْهِمْ؟ فَيَقُولُ: أَكْرَهُ
أَنْ يَتَمَعَّرَ وَجْهُ أَحَدِهِمْ إِذَا نَظَرَ إِلَى رَسُولِي أَوْ إِذَا
لَقِيَنِي(10).
كذلك كان علي بن
الحسين يحملُ الخبزَ على ظهرهِ باللَّيل يتَّبِعُ به المساكين في ظُلمة الليل،
ويقول: إنَّ الصَّدقة في سواد الليل تُطفئُ غضبَ الرَّبِّ عزَّ وجلَّ(11).
وفي الاحتفال
بمولود اليوم، يمكن أن يصل الخير إلى أسرة أخرى دون إعلان حاجتها أو تصوير أفرادها،
وقد تكون المساعدة هادئة لا يعرفها جمهور المهنئين، لكنها تحمل إلى أصحابها من
الفرج ما لا تحمله مظاهر كثيرة.
ترسيخ ذاكرة العطاء يورث القدوة الحسنة للأبناء
لا يعي المولود
تفاصيل ما يجري حوله، لكن الأسرة تستطيع أن تجعل من أيام الفرح ذاكرة أخلاقية
يلقاها حين يكبر؛ كما نُقل في أخبار مولد عبد الله بن بريدة، فبدل أن يسمع عن تكلفة
الحفل وحدها، يمكن أن يعرف أن فرحة أهله به اقترنت بمعونة إنسان أو تفريج حاجة.
وليس المقصود أن
نثبت لأبناء بريدة تفاصيل تربوية لم ينقلها الخبر، وإنما نقرأ إمكانًا تربويًّا
قريبًا: أن يُربَّى الطفل على أن وجوده بين أهله نعمة، وأن شكر النعمة يتسع لغيره،
وأن التركة الحقيقية هي الصلاح والتقوى.
وهذا المعنى
التربوي هو ما قرره عمر بن عبد العزيز حين دخل عليه مسلمة بن عبد الملك في مرضه
وقال له إنك تركت ولدك عيلة ولا شيء لهم، فقال عمر: إن وصيي ووليي فيهم الله الذي
نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين، بنيّ أحد رجلين: إما رجل يتقي الله فسيجعل الله له
مخرجاً، وإما رجل مكب على المعاصي فإني لم أكن لأقويه على معاصي الله(12).
وتستطيع الأسرة
أن تبدأ بما يناسب قدرتها؛ كالإسهام في حاجة أسرة تستقبل مولودًا، أو إعانة معسر
على بعض التزاماته، ثم تكون التربية الأبلغ في استمرار هذا المعنى بعد المناسبة؛
فالحكاية تُثمر حين تجد ما يصدقها في السلوك.
ومن هنا يمكن أن
يتحول يوم الميلاد من ذكرى لما أُهدي إلى الطفل فقط، إلى بداية معنى يتعلمه: أن
يحب نعمته دون تعالٍ، وأن يفرح دون غفلة عن أحوال الناس، وأن يعرف أن بعض أجمل ما
يفعله الإنسان بفرحه أن يصنع منه فرحًا لغيره.
الفرح بميلاد عبد الله بن بريدة واخيه شمل العبيد
إن الزاوية
المركزية التي قصدنا التركيز عليها في هذا المقال هي تحويل لحظات المسرة الفردية
من مجرد استهلاك للمظاهر واستعراض للنعم إلى أبواب فرج وإحسان متعدٍّ يصل إلى حياة
الآخرين، يتجلى ذلك في جوهر خبر عبد الله بن بريدة؛ حيث تعقبت البشرى الأولى حريةُ
بشير، وأتبعت البشرى الثانية بالحث على حرية آخر.
فالمسألة ليست جمع أرقام متقابلة، بل وصل النعم بوجوه البر والتفريج؛ إذ يصبح الفرح بالولادة والنعمة باعثًا ذكيًّا على رفع القيد والتخفيف عن المحتاج، وحين تستقر هذه الوجهة في سلوك الأفراد والأسر، تتحول المناسبات الاجتماعية إلى منافذ إنسانية راقية، لا تبقى بشارتها حكرًا على صاحبها، بل يمتد أثرها ليصنع سرورًا حقيقيًّا وثابتًا في حياة إنسان آخر.
الهوامش
- 1 عبد الله بن بريدة بن الحُصيب الأسلمي، كنيته أبو سهل، تابعي جليل وإمام ثقة وُلد في خلافة عمر (نحو 15هـ)، اشتُهر بسعة رواية الحديث النبوي، والفقه، وتولّيه قضاء مرو، استوطن مرو بخراسان داراً وسكناً، وتوفي بها سنة 115هـ عن 100 عام.
- 2 سير أعلام النبلاء (5/ 51).
- 3 جامع المسانيد لابن الجوزي (5/ 495).
- 4 المستدرك على الصحيحين (7/ 506/ 6924).
- 5 صحيح البخاري (2/ 891/ 2381).
- 6 مرآة الزمان في تواريخ الأعيان (10/ 51).
- 7 سنن أبي داود (7/ 447/ 5129).
- 8 مجابو الدعوة لابن أبي الدنيا (43/ 45).
- 9 التذكرة الحمدونية (1/ 76/ 119).
- 10 الإخوان لابن أبي الدنيا (210/ 168).
- 11 جامع العلوم والحكم (2/ 140/ 29).
- 12 مرآة الزمان في تواريخ الأعيان (10/ 300).
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً